النص المفهرس

صفحات 121-140

تظهرُونَ﴾ (١) (٢)، ﴿وَأَقِمِ الصّلاة طَرَفىِ النَهَارِ وَزْلَها مَنَ الليْلِ إِنَ الحسناتِ يدهِبن
السَّيِّئَاتِ﴾(٣).
أقول : قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله﴾ الآية فى سورة الأحزاب وقد
فسرنا الذكر الكثير .
قوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ البكرة أول النهار، ذكر فى التفسير أن المراد منه،
/ ٧١/ صلاة الفجر، لأنه فى أول النهار ﴿وَأَصِيلاً﴾ يعنى: صلاة آخر النهار وهى
العصر ، وقد فسر الشيخ الأصيل بقوله : "وهو ما بين العصر إلى المغرب" .
قال صاحب "الكشاف"(٤): "بكرة وأصيلا أى: فى كافة الأوقات. فإن قيل: التسبيح
داخل فى قوله: ﴿اذْكُرُواْ اللّهَ﴾، فلم أفرده بقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾؟ قلت: اختصه من بين
أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل عليهما السلام - من بين الملائكة ، ليبين فضله على
سائر الأذكار ، لأن معناه تنزيهُ ذاتِهِ عَمَّا لا يجوزُ عليه من الصفات والأفعال، وتبرئته من
القبائح ، ومثال فضله على غيره من الأذكار ، فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس
المعاصى ، والطهر من أرجاس المآثم على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر
على الطاعات كلها ، والاشتمال على العلوم ، والاشتهار بالفضائل ، ويجوز أن يريد
بالذكر وإكثاره تكثير [الطاعات و| الإقبال على العبادة، فإن كل طاعة وكل خير من
جملة الذكر ، ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلا ، وهى الصلاة فى جميع أوقاتها،
(١) سورة الروم (١٧، ١٨).
(٢) فى الكلم الطيب الآية الأولى فقط .
(٣) سورة هود (١١٤) .
(٤) انظر تفسير الكشاف (٥٤٥/٣).
( ١٢٠ )

لفضل الصلاة على غيرها، أو صلاة الفجر والعشائين ، لأن أدائهما أشق، ومراعاتهما
أُشد"(١) .
قوله : ﴿وَأذكُرُ رَّبَّكَ﴾ الآية قد فسرناها فى أول الكتاب.
قوله: ﴿وَسَبِخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَاْلإِبْكَارِ﴾ فى سورة "الغافر"(٢). قال صاحب
"الكشاف": "فالعشى والإبكار قيل هما صلانا العصر والفجر"(٣).
وقال الشيخ أبو الليث - رحمه الله -: "ويقال: سبِّح الله تعالى، واحْمَدْه بلسانك فى
أول النهار وآخره"(٤) .
قوله: ﴿وَسَبِحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ / ٧٢ / فى سورة "ق" والتسبيح
محمول على ظاهره، أو على الصلاة، فالصلاة قبل طلوع الشمس الفجر. وقبل الغروب
الظهر والعصر .
قوله : ﴿وِمِنَ اللَّيْلِ﴾ العشاء . وقيل : التهجد .
وقوله : ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ التسبيح فى أدبار الصلوات. وقيل: النوافل بعد
المكتوبات . وعن ابن عباس: "الوتر بعد العشاء" . والأدبار جمع دبر. وقرئ ﴿وإدبار﴾
من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت . ومعناه وقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك
خفوقَ النجمِ .
(١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف .
(٢) كذا، ولم يرد أن من أسماء السورة "الغافر" بل "سورة غافر" ، وكذا ليس من أسمائه سبحانه
"الغافر" ، وإنما "الغفار" ، والله أعلم .
(٣) انظر تفسير الكشاف (١٧٣/٤).
(٤) انظر تفسير السمرقندى المسمى "بحر العلوم" (١٧١/٣).
( ١٢١ )

قوله : ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية فى سورة "الأنعام". روى عن سعد بن
أبى وقاص - ه - أنه قال: "نزلت هذه الآية فىَّ وفى ستة من أصحاب النبى
- عليه السلام -، منهم عبد الله بن مسعود . وقالت قريش: تدنى هؤلاء السفلة؟ هم
الذين يلونك؟ فوقع فى قلبه أن يطردهم، فنزل: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾(١).
﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ﴾ يعنى: يصلون لله فى أول النهار وآخره .
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يعنى يريدون يصلواتهم وجه الله تعالى. قال فى "الكشاف": "أمره
بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم
يواصلون دعاء ربهم، أى : عبادته، ويواظبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشى
الدوام، ووسمهم بالإخلاص فى عبادتهم بقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ والوجه يعبر به عن
ذات الشىء وحقيقته"(٢).
قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبْحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، فى سورة "مريم". ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾
يعنى: أشار وأومأ إليهم. ويقال: كتب كتابا على الأرض، ولم يقدر أن يتكلم به .
﴿أَن سَبُحُواْ﴾ يعنى: صلوا لله تعالى بكرة وعشيا، يعنى: غدوة وعشيا، يعرف
عنه -
(١) مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فى فضل سعد بن أبى وقاص - ضي
(٤٦،٤٥/٢٤١٣).
(٢) انظر تفسير الكشاف (٢٧/٢). قلت: وظاهر اللفظ أنه لا يثبت الله - عز وجل - وجهًا على
الحقيقة ، وإنما هو مجاز عن الذات، والأمر بخلافه، فمذهب أهل السنة أن لله - عز وجل -
وجها على الحقيقة كآية الأنعام هذه، بلا تأويل ، ولا تمثيل ، ولا تعطيل، ولا تشبيه ، ﴿ليس
كمثله شىء وهو السميع البصير﴾، نعم، قد يعبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى: ﴿كل شىء
هالك إلا وجهه﴾ ولكن هذا لا ينفى عنه أن له وجها على الحقيقة، اعتقادُ محمد ◌ُّ وأصحابه،
والتابعين لهم بإحسان، فافهم هدانى الله وإياك سواء السبيل، وانظر مجموع الفتاوى
(١٢٩/٣ : ١٣٣) .
( ١٢٢ )

/ ٧٣ / عند ذلك أنه آية الولد، "والقصة (١) فى هذا أن أسباط روى عن السدى قال:
لما بشر زكريا - عليه السلام - جاءه الشيطان - عليه اللعنة - قال: إن هذا النداء الذى
نوديته ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك
كما كان يوحى إليك. فقال عند ذلك ﴿رَبِّ اجْعَل لَّى أَيَةٌ﴾ أعلم بها أن هذا النداء
منك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿أَيَتُكَ أَلاَّ تُكُلِّمَ الناس ثلاث ليال سويًا﴾ يعنى: علامتك
أن لا تستطيع أن تكلم الناس ثلاث ليال سويا وأنت سليم صحيح من غير خرس ولا
مرض، ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقر بها، ووضع الولد فى رحمها، فلما أصبح اعتُقِلَ
نسانه عن كلام الناس"(٢). ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ يعنى: من المسجد.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ إلى آخره .
قوله : ﴿وِمِنَّ اللَّيْلِ فَسَبُحْهُ وَإِذْبَارَ الْنّجُومِ﴾ فى سورة "الطور" . يعنى: وإذا أدبرت النجوم
من آخر الليل. وقرئ ﴿وأدبار﴾ بالفتح . يعنى: فى أعقاب النجوم وآثارها، أو أغربت .
والمراد: الأمر بقول: "سبحان الله وبحمده" فى هذه الأوقات. وقيل: التسبيح: الصلاة إذا
قام من نومه . ومن الليل صلاة العشاءين ، وإدبار النجوم صلاة الفجر .
قوله : ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون﴾ الآية فى سورة "الروم". يعنى:
صلوا لله ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يعنى: صلاة المغرب والعشاء. ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ يعنى :
صلاة الفجر. ﴿وَعَشِيًّا﴾ يعنى: صلاة العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ يعنى: صلاة
الظهر. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَلُوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يعنى: يحمده أهل السموات وأهل
الأرض. ويقال له الألوهية فى السموات والأرض، كقوله: ﴿وَهُوَ الْذِى / ٧٤ /
فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الأَرْضِ إِلَةٌ﴾. ويقال: وله الحمد على أهل السموات وأهل
الأرض، لأنهم فى نعمته. فالحمد واجب عليهم. قال فى "الكشاف": "والمراد بالتسبيح
(١) انظر تفسير السمرقندى (٣١٩/٢).
(٢) إلى هنا انتهى النقل من تفسير السمرقندى .
( ١٢٣ )

ظاهره الذى هو تنزيه الله من السوء، والثناء عليه بالخير فى هذه الأوقات ، لما يتجدد
فيها من نعمة الله الظاهرة. وقيل: الصلاة . وقيل لابن عباس : هل تجد الصلوات الخمس
فى القرآن ؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية"(١).(٢)
قوله: ﴿وَعَشِيًّ﴾ متصل بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُون﴾، ﴿وَلَهُ الحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ
والأَرْضِ﴾ معترض بينهما .
قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزْلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ فى سورة "هود" - عليه السلام -
﴿طَرَفِىِ النَّهَارِ﴾ غدوة وعشية. ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ وساعات من الليل، وهى ساعاته
القريبة من آخر النهار ، من أزلفه إذا قربه ، وازدلف إليه . وصلاة الغدوة الفجر ، وصلاة
العشية الظهر والعصر ، لأن ما بعد الزوال عشى، وصلاة الزلف المغرب والعشاء.
وانتصب ﴿طَرَفَىِ الْنّهَارِ﴾ على الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت
عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار، وأوله وآخره، بنصب هذا كله على إعطاء
المضاف حكم المضاف إليه ونحوه، وأطراف النهار .
قوله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ فیه وجهان : أحدهما : أن يراد تكفير الصغائر
بالطاعات، وفى الحديث: "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر*(٣).
والثانى : إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكون لطفا فى تركها، كقوله : ﴿إِنَّ
الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْكَرِ﴾(٤).
(١) سور الزخرف (٨٤).
(٢) انظر تفسير الكشاف (٤٧١/٣).
(٣) مسلم: كتاب الطهارة ، باب الصلوات الخمس ... مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر
(١٦:١٤/٢٣٣) من حديث أبى هريرة بلفظ: "الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن
ما لم تغش الكبائر" وفى رواية زاد فيها: "ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" .
(٤) سورة العنكبوت (٤٥).
( ١٢٤ )

[قال شيخ الإسلام:] ١٧ - قال أبو هريرة - رضي الله -: [قال النبى(وَثَ)(١): "مَن قَالَ حِينَ
يُصْبِحُ وحينَ يُمسِى: سُبحانَ اللهِ وبحمدهِ مائةَ مرةٍ ، لم يَأْتِ أَحدٌ يومَ القِيَامِةِ بأفْضَلَ مِمَّا
جَاءَ بِهِ، إلا رجلٌ قَالَ مِثْلَ / ٧٥ / مَا قَالَ، أو زَادَ عليهِ " خرجه مسلم(٢).
أقول: "حين يصبح" أى: حين يدخل فى الصباح .
"وحين يمسى" أى: حين يدخل فى المساء.
قوله : "مائة مرة" تعيين المائة لحكمة اطلع عليها الشارع، وخفى وجهها علينا .
قوله : "بأفضل" أى: بشىء أفضل مما جاء به هذا القائل.
قوله : "أو زاد عليه" يدل على أن الزيادة لا تضر فى تعيين العدد ، بخلاف النقصان .
وقد مَرَّ الكلام فيه .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨ - وخرج أيضا عن عبد الله بن مسعود - ﴿ه - قال: "كان
نِبِىُّ اللهِ وَّ إذا أَمْسَى قال: أَمْسَيْنَا وأمسَى الملكُ للهِ، والحمدُ للهِ، لا إلهَ إلا الله،
وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو عَلَى كلُّ شيءٍ قديرٌ، رَبُّ أسألُكَ
خَيْرَ مَا فى هذهِ الليلةِ وخَيْرَ مَا بَعْدَهَا ، وأعوذُ بِكَ من شَرُ ما فى هذِهِ اللیلةِ وشرٌ
ما بعدَهَا، رَبِّ أعوذُ بِكَ منَ الكَسَلِ ، وسوءِ الكِبَرِ. رَبِّ أعوذُ بكَ من عذابٍ فى
النار، وعذابٍ فى القبرِ. وإذا أصبح قال ذلك أيضا: أصبحنا وأصبح الملكُ اللهِ"(٣).
أقول : خرج مسلم أيضا فى "صحيحه" بإسناده إلى عبدالله بن مسعود بن غافل -
هذا الحديث .
٢٠
(١) زيادة من "الكلم الطيب" المطبوع .
(٢) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٢٩/٢٦٩٢).
(٣) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل (٢٧٢٣/
٧٤ : ٧٦) .
( ١٢٥)

قوله : "إذا أمسى" أى: إذا دخل فى المساء.
قوله : "وأمسى الملك الله" أى: استمر دوام الملك لله.
قوله : "والحمد لله" يجوز أن يكون الحمد مرفوعا على الفاعلية، تقديره، واستمر الحمد
لله . والظاهر أنه مرفوع بالابتداء .
قوله : "رب" أى : يا رب .
٠٫
قوله : "خير ما فى هذه الليلة" أنى: الخيرات التى تحصل فى هذه الليلة، من خيرات
الدنيا والآخرة. أما خيرات الدنيا فهى حصول الأمن والسلامة من طوارق الليل وحوادثه
ونحوهما، وحصول الدنيا / ٧٦ / الخفى سببها، وأما خيرات الآخرة فهى حصول
التوفيق لإحياء الليل بالصلاة والتسبيح، وقراءة القرآن ونحو ذلك.
قوله : "وخير ما بعدها" أى: أسألك خير ما بعد هذه الليلة، أى: الخيرات التى تعقب
هذه الليلة .
قوله : "من الكسل" وهو عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة ، فلا يكون
معذورًا، بخلاف العاجز، فإنه معذور لعدم القوة ، وفقدان الاستطاعة .
قوله : "وسوء الكِيَرِ" أراد به ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط فى الرأى، وغير
ذلك مما يسوء به الحال، وهو بكسر الكاف وفتح الباء، وقيل : سكون الباء وليس بصحيح.
وفى رواية "وسوء الكفر" أى سوء عاقبة الكفر. ويحتمل أن يكون المراد من الكفر كفران
النعمة . وفى هذا الحديث ونحوه دليلٌ لاستحباب الدعاء، والاستعاذة من هذه الأشياء
ونحوها، وهذا هو الصحيح، وعليه إجماع العلماء فى الأعصار، وذهبت طائفة من الزهاد
وأهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلاما للقضاء. وقال آخرون منهم: إن وجد فى
نفسه باعثا للدعاء استحب وإلا فلا. ودليل الأولين ظواهر الكتاب والسنة فى الأمر بالدعاء،
وفعله - عليه السلام -، والأخبار عن الأنبياء - عليهم السلام - وإنما خص عَذَابِى النار والقبر من
بين سائر أعذبة يوم القيامة لشدتهما، وعظم شأنهما، أما القبر فلأنه أول منزل من منازل الآخرة،
( ١٢٦)

فإن من سلم فيه سلم فى الجميع، وأما النار فإن عذابها لا يقطع، نعوذ بالله من ذلك. واستفيد
من هذا الحديث فوائد :
الأولى : فيه دليل على جواز إضافة الخير والشر إلى الليل .
والثانية: فيه دليل / ٧٧ / على الحشر، ردًّا على من أنكر المعَاد .
والثالثة : فيه دليل على النار، ردًّا على من أنكرها .
والرابعة : فيه دليل على عذاب القبر، ردًّا على المعتزلة .
والخامسة : فيه دليل على استحباب الدعاء، والاستعاذة من هذه الأشياء ونحوها كما قلنا
الآن ، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] ١٩ - قال عبد الله بن حُبيب: "خَرَجْنَا فى ليلةٍ مَطَرٍ،
[وَظُلْمَةٍ(١) شَديدةٍ نطلبُ النبىَّ [صلى الله)(١) عليه وسلم لِيُصَلَّىَ لَنا، فأدركْنَاهُ
فقال : قُلْ ! فلم أقل شيئًا . ثم قال : قل ! فلم أقل شيئا . ثم قال : قل ! قلت : يا
رسولَ اللهِ ما أقولُ؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ "والمعوذتين" حينَ تُمْسِى وحينَ تُصبحُ
ثلاثَ مراتٍ ، يَكْفِيك مِن كُلُ شَىءٍ" خرجه أبو داود والنسائى والترمذى وقال : حديث
حسن صحيح(٢).
(١) زيادة من مصادر التخريج والكلم الطيب .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٨٢)، والترمذى فى كتاب
الدعوات ، باب (١١٧)، رقم (٣٥٧٥)، والنسائى فى كتاب الاستعاذة (٢٥٠/٨) وغيرهم من
طريق ابن أبى ذئب ، عن أسيد بن أبى أسيد ، عن معاذ بن عبد الله عن أبيه به . ورواه النسائى
(٢٥٠/٨-٢٥١) من طريق زيد بن أسلم، عن معاذ به، ورواه كذلك (٢٥١/٨) من طريق
معاذ بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر الجهنى ، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح
الجامع" (٤٤٠٦) وغيره .
( ١٢٧ )

أقول : عبد الله بن حبيب - بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة الأولى، وسكون
الياء تحتها نقطتان - الجهنى حليف الأنصار مدنى ، له ولإخوته صحبة ، حديثه فى أهل
الحجاز، روى عنه ابنه معاذ بن عبد الله(١)، وروى له أبو داود والترمذى والنسائى
و ابن ماجه(٢) .
قوله : "والمعوذتين" "سورة الفلق والناس" وإنما خص هذه السور الثلاث من بين سائر
السور، لما فيها من الفضائل العظيمة، وإن كان القرآن كله على السواء فى الفضل. أما
"سورة الإخلاص" فلما روى مسلم فى "صحيحه" عن النبى - عليه السلام - ، أنه قال :
"أيعجزُ أحدُكم أن يقرأَ فى ليلةٍ ثُلثَ القرآنِ؟ قالوا : وكيف نقرأُ ثلثَ القرآنِ؟ قال:
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ﴾ تَعْدِلُ ثلثَ القرآنِ"(٣). وفى "صحيح البخارى ومسلم" عن عائشة
- رضى الله عنها - : "أن النبيَّ - عليه السلام - بَعَثَ رجلاً على سَريةٍ، وكان يقرأ
لأصحابه فى صلاِهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيِ
/ ٧٨/ - عليه السلام - فقال: سَلُوه لأىِّ شىءٍ يصنُع ذَلك؟ فسألوه فقال: لأنها
صفةُ الرحمنِ ، وقال: أنا أحبُّ أن أقرأَهَا . فقال النبيُّ - عليه السلام -: أخبروه أنَّ
الله يُحِبُّه"(٤).
(١) فائدة : هذا الحديث من رواية ابنه معاذ عنه .
(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١٥٣٨/٣)، أسد الغابة (٢٩١٦/٣)، الإصابة (٤٦٥٢/٤).
(٢) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٢٥٩/٨١١ -
٢٦٠) .
(٤) البخارى: كتاب التوحيد، باب ما جاء فى دعاء النبى وَّ أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى
(٧٣٧٥)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾
(٢٦٣/٨١٣) .
( ١٢٨ )

وأما "سورتا المعوذتين" ، فلما روى مسلم فى "صحيحه" عن عقبة بن عامر قال: قال
رسول الله وَ﴿: "ألم تَرَ آيَاتٍ أُنزِلتْ الليلةَ! لم نر مثلهن قط! ﴿أَعُوذُ بِرَبُ الْفَلَقِ﴾
و﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾(١).
فإن قيل : كيف تعدل "سورة الإخلاص" ثلث القرآن؟ قلت : لأن القرآن ثلاثة أقسام :
ثلث أحكام ، وثلث وعد ووعيد، وثلث أسماء وصفات . وقد جمع الله فى "سورة
الإخلاص" الثلث وهو الصفات. وقيل: إن معرفة الله فى معرفة ذاته ، ومعرفة أسمائه
وصفاته، ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته .
وقال ابن عقيل : المعنى : من عمل بما تضمنته من الإقرار بالتوحيد ، والإذعان للخالق،
كان كمن قرأ ثلث القرآن .
قوله : "يكفيك من كل شىء" يعنى: يغنيك من كل أنواع الذكر والثناء فى الصباح
والمساء. أو معناه : يكفيك قراءة هذه السور الثلاث فى الصباح والمساء فى دفع طوارق
الليل والنار، وحوادثهما من الآفات والبلايا والدواهى ونحوها .
قوله : "خرجه أبو داود والنسائى" أما أبو داود فقد ذكرناه، وأما النسائى فهو : أبو
عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على بن بحر النسائى .
قوله : "وقال" أى: الترمذى.
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠ - وذكر أبو هريرة - ﴿ه -، عن النبى وَّةِ: "أنه كان يُعِلِّمُ
أصحابَه يقولُ إذا أصبحَ أحدُكم فليقلْ: اللهمَّ بِكَ أَصْبحنَا وبك أمسيناً ، وبك نَحيا وبك
نَمسوتُ، وإليكَ النَّشورُ. وإذا أمسى قال: اللهم بكَ أمسيناً،وبِكَ / ٧٩ /
أصبحنَا،ومِكَ نَحْيا، وبك نَموتُ، وإليك المَصِيرُ" قال الترمذى: حديث حسن صحيح(٢).
(١) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة المعوذتين (٢٦٤/٨١٤-٢٦٥).
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما جاء فى الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٣٣٩١)
وقال: حديث حسن، وكذا وقع فى تحفة الأشراف (١٢٦٨٨) فلعله من اختلاف النسخ،
=
( ١٢٩)
-..

أقول: إنما قال "وذكر أبو هريرة "ولم يقل "روى" أو "حدث" لأنه حكى عن تعليم النبى مُ ث .
قوله: "بك أصبحنا" الباء فى قوله : "بك أصبحنا" متعلق محذوف، فكأنه يريد:
بنعمتك أصبحنا ، أو بحفظك أو بذكرك، وكذلك التقدير فى قوله : "وبك أمسينا".
قوله: "وبك نحيا" أى باسمك نحيا وباسمك نموت، ويكون فى معنى الحال، أى:
مستجيرين ومستعيذين باسمك فى جميع الأوقات، وسائر الأحوال، فى الإصباح
والإمساء، والمحيا والممات .
قوله: "وإليك النشور" يعنى: يوم القيامة: الحشر والنشر والاجتماع إلى الله تعالى.
قوله: "وإليك المصير" أى المرجع. وإنما قال فى الإصباح "وإليك النشور" وفى
الإمساء "وإليك المصير" لأن الإصباح يشبه النشر بعد الموت، والإمساء يشبه الموت بعد
الحياة ، فلذلك قال فيما يشبه الحياة : "وإليك النشور" وفيما يشبه الممات: "وإليك
المصير" رعاية للتناسب والتشاكل، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] ٢١ - وعن شداد بن أوس، عن النبى ﴿ّ قال: "سَيدُ الاستغفارِ:
اللهم أنتَ ربى، لا إلهَ إلا أنتَ، خلقتِى وَأَنَا عبدُكَ، وأنا على عهْدِكَ ووعدِكَ
مَا استطعتُ ، أعوذُ بكَ من شرٌّ مَا صَنعتُ، أَبُوءُ لَكَ بنعمتِكَ عَلَىَّ ،وَأَبُوءُ بدنِى،
فاغفرْ لِى فإنه لاَ يَغْفِرُ الذَّنوُبَ إلا أنتَ. من قالها حين يُمسى فمات من ليلتِهِ دَخلَ
الجنةَ. ومن قالها حينَ يُصبحُ فمات من يومِهِ دَخلَ الجنةَ" خرجه البخارى(١).
- ورواه كذلك أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٦٨) إلا أنه قال : "و
إليك النشور" فى دعاء المساء أيضا ، وابن ماجه فى كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا
أصبح وإذا أمسى (٣٨٦٨) وليس عنده "وإليك النشور" فى دعاء الصباح، وغيرهم من طريق
سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة به، وحسنه الشيخ الألبانى فى الصحيحة
(٢٦٢ ، ٢٦٣) .
(١) البخارى: كتاب الدعوات ، باب فضل الاستغفار (٦٣٠٦).
( ١٣٠ )

أقول : هو أبو یعلی شداد بن أوس بن ثابت / ٨٠ / بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد
مناة بن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار ، وهو ابن أخى حسان بن ثابت شاعر النبى
- عليه السلام - الأنصارى النجارى المدنى، سكن بيت المقدس وأعقب بها. روى له
عن رسول الله وال خمسون حديثا، أخرج له البخارى حديثا، ومسلم آخر . روى عنه
ابنه يعلى، وأبو إدريس الخولانى، ومحمود بن لبيد، وعبد الرحمن بن غنم، وبشير بن
كعب، وأبو الأشعث شَرَاحيل بن آدة الصنعانى، وأبو أسماء الرحبى ، وحمزة بن حبيب،
وجبير بن نفير ، وشداد أبو عمار، وكثير بن مرة وغيرهم. مات ببيت المقدس سنة ثمان
وخمسين . وقيل : سنة إحدى وأربعين ، وهو ابن خمس وسبعين سنة ، وقبره بظاهر باب
الرحمة ، باقٍ إلى الآن. وقال ابن الأثير: مات بالشام. روى له الجماعة(١).
قوله : "لا إله إلا أنت خلقتنى" اعتراف بالوحدانية والخالقية.
قوله : "وأنا عبدك" اعتراف بالعبودية.
قوله: "وأنا على عهدك ووعدك" يعنى: عهدك إلى بأن أوحدك، وأعترف بألوهيتك
ووحدانيتك، ووعدك الجنة لى على هذا. يعنى: أنا مقيم على توحيدك، وعلى حقيقة وعدك لى.
قوله: "ما استطعت" أى قدر استطاعتى، لأن العبد لا يقدر إلا قدر استطاعته .
قوله: "أبوء لك بنعمتك على" أى: أعترف وأقر لك بما أنعمت به على.
قوله : "وأبوء بذنبى" أى أعترف بما اجترحت من الذنب. من قولهم: باء بحقه، أى:
أقر. وذا يكون إبداء بما عليه لا له .
قال لبيد :
أنكرتُ باطلَها وبُؤْتُ بحقها *** عندى ولم تفخر على كرامها
قوله : "فإنه" أى: فإن الشأن أنه / ٨١ / "لا يغفر الذنوب إلا أنت" لأن غفران
الذنوب مخصوص لله تعالى .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١١٦٣/٢)، أسد الغابة (٢٣٩٢/٢)، الإصابة (٣٨٥١/٣).
( ١٣١ )

[قال شيخ الإسلام:] ٢٢ - وعن أبى هريرة -رضى الله عنه-، أن أبا بكر الصديق
- ◌َّ - قال: "يا رسولَ اللهِ علمنى شيئا أقولُه إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ. قال:
قل: اللهمَّ عالِمَ الغيب والشهادةِ، فَاطر السموات والأرضِ، رَبَّ كُلِّ شيءٍ
ومليكهُ، أشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلا أنتَ، أَعوذُ بِكَ من شرٌ نَفْسِى، وشرُ الشيطان
وشِرْكِهِ"(١) وفى رواية: "أَنْ أقترفَ عَلَى نفسِى سُوءاً، أو أَجُرُّهُ عَلَى مُسلمٍ. قُلْهُ إِذَا
أصبحت وإذا أمسيتَ، وإذا أخذتَ مَضْجَعَكَ((٢) قال الترمذى: حديث حسن
صحيح .
أقول : أبو بكر الصديق هو : عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن
تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ، يلتقى مع رسول الله له في مرة بن كعب ، وأمه
أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أسلم أبواه . وقيل :
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٦٧) ،والترمذى فى كتاب
الدعوات، باب (١٤)، رقم (٣٣٩٢)، والنسائى فى الكبرى فى كتاب النعوت
(٧٧١٥/٤)، وفى "عمل اليوم والليلة" (٥٦٧،١١)، وأحمد (١٠،٩/١)، (٢٩٧/٢) وابن
السنى (٤٣، ٧١٨، ٧١٩، ٧٢٠، ٧٢١) وغيرهم من طريق يعلى بن عطاء، عن عمرو بن
عاصم، عن أبى هريرة ، عن أبى بكر به. ورواه أحمد (١٤/١) عن هاشم بن القاسم ثنا شيبان،
عن ليث ، عن مجاهد، عن أبى بكر به ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع"
(٤٤٠٢) .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٩٥)، رقم (٣٥٢٩)، وأحمد (١٩٦/٢) من طريق
إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهانى ، عن أبى راشد الحُبْرانى عن عبد الله بن عمرو بن
العاص به ، وليس من حديث أبى هريرة كما يوهم صنيع شيخ الإسلام ، وقال الترمذى :
"حديث حسن"، ورواه أحمد (١٧١/٢) من طريق أخرى، وصححه الشيخ الألبانى فى الكلم
الطيب ، ورواه أبو داود (٥٠٨٣) من حديث أبى مالك الأشعرى بنحوه بسند صحيح، كما
قال الشيخ أيضا .
( ١٣٢ )

اسمه عتيق . وقيل : إنما سمى عتيقا لحسن وجهه . وعن عائشة من غير وجه، أن رسول
الله ◌َّ قال: "أبو بكر عتيق الله من النار"(١) فمن يومئذ سمى عتيقا. وقيل: سمى به
لأنه لم يكن في نسبه شئ يعاب ،وهو أول الناس إسلاما، هاجر مع رسول الله -عليه
السلام- ، وشهد معه بدرا والمشاهد كلها، ثم ولى الخلافة بعد وفاته -عليه السلام-
سنتين ونصفا . وقيل : سنتين وأربعة أشهر إلا عشرة أيام. وقيل : سنتين وثلاثة أشهر
إلا خمس ليالى . وقيل : ثلاثة أشهر وسبع ليال . وقيل : ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما .
وقيل : عشرين شهرا . واستكمل بخلافته سن النبي -عليه السلام- / ٨٢ / مات وهو
ابن ثلاث وستين سنة. وصلى عليه عمر بن الخطاب- فته - فى المسجد ،ودفن ليلا فى
بيت عائشة مع رسول الله - عليه السلام- ، ونزل فى قبره عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان وطلحة بن عبيد [الله]، وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، وتوفى يوم الاثنين . وقيل :
ليلة الثلاثاء لثمان ، وقيل: لثلاث بقين من جمادى الأولى ، سنة ثلاثة عشر من الهجرة،
روى له عن رسول الله وَ ل مائة حديث واثنان وأربعون حديثا، اتفقا منها على ستة
أحاديث، وانفرد البخارى بأحد عشر حديثاً،ومسلم بحديث واحد . روى عنه عمر بن
الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعلى بن أبى طالب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
وأبو هريرة ، والبراء بن عازب، وعائشة ابنته زوج النبى -عليه السلام-، وعبد الله بن
عباس ،وزيد بن ثابت ، وأبو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحارث بن نوفل، وطارق بن
شهاب ، وقيس بن أبى حازم ، وأبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة بن عسال الصنابحى
وخلق سواهم. روى له الجماعة(٢).
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب المناقب، باب (١٧)، رقم (٣٦٧٩)، والطبرانى (رقم/٩) من طريقين
عن إسحاق بن يحيى بن طلحة ، عن عمه إسحاق بن طلحة ، عن عائشة به ، وإسحاق وإن كان
ضعيفا ، فإن الشيخ الألبانى حسنه لشواهده التى ذكرها فى الصحيحة (١٥٧٤) فانظرها .
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٩٠٦/٤)، أسد الغابة (٣٠٦٤/٣)، الإصابة (٤٨٢٠/٤).
( ١٣٣)

قوله: "عالم الغيب" منصوب على النداء، وحرف النداء محذوف. تقديره: يا عالم
الغيب ، ويجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر مبتدٍ محذوف، أى: أنت عالم الغيب
والشهادة. الغيب : المعدوم. والشهادة: الموجود المدرك كأنه يشاهده . وقيل: الغيب
ما غاب عن العباد ، والشهادة ما شاهدوه . وقيل: الغيب السر ،والشهادة العلانية . وقيل:
الغيب الآخرة، والشهادة الدنيا. وقيل: عالم الغيب والشهادة: عالم بما كان وما
يكون.وقيل: عالم بأمر الآخرة / ٨٣ / وبأمر الدنيا .
٠٠
قوله: "فاطر السموات والأرض" يعنى: خالق السموات والأرض. يقال: فطر
الشىء إذا بدأ . وقال ابن عباس: ما كنت أعرف فاطرا حتى اختصم إلى أعرابيان فى بئر،
قال أحدهما : أنا فطرتها ، يعنى : ابتدأتها . والكلام فيه وفى قوله "رب كل شىء" مثل
الكلام فى "عالم الغيب" .
قوله: "وملیکه" أی مالكه.
قوله: "من شر نفسى" إنما استعاذ بربه من شر النفس، لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة
إلى الشهوات واللذات الفانية .
فإن قلت : ما النفس؟ قلت : النفس له معان ، والمراد هاهنا المعنى الجامع لقوة الغضب
والشهوة فى الإنسان ،ولهذا قال . -عليه السلام - : "ومن شر نفسى" ، وإليه أشار - عليه
السلام- بقوله: "أعدى عدو لك نفسك التى بين جنبيك"(١) وهذا يعد (٢) من الصفات
(١) أخرجه البيهقى فى "الزهد" من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن
حنش الرحبى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وُطّ وذكره. وقال العراقى
فى "المغنى" بهامش الإحياء (٤/٣): "فيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين" . وقال
العجلونى فى كشف الخفاء (١٤٣/١): "إسناده ضعيف". وقال الشيخ الألبانى فى الضعيفة
(١١٦٤) : "موضوع".
(٢) فى الأصل: "تعد" .
( ١٣٤ )

المذمومة للإنسان . وأما معناه الحقيقى ففيه اختلاف عظيم، فعند أهل التحقيق : هى
اللطيفة التى هى الإنسان بالحقيقة ، وهى ذات الإنسان ونفسه . وقال الحكماء: الجوهر إما
أن يكون محلا وهو الهيولى، أو حالا وهو الصورة، أو مركبا منهما وهو الجسم، أولا
كذلك وهو الفارق ، فإن تعلق بالجسم تعلق التدبير فهو النفس ، وإلا فهو العقل ، وأنكر
بعض الناس تجرد النفوس، فقال ابن الراوندى: إنها جزء لا يتجزأ فى القلب . وقال
النظام : إنها أجسام لطيفة سارية فى البدن ، باقية من أول العمر إلى آخره، لا تحل ولا
تفسد فما دامت سارية فى البدن فهو حى ، وإذا فارقت فهو ميت . وقيل : هى قوة فى
الدماغ مبدأ للحس والحركة . وقيل : هي قوة فى القلب مبدأ للحياة فى البدن . وقيل:
هى الأخلاط الأربعة: الصفراء، والدم (١)/ ٨٤ / والبلغم، والسوداء. وقيل: هى المزاج
واعتدال الأخلاط . وقيل: هى شكل البدن وتخطيطه ، وتأليف أجزائه . وقيل: هى الحياة .
فإن قلت : ما معنى وصفِ اللهِ النفسَ تارة بالمطمئنة ، وتارة بالخبيثة، وباللوامة ، وبالأمارة
بالسوء؟ قلت : قد عرفت أن نفس الإنسان ذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب
اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت لحق الأمر ، وزايلها الاضطراب ، بسبب معارضة
الشهوات، سميت النفس المطمئنة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا الْنَفْسُ الْمُطْمَئِنْهُ. ارْجعِى
إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾(٢)، وإذا لم يتم سكونها، ولكنها صارت مدافعة للنفس
الشهوانية ، ومعترضة عليها ، سميت النفس اللوامة ، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيرها فى
عبادة مولاها، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوْامَةِ﴾(٣)، وإن تركت
الاعتراض، وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات، ودواعى الشيطان ، سميت النفس
الأمارة بالسوء، ويمكن أن يكون استعاذة النبى -عليه السلام- من النفس بهذا المعنى .
(١) مكررة فى الأصل .
(٢) سورة الفجر (٢٨،٢٧).
(٣) سورة القيامة (٢).
( ١٣٥ )

فإن قلت : نفس النبى -عليه السلام - مجبولة على الخير، وهى نفس مطمئنة، فكيف
يتصور منها الشر حتى استعاذ من شرها؟ قلت : يجوز أن يكون المراد منه الدوام والثبات
على ما هى عليه، أو المراد منه تعليم الأمة وإرشادهم إلى طريق الدعاء، وهو الأظهر .
قوله : "وشر الشيطان" الشيطان اسم لإبليس من شطن إذا بعد، ووزنه "فَيْعَال" ، سمى به
لأنه يُعد من الرحمة. وقيل: من شاط أى بطل، ووزنه "فَعْلان" سمى به / ٨٥ / لأنه
مبطل ، والألف والنون فيه للمبالغة .
قوله : "وشركة" أى شرك الشيطان، يروى هذا على وجهين. أحدهما: شركه بكسر
الشين وسكون الراء، ومعناه ما يدعو له الشيطان ، ويوسوس له من الإشراك بالله
سبحانه . والثانى: وشَرَكه بفتح الشين والراء، يريد حبائل الشيطان ومصايده .
قوله : "أن أقترف" أى : أكتسب .
قوله: " أو أجره" أى: أو أجر السوء
قوله: "وإذا أخذت مضجعك" يعنى : عند النوم .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣ - وقال عثمان بن عفان - -: قال رسول الله صل: "مَا
مِن عبد يَقولُ فى صباحٍ كلٌّ يومٍ ومَساءِ كلٌّ لَيلةٍ : بسم الله، الذِى لاَ يضرُّ معَ اسْمِهِ
شَىّء فى الأرض ولا في السماء،وهو السميعُ العَليمُ ثلاثَ مراتٍ، لم يضره شيء" .
(١) (٢)
قال الترمذى : هذا حديث صحيحُ
(١) فى جامع الترمذى والكلم الطيب والتحفة (٩٧٧٨/٧) والترغيب والترهيب (٤٥١/١): حسن
صحيح .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٨٨، ٥٠٨٩) بنحوه،
والترمذى فى كتاب الدعوات ، باب ما جاء فى الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٣٣٨٨)، والنسائى
فى "عمل اليوم والليلة" (١٥، ١٦) وابن ماجه فى كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا
=
( ١٣٦ )

أقول: ذو النورين أبو عمرو ، ويقال: أبو عبد الله. ويقال: أبو ليلى عثمان بن عفان بن
أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقى مع رسول الله وَ ﴿ فى الأب
الرابع، وهو عبد مناف ، وأمه أروى بنت كريز - بضم الكاف وفتح الراء - ابن ربيعة بن
حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف . وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب ، عمة رسول
الله - عليه السلام- أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتى رسول الله صل: رقية
فماتت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فماتت عنده أيضا. روى له عن رسول الله حال مائة
حديث وستة وأربعون حديثا ، اتفقا منها / ٨٦ / على ثلاثة أحاديث ، وانفرد البخارى
بثمانية ، ومسلم بخمسة . روى عنه زيد بن خالد، وعبد الله بن الزبير بن العوام،
والسائب بن يزيد ،ومحمود بن لبيد الأنصارى ، وأبنه أبان بن عثمان ، ومروان بن الحكم
وغيرهم. ولد فى السنة السادسة بعد الفيل ، وقتل يوم الجمعة لثمان خلون من ذى
الحجة ، سنه خمس وثلاثين ، وهو ابن تسعين سنة . وقيل : ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه
جبير بن مطعم ، ودفن بحَشِّ كَوكَب - بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الشين المعجمة - :
بستان بظاهر المدينة خلف البقيع. والحش فى اللغة: البستان ، والحشوش : الكُنف وهو
قضاء الحاجة ، وأصله من الحش بمعنى البستان ، لأنهم كانوا كثيراً ما يتغوطون فى
البساتين ، ولى الخلافة ثنتى عشر سنة ، روى له الجماعة(١) .
قوله: "بسم الله" أى: بسم الله أستعيد، وهو اللائق هنا، وكذلك كل فاعل يقدر
فعلا مناسبا لحاله، كالمسافر يقدر أرتحل ، والقادم يقدر أقدم ، والآكل يقدر آكل ،والذابح
يقدر اذبح و غير ذلك .
قوله : "مع اسمه" أى: مع مصاحبة إسمه .
٢٠
- أصبح وإذا أمسى (٣٨٦٩)، وأحمد (٧١/١) وغيرهم من طريق أبان بن عثمان ، عن أبيه،
وصححه الشيخ الألبانی فی "صحيح الجامع" (٥٧٤٥).
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٧٩٧/٣)، أسد الغابة (٣٥٨٣/٣)، الإصابة (٥٤٥٢/٤).
( ١٣٧ )

قوله: "ولا فى السماء" أى: ولا يضر مع اسمه شئ فى السماء، يعنى : كما أن أهل
الأرض فى الأمن والسلامة ببركة اسم الله تعالى ومصاحبته ، كذلك أهل السماء، والذى
يصحب اسم الله ويلازمه ، لا يضره شئ. أو معناه : الذى لا يضر مع اسمه شئ من جهة
الأرض ولا من جهة السماء .
قوله: "وهو السميع العليم" أى: السميع بأقوال العباد، والعليم بأفعالهم.
[قال شيخ الإسلام:] ٢٤ - وعن ثوبان وغيره، أن رسول الله وَلّ قال: "مَنْ قَالْ حِيَن
يُمسى / ٨٧ / وحِينَ يُصْبِحُ: رضيتُ بالله رباً(١)، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً،
كَانَ حَقًّا على الله أن يُرْضِيَهُ" قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح(٢).
(١) فى جامع الترمذى: "من قال حين يمسى رضيت بالله ربا ... " بدون "وحين يصبح" .
(٢) أخرجه الترمذى: فى كتاب الدعوات، باب ما جاء فى الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٣٣٨٩)
وقال: حديث حسن غريب كما فى نسختنا والتحفة (٢١٢٢) وقال الإمام النووى فى الأذكار
(ص/٧٤) قال الترمذى : "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" اهـ. وقال الحافظ
المنذرى فى "الترغيب" (٤٥٣/١): "قال الترمذى: حديث حسن غريب، وفى بعض النسخ :
حسن صحيح، وهو بعيد" اهـ. وقال الإمام النووى: "فيه سعيد بن المرزبان ضعيف باتفاق
الحافظ" اهـ. قلت: قال الحافظ فى التقريب: "ضعيف مدلس" وقد عنعنه، وضعفه الشيخ
الألبانى فى ضعيف الجامع (٥٧٣٥)، وقد رواه أبو داود (٥٠٧٢) والنسائى فى "عمل اليوم
والليلة" (٤)، وابن ماجه (٣٨٧٠)، وأحمد (٣٣٧/٤) وغيرهم من طريق أبى عقيل هاشم بن
بلال، عن سابق بن ناجية، عن أبى سلام، عن رجل خدم النبى ◌ُّ مرفوعا: "ما من مسلم أو
إنسان أو عبد يقول حين يمسى وحين يصبح ... " ووقع عند ابن ماجه "عن أبى سلام خادم
النبى ◌َُ " وقال الحافظ المزى فى التحفة (١٢٠٥٠/٩): "قال أبو القاسم: كذا فى كتابى وفى
نسخة أخرى عن أبى سلامة، والصواب أبو سلمى" ثم قال الحافظ المزى، معلقا: "الصواب عن
أبى سلام، عن رجل خدم النبى وَّ". قلت: وفيه سابق بن ناجية مجهول الحال، وقال الشيخ
الألبانى فى " الكلم" : "ولا يبعد أن يكون ابن المرزبان تلقاه منه ثم دلسه" اهـ. قلت : وقد صح
-
( ١٣٨ )

أقول: ثوبان أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الرحمن ثوبان بن بُحْدُد. ويقال: ابن جَحْدَر
القرشى الهاشمى، مولى رسول الله صلّ، من أهل سراة، وهى موضع بين مكة واليمن.
وقيل : إنه من حمير . وقيل : إنه من اليمان . وقيل: إنه من حكم بن سعد العشيرة، أصابه
سباء، فاشتراه رسول الله له فأعتقه، ولم يزل معه فى الحضر والسفر حتى توفى رسول الله
-عليه السلام-، فخرج إلى الشام، فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، فابتنى بها دارا، وتوفى
بها سنة خمس وأربعين . وقيل: أربعة وخمسين، فى إمارة عبد الله بن قرط، روى له عن
رسول اللّه ◌َ مائة حديث وسبعة وعشرون حديثا، انفرد به مسلم فروى له عشرة أحاديث .
روی عنه معدان بن أبی طلحة ، و جبير بن نفير ، وأبو أسماء عمرو بن مرتد الرحبى ، وأبو إدريس
الخولانى، وأبو سلام الخشنى ، وراشد بن سعد، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزنى، وأبو
عبد الرحمن الجيلانى، وخالد بن معدان، وأبو كبشة السلولى، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وسليمان بن يسار ، وأبو حيى المؤذن ، وأبو عامر الهوزنى، وأبو الأشعث شراحيل بن
آدة الصنعانى . روى له الجماعة إلا البخارى(١).
قوله: "بُجدُد" بضم الباء الموحدة، وضم الدال المهملة. و"جَحْدَر" بفتح الجيم وسكون الحاء،
"وجُبير" / ٨٨ / و"تُغَير" بضم الجيم والنون، وفتح الياء والفاء . و"الأشعث" بالثاء المثلثة.
قوله: "رضيت بالله ربا" أى: قنعت به ،واكتفيت به ، ولم أطلب معه غيره .
قوله: "وبالإسلام دينا" أى: رضيت بالإسلام دينا، بمعنى لم أُسْعَ فى غير طريق
الإسلام ، ولم أسلك إلا ما يوافق شريعة محمد -عليه السلام -. وقوله: "ربا" و"دينا"
منصوبان على التمييز ، وكذلك قوله: "نبيا". والتمييز وإن كان الأصل أن يكون فى
٠٠
- الحديث من حديث أبى سعيد الخدرى، رواه أبو داود (١٥٢٩) بلفظ: "من قال رضيت بالله
ربا، وبالإسلام دينا ، ومحمد رسولا ، وجبت له الجنة" غير مقيد بالصباح والمساء ، وصححه
الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٣٣٤).
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٨٦/١)، أسد الغابة (٦٢٤/١)، الإصابة (٩٦٨/١).
( ١٣٩ )