النص المفهرس

صفحات 61-80

يا محمد، أقرئ أمتك منى السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبةُ التربة، عذبةُ الماء، وأنها
قِيعانٌ، وأن غِراسها سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر". قال الترمذى: حديث
حسن غريب من حديث ابن مسعود(١).
وفى الترمذى من حديث جابر، عن النبى { أ قال: "من قال سبحان الله وبحمده
غرست له نخلة فى الجنة" قال الترمذى: حديث حسن صحيح(٢).
الثانية والثلاثون : إن العطاء والفضل الذى رتب عليه، لم يرتب على غيره من الأعمال،
كما ورد هذا فى / ٢٤ / الأحاديث التى رواها المصنف - رحمه الله - فى أوائل
المختصر .
الثالثة والثلاثون : إن دوام ذكر الله تعالى يوجب الأمان من لسانه ، الذى هو سبب شقاء
العبد فى معاشه ومعاده ، فإن نسيانَ العبدِ الربَّ، يوجب نسيان نفسه ومصالحها، كما
(١) یأتی تخريجه برقم (١٥).
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٦٠)، رقم (٣٤٦٤) وابن حبان (٨٢٦)
من طريق روح بن عبادة، عن حجاج الصواف، عن أبى الزبير ، عن جابر مرفوعًا :
"من قال سبحان الله العظيم وبحمده ... " وقال: حسن صحيح، ورواه (٣٤٦٥) من
طريق المؤمل بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة ، عن أبى الزبير به ، وقال : حسن غريب ،
والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٨٢٧) وابن حبان (٨٢٧) والحاكم (٥١٢،٥٠١/١)
من طريق حماد بن سلمة به. وقال الحاكم فى الموضع الأول : صحيح على شرط مسلم،
وقال الذهبى: "على شرط البخارى". وقال الحافظ المنذرى فى "الترغيب" (٤٢٢/٢):
"رواه الحاكم فى موضعين بإسنادين، قال فى أحدهما: على شرط مسلم، وقال فى الآخر:
على شرط البخارى" كذا قال. والحديث صححه الشيخ الألبانى بشواهده فى
"الصحيحة" (٦٤) .
(٦٠)

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ﴾(١).
الرابعة والثلاثون : إن الذكر يُسَيِّرُ العبد وهو على فراشه، وفى سوقه، وفى حال صحته
وسقمه ، وفى حال نعيمه ولذته، ومعاشه، وقيامه وقعوده واضطجاعه ، وسفره
وإقامته، فليس فى الأوقات شىء يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى إنه يُسَيِّرُ العبد وهو
نائم على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة ، فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق
على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل فى ساقة الركب ، وذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء، ومعنى هذا الكلام أن هذا المستلقى على فراشه علق قلبه بربه، وبات قلبه يطوف
حول العرش مع الملائكة ، قد غاب عن الدنيا وما فيها ، وقد عاقه عن قيام الليل عائق من
وجع، أو برد يمنعه من القيام، أو خوف على نفسه من رؤية عدو يطلبه، أو غير ذلك
من الأعداء، فهو مستلق على فراشه، وفى قلبه ما الله عليم به، وآخر قائم يصلى
ويتلو ، وفى قلبه من الدنيا والعجب، وطلب الجاه. والمحمدة(٢) عند الناس ما الله
P
عليم(٣) به ، وقلبه فى وادى، وجسمه فى وادى، فلا شك أن ذلك النائم يصبح وقد
سبق هذا القائم بمراحل كثيرة .
الخامسة والثلاثون : إن الذکر نور للذاکر فی الدنیا، ونور له فى قبره، ونور له فى
معاده، يسعى بين يديه على الصراط، ولأجل ذلك كان-عليه السلام- / ٢٥ / يبالغ
فى سؤاله ربه فى النور، حتى سأله أن يجعله فى لحمه وعظامه ، وعصبه وشعره، وسمعه
وبصره، ومن فوقه ومن تحته ، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، حتى يقول:
(١) سورة الحشر (١٩).
٢٠
(٢) فى الأصل: "والمحملة" والتصويب من "الوابل الصيب" (ص/٥١) فالمتتبع لهذه الفوائد يكاد يجزم
بأن المصنف قد اختصرها من "الوابل الصيب" ، والله أعلم .
(٣) فى الأصل: " عليهم والتصويب من "الوابل الطيب" .
( ٦١ )

"واجعلنى نوراً"(١) فسأل ربه أن يجعل النور فى ذاته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطا به
من جهاته، فدين الله نور ، و کتابه نور ، ورسوله نور ، وداره التى أعدها لأوليائه نور
يتلألأ، والله تعالى نور السموات والأرض، ومن أسمائه "النور" (٢)، وفى دعائه -عليه
السلام - يوم الطائف: "أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر
الدنيا والآخرة أن يحل على غضبك، أو يحل بى سخطك، لك العتبى حتى ترضى،
ولا حول ولا قوة إلا بك"(٣).
٠٠
(١) البخارى فى كتاب الدعوات ، باب الدعاء إذا انتبه من الليل (٦٣١٦)، ومسلم فى كتاب صلاة
المسافرين باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه (١٨١/٧٦٣: ١٩٣) من حديث ابن عباس رضى
الله عنهما قال: "بت عند میمونة، فقام النبىچڅ ، فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه ، ثم
نام ، ثم قام ، فأتى القربة فأطلق شناقها ، ثم توضأ وضوءً بين وضوئين لم يكثر وقد أبلغ،
فصلى ، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت أتقيه ، فتوضأت ، فقام يصلى ، فقمت عن
يساره ، فأخذ بأذنى فأدارنى عن يمينه ، فتتامت صلانة ثلاث عشرة ركعة ، ثم اضطجع فنام حتى
نفخ - وكان إذا نام نفخ - فآذنه بلال بالصلاة ، فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول فى دعائه :
اللهم اجعل فى قلبى نورا ، وفى بصرى نورا، وفى سمعى نورا، وعن يممنى نورا، وعن يسارى
نورا، وفوقى نورا، وتحتى نورا، وخلفى نورا واجعل لى نورا، "قال كريب:" وسبع فى
التابوت. فلقيت رجلا من ولد العباس فحدثنى بهن، فذكر عصبى ولحمى ودمى وشعرى
وبشرى، وذكر خصلتين". وعند مسلم (١٨٧/٧٦٣) فى رواية غندر، عن شعبة ، عن سلمة،
عن كريب ، عن ابن عباس : "واجعل لى نورا" أو قال: "واجعلنى نورًا" وفى رواية النضر، عن
شعبه" واجعلنى نورا" ولم يشك .
(٢) انظر فى ثبوت اسم "النور" لله تعالى التعليق على الحديث رقم (٨٢) .
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأحاديث الطوال (٣٤٦/٢٥) من طريق محمد بن إسحاق ، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن جعفر - انه - قال: "لما توفى أبو طالب خرج النبى لَ ◌ّ إِلى
الطائف ماشيا على قدميه ، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ، فانصرف فأتى ظل شجرة ، فصلى
ركعتين ثم قال : اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس. أرحم
الراحمين إلى من تكلنى ؟ إلى عدو يتجهمنى؟ أم إلى قريب ملكته أمرى؟ إن لم تكن غضبان على
-
( ٦٢ )

السادسة والثلاثون : إن الذكر رأس الأصول ، وطريق عامة الطائفة، ومنشود الولاية،
فمن فتح له فيه فقد فتح باب الدخول على الله -عز وجل- ، فليتطهر وليدخل على ربه
يجد عنده کل ما یرید ، فإن وجد ربه يجد كل شىء، وإن فاته فاته كل شىء .
السابعة والثلاثون : إن الذكر يجمع المفرق ، ويفرق المجتمع، ويقرب البعيد ، ويبعد
القريب ، فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته ، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم
والغموم، والأحزان والحسرات، ويفرق أيضا ما اجتمع عنده من جند الشيطان ، فإن
إبليس-عليه اللعنة- لا يزال يبعث له سرية بعد سرية، و[الذكر](١) يقرب الآخرةَ
ويعظمها فى قلبه ، ويصغر الدنيا فى عينيه، ويبعدها عن قلبه ولسانه .
التاسعة والثلاثون: إن الذكر ينبه القلب من نومه، ويوقظه من سَنَتِهِ ، والقلب إذا كان
نائما فاتته الأرباح والمتاجر، / ٢٦ / وكان الغالب عليه الخسران .
الأربعون : إن الذكر شجرة تثمر المعارف، والأحوال التى شمر إليها السالكون،
ولا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة، ورسخ
أصلها ، كان أعظم لثمراتها .
الحادية والأربعون : إن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية
الولاية والمحبة، والنصرة والتوفيق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم
- فلا أبالى ، غير أن عافيتك أوسع لى، أعوذ بنور وجهك ... " وقال الحافظ الهيثمى فى المجمع
(٣٥/٦) "فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات" اهـ. قلت: وقد عنعنه. وقال
F.
الشيخ الألبانى فى "العقيدة الطحاوية" (ص/١٢٧): " رواه ابن إسحاق بسند ضعيف معضل،
وقدرواه بعضهم عنه بإسناده موصولا ، لكن فيه عنعنته "اهـ. وضعفه كذلك فى ضعيف الجامع
(١١٨٢).
(١) زيادة يقتضيها السياق، لئلا يعود تقريب الأخرة ... على الشيطان ، فيفسد المعنى المراد .
( ٦٣ )

مّحْسِنُنْ﴾(١) ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(٢) ﴿وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٣) ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ
اللهَ مَعَنَا﴾(٤) وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر، كما فى الحديث الإلهى " أنا مع
عبدی ما ذکرنى، وتحركت بى شفتاه"(٥) .
الثانية والأربعون : إن الذكر يعدل الضرب بالسيف فى سبيل الله تعالى بعد نفقه
الأموال، والحمل على الخيل فى سبيل الله (٦).
(١) سورة النحل (١٢٨) .
(٢) سورة البقرة (٢٤٩).
(٣) سورة العنكبوت (٦٩).
(٤) سورة التوبة (٤٠) .
(٥) أخرجه أحمد (٥٤٠/٢) والبخارى فى خلق أفعال العباد (ص/٨٧) والطبرانى كما فى الفتح من
روايه عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر، عن كريمة بنت
الَحَسْحَاس -بمهملات- عن أبى هريرة به، وفى رواية لأحمد (٥٤٠/٢) قالت : حدثنا أبو هريرة
ونحن فى بيت هذه -يعنى أم الدرداء- أنه سمع رسول الله وَّ به" ، وأخرجه البيهقى فى الدلائل
كما فى الفتح بنحوه من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقى ، عن إسماعيل به ، وأخرجه أحمد أيضا
(٥٤٠/٢)، وابن ماجه (٣٧٩٢) والحاكم (٤٩٦/١) من طريق الأوزاعى، عن إسماعيل بن
عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبى هريرة به. ووقع عند الحاكم عن أم الدرداء، عن أبى الدرداء
وهو خطأ، كما فى الفتح (٤٩٩/١٣)، ورواه ابن حبان فى صحيحه (٨١٥) من طريق
الأوزاعى، عن إسماعيل، عن كريمة ، عن أبى هريرة به. وقال الحافظ فى الفتح (٤٩٩/١٣):
"ورجح الحفاظ طريق عبدالرحمن بن يزيد بن جابر وربيعة بن يزيد، ويحتمل أن يكون عند (كذا
ولعل الصواب عن) إسماعيل، عن كريمة وعن أم الدرداء معا" اهـ. قلت: والحديث علقه
البخارى بصيغة الجزم (قبل ٧٥٢٤) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (١٩٠٦). تنبيه :
وقع عند أحمد"كريمه بنت الخشخاش" بمعجمات، والصواب أنه مهملات.
(٦) كما فى الحديث رقم (١).
( ٦٤ )

الثالثة والأربعون : إن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله من لم يذكره. وذكر البيهقى
عن زيد أبن أسلم، أن موسى -عليه السلام- قال: "يا رب قد أنعمت علىَّ كثيراً،
فدلنى على أن أشكرك كثيراً . قال : اذكرنى كثيراً ، فإذا ذكرتنى كثيراً فقد شكرتنى
كثيراً، وإذا نسيتنى فقد كفرتنى"(١).
الرابعة والأربعون : إن أكرم الخلق على الله من المؤمنين من لا يزال لسانه رطبا من
ذكره، فإنه أبقاه فى أمره ونهيه، وجعل ذكره شعاره، والتقوى أوجبت له دخول
الجنة ، والنجاة من النار، وذكر عن ابن عباس قال: "لما وفد موسى - عليه السلام- إلى
طور سيناء قال : يا رب أى عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يذكرنى ولا ينسانى"(٢).
الخامسة والأربعون : إن فى القلب قسوة لا يذهبها إلا ذكر الله، وذكر حماد بن زيد ،
عن المعلى بن زياد ، أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو / ٢٧ / إليك قسوة
قلبى. قال : أذهبه بالذكر"(٣).
السادسة والأربعون : إن الذكر شفاء للقلب ودواؤه ، والغفلة مرضه ، والقلوب مريضه،
وشفاؤها ودواؤها فى ذكر الله تعالى. قاله مكحول مرفوعاً ومرسلاً (٤).
السابعة والأربعون: إن الذكر أصل موالاة الله -عز وجل - ورأسها، والغفلة أصل
معاداته و[ر] أسها، وإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفُلُ عنه
حتى يبغضه فيعاديه .
(١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٤٥٨/١، رقم /٧١١).
(٢) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٤٥١/١، رقم ٦٨١).
(٣) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٤٥٦/١، رقم/٧٠٣)، ووقع عند البيهقى "أدِّبْه بالذكر" .
(٤) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٤٥٩/١، رقم ٧١٧) بلفظ: "إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر
الناس داء" وقال : هذا مرسل، وروى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- من قوله .
( ٦٥ )

:
الثامنة والأربعون : إنه ما استجلبت نعمُ اللهِ، واستدفعت نقمُهُ بمثل ذكره، فالذكر
جلاب للنعم، دفاع للنقم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ أَمَنُواْ﴾(١).
وقال بعض السلف(٢). "ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن بِرِّكَ" .
التاسعة والأربعون : الذكر يوجب صلاة الله -عز وجل- وملائكته على الذاكر، ومن
صلى عليه الله وملائكته فقد أفلح، وفاز كل الفوز، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ
أَمَنُواْ اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبْحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ
وَمَلاَئِكَتُهُ﴾(٣) الآية .
الخمسون : إن من شاء أن يسكن رياض الجنة فليستوطن مجالس الذكر ، فإنها رياض
الجنة ، كما ورد فى الحديث المشهور(٤).
(١) سورة الحج (٣٨).
(٢) هو محمد بن عبدالوهاب البلخى كما فى "شعب الإيمان" (١ / رقم ٧١٣) وانظر الأثر فيه .
(٣) سورة الأحزاب (٤٣:٤١).
(٤) يشير إلى الحديث الذى رواه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٨٣)، رقم (٣٥١٠) وابن
عدى فى "الكامل" (١٣٦/٦) من طريق محمد بن ثابت البنانى قال: حدثنى أبى، عن أنس بن
مالك، أن رسول الله وَّ قال: "إذا مررتم برياض الجنه فارتعو. قال (كذا): وما رياض الجنه؟
قال: حلق الذكر" ومحمد بن ثابت متفق على تضعيفه. وقال ابن عدى عقبه: "وهذه الأحاديث
مع غيرهم مما لم أذكره عامتها مما لا يتابع محمد بن ثابت عليه" اهـ. وأخرجه أبو نعيم فى "الحلية"
(٢٦٨/٦) من طريق زائدة بن أبى الرقاد ، ثنازياد النميرى، عن أنس به. والأول قال الحافظ
فيه: منكر الحديث ، وفى الآخر: ضعيف. وأخرجه الترمذى (٣٥٠٩) من حديث أبى هريرة،
وفيه حميد المكى قال الحافظ : مجهول . وضعفه الشيخ الألبانى فى الضعيفة (١١٥٠) ثم قال :
"ثم وجدت لحديث أبى هريرة المختصر شاهدًا من حديث جابر فى مستدرك الحاكم
(٤٩٤/١-٤٩٥) ولذلك أخرجته فى "الصحيحة" (٢٥٦٢).
( ٦٦ )

لحادية والخمسون : إن مجالس الذكر مجالس الملائكة ، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس ،
بلا مجلس يذكر الله فيه، كما ورد فى قوله -عليه السلام -: "إن لله ملائكة يطوفون فى
الطريق، يلتمسون أهل الذكر" الحديث(١).
ثانية والخمسون: إن الله- عز وجل- يباهى ملائكته بالذاكرين، كما روى مسلم فى
"صحيحه" عن أبى سعيد الخدرى قال: "خرج معاوية على حَلْقَةٍ فى المسجد فقال ما
أجلسكم؟ قالوا: جلسنا / ٢٨ / نذكر الله تعالى. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟
قالوا : آ لله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إنی لم استحلفکم تهمة لکم .(قال}(٢) وما كان
أحد بمنزلتى من رسول اللّه ◌َ ﴿ أقل عنه حديثا منى، وإن رسول الله صَ لّ خرج على حَلْقَةٍ
من أصحابه فقال : ما أجلسكم [هاهنا](٢)؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى، ونحمده على
(١) البخارى: كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل (٦٤٠٨)، مسلم: كتاب "الذكر
والدعاء، باب فضل الذكر (٢٥/٢٦٨٩) من حديث أبى هريرة مرفوعا بلفظ: "إن لله ملائكة
يطوفون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى
حاجتكم، قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا . قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو
أعلم منهم : ما يقول عبادى ؟ قال : تقول : يسبحونك ويكبرونك ويحمَدُونك ويمحدونك .
قال: فيقول : هل رأونى؟ قال: فيقولون: لا والله مارأوك. قال: فيقول: كيف لو رأونى ؟
قال : يقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عباده، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحا. قال:
فيقول: فما يسألونى؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة . قال: يقول: وهل رأوها ؟ قال :
يقولون: لا والله يا رب مارأوها. قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال : يقولون : لو أنهم
رأوها كانوا أشَّد عليها حرصا، وأشدَّلها طلبا، وأعظمَ فيها رغبة . قال: يقول: فمِمَّ يتعوذون ؟
قال :"يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يارب مارأوها.
قال : يقول : فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فراراً، وأشدَّ لها
مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أنى قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان
ليس منهم ، إنما جاء لحاجة . قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم" .
(٢) غير موجود فى "صحيح مسلم" .
( ٦٧ )

ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا [بك](١). قال: آلله ما أجلسكم إلى ذلك؟ [قالوا: والله
ما أجلسنا إلا ذاك. قال: (٢)] ألا إنى (٣) لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتانى جبريل - عليه
السلام - وأخبرنى أن الله يباهى بكم الملائكة"(٤). فهذه المباهاة من الرب سبحانه وتعالى
دليل على شرف الذكر عنده، ومحبته له، وأن له مزية على غيره من الأعمال .
الثالثة والخمسون: إنَّ مُدْمِنَ الذكر يدخل الجنة وهو يضحك، كما ذكر ابن أبى الدنيا
عن عبد الرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبيربن نفير
الحضرمى ، عن أبيه، عن أبى الدرداء قال: "الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر
الله - عز وجل - يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك" .
الرابعة والخمسون : إن جميع الأعمال إنما شرعت إقامةٌ لذكر الله - عز وجل- فالمقصود بها
تحصيل ذكر الله عز وجل-، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِى﴾(٥) وذكر ابن أبى الدنيا عن
ابن عباس -رضى الله عنهما-، [ أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر" .
وفى "السنن" عن عائشة (٦)]، عن النبى- عليه السلام -: "إنما جعل الطواف بالبيت، والصفا والمروة،
ورمی الجمار ، لإقامة ذكر الله تعالى" رواه أبوداود والترمذى وقال: حديث حسن صحيح(٧).
(١) غير موجود فى صحيح مسلم .
(٢) ساقط من الأصل، وأثبتناه من "صحيح مسلم"
(٣) فى "صحيح مسلم": "أما".
(٤) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (٤٠/٢٧٠١).
(٥) سورة طه (١٤).
(٦) ساقط من الأصل وأثبتناه من "الوابل الصيب" (ص/٧٥).
(٧) أخرجه أبوداود فى كتاب الحج، باب فى الرمل (١٨٨٨) والترمذى فى كتاب الحج، باب
ماجاء كيف ترمى الجمار؟ (٩٠٢) وأحمد فى مسد (١٣٩،٧٥،٦٤/٦) والدارمى (٥٠/٢)،
وابن خزيمة (٢٩٧٠،٢٨٨٢/٤)، والخطيب فى تاريخه (٣٣١/١١) وغيرهم من طريق عبيد
الله بن أبى زياد ، عن القاسم، عن عائشة به . وعبيد الله قال الحافظ فيه: ليس بالقوى . وضعفه
الشيخ الألبانى فى ضعيف أبى داود وغيره، وقال فى المشكاة (٢٦٢٤): أما إسناده فضعيف .
(٦٨ )

الخامسة والخمسون : إن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله، فأفضل الصوّم
أكثرهم ذكراً فى صومهم، وأفضل الحجاج(١) أكثرهم ذكرا الله، وأكثر المتصدقين
أکثرهم ذكراً لله، وهكذا سائر الأعمال،/ ٢٩ / وقد ذكر ابن أبى الدنيا حديثا
مرسلاً فى ذلك، "أن النبى-عليه السلام- سئل أى أهل المسجد خير؟ قال: أكثرهم
ذكرا لله قيل(٢): فأى أهل الجنازة خير؟ قال: أكثرهم ذكرا لله تعالى. قيل: فأى
المجاهدين خير؟ قال : أكثرهم ذكرا لله تعالى. قيل: فأى الحجاج خير ؟ قال: أكثرهم
ذكرا الله. قيل: وأى العباد(٣) خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله -عز وجل-".
السادسة والخمسون : إن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات ، وتقوم مقامها ، سواء كانت
بدنية، أو مالية، أو بدنية ومالية كحج التطوع، وقد جاء ذلك صريحاً فى
حديث أبى هريرة: "إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله -عليه السلام- فقالوا:
يا رسول الله ذهب أهل الدُّنُور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلى،
ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها ، ويعتمرون ، ويجاهدون. فقال :
ألا أعلمكم شيئًا تدر كون به من سبقکم، وتسبقون به من بعدکم ، ولا یکون أحد
أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا : بلى يا رسول الله.
قال: تسبحون، وَتَحْمَدُون، وتكبرون خلف كل صلاة" الحديث متفق عليه(٤).
فجعل الذكر عوضا عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد ، وأخبر أنهم يسبقونهم
بهذا الذكر .
(١) فى الأصل: "وأكثر الحاج" وما أثبتناه من "الوابل الصيب" (ص/٧٥) وليتفق وماقبله وبعده.
(٢) فى الأصل:" أكثرهم ذكرًا لله. يعنى: قيل" كذا، وكلمه "يعنى" مقحمة.
(٣) فى الأصل : "وأى العواد" خطأ، والتصويب من "الوابل الصيب".
(٤) البخارى: كتاب الأذان ، باب الذكر بعد الصلاة (٨٤٣)، مسلم: كتاب المساجد ، باب
استحباب الذكر بعد الصلاة ... (١٤٢/٥٩٥، ١٤٣)
( ٦٩ )

السابعة والخمسون : إن ذكر الله من أكبر العون على طاعته، فإنه يحيبها إلى العبد ،
ويسهلها عليه ، ويلذذها(١) له، ويجعل قرة عينه فيها .
الثامنة والخمسون: إن ذكر الله تعالى يسهل الصعب ، وييسر العسير، ويخفف المشاق .
التاسعة والخمسون : إن ذكر الله -عز وجل- يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير
عجيب فى حصول / ٣٠ / الأمن ، فليس للخائف ، الذى قد اشتد خوفه أنفع من ذكر
الله تعالى ، والتجربة شاهدة بذلك، والله المستعان .
الستون : إن الذكر يعطى الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يطق فعله بدونه.
ألا ترى كيف علّم رسول الله -عليه السلام- ابنته فاطمة وعليا - رضى الله عنهما - أن
يسبحا كل ليلة، إذا أخذا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين ، ويحمدا ثلاثا وثلاثين ، ويكبرا أربعا
وثلاثين، لما سألته الخادمَ، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسقى والخدمة ، وعلمها
ذلك وقال : "إنه خير لهما (٢) من خادم"(٣). فقيل: إنه من داوم على ذلك وجد قوة فى
يومه(٤) یغنیه عن خادم .
الحادى والستون : إن أعمال الآخرة كلها فى مضمار السباق ، والذاكرون هم أسبقهم
فى ذلك المضمار .
الثانية والستون : إن الذكر سبب لتصديقِ الربِّ -عز وجل - عبدَه، فإنه مخبر عن
الله -عز وجل- بأوصاف كماله، ونعت جلاله، فإذا أخبر العبد صدقه ربه، ومن
صدقه ربه لم يحشر مع الكاذبين .
(١) فى الأصل "ويسهلها له عليه، ويدها له" والتصويب من "الوابل الصيب"(ص/٧٦).
(٢) كذا فى الأصل ، وفى الحديث : "إنه خير لكما من خادم" .
(٣) يأتى بتمامه عند رقم (٣٤) وهو متفق عليه .
(٤) فى الأصل: "يوم" والتصويب من "الوابل الصيب"(ص/٧٧).
( ٧٠)

الثالثة والستون : إن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر، أمسكت
الملائكة عن البناء، فإذا أخذ فى الذكر أخذوا فى البناء. ذكر ابن أبى الدنيا فى كتابه عن
حكيم بن محمد الأخنسى قال: "بلغنى أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك عن الذكر
أمسكوا عن البناء . فيقال : لم؟ فيقولون: حتى تأتينا نفقته".
الرابعة والستون : إن الذكر سد بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت له إلى جهنم طريق من
عمل من الأعمال، كان الذكر سدا فى تلك الطريق ، وإن كان ذكرا دائما كاملا، كان
سدا محكما لا منفذ فيه ، وإلا فبحسبه . قال عبد العزيز بن [أبى] رواد: كان رجل قد
اتخذ مسجداً / ٣١ / بالبادية، فجعل فى قبلته سبعة أحجار، فكان إذا قضى صلاته
قال: يا أحجار، أشهدكم أن لا إله إلا الله. قال : فمرض الرجل فعرج بروحه، قال :
فرأيت فى منامى أنه أمر بى إلى النار ، قال : فرأيت حجراً من تلك الأحجار أعرفه، قد
عظم فى عينى ، فسد عنى باباً من أبواب جهنم، ثم أتى بى إلى الباب الآخر ، وإذا حجر
من تلك الأحجار قد عظم فى عينى ، فسد عنى باباً من أبواب جهنم، حتى سد عنى
بقية الأحجار أبواب جهنم .
الخامسة والستون : إن الملائكة يستغفرون للذاكر كما يستغفر التائب ، كما روى حسين
المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن عامر الشعبى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
"أجد فى كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال: الحمد لله، قالت الملائكة: رب العالمين.
وإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين، قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك. وإذا قال
لا إله إلا الله، قالت الملائكة: والله أكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله والله أكبر، قالت
الملائكة : اللهم اغفر لعبدك" .
السادسة والستون : إن الجبال والقفار تباهى بمن يذكر الله عليها. وقال الأعمش، عن
مجاهد: إن الجبل لينادى الجبل باسمه : يا فلان، هل مر بك اليوم أحد ذكر الله -عز
وجل-؟ فمن قائل : لا . ومن قائل : نعم .
( ٧١ )

السابعة والستون : كثرة ذكر الله -عز وجل- أمان من النفاق، فإن المنافق قليل الذكر
لله - عز وجل -، قال الله تعالى فى المنافقين: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلاً﴾(١) وقال
كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق .
الثامنة والستون: إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شىء، فلو لم يكن للذاكر
إلا اللذة الحاصلة له لكفى، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة(٢).
التاسعة والستون: إنه نضرة فى الدنيا / ٣٢ / ونور فى الآخرة، فالذاكرون أنضرٌ وجوها
فى الدنيا، وأنورهم فى الآخرة، ومن المراسيل عن النبى -عليه السلام- قال: "من قال كل
يوم مائة مرة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ، يحي ويميت، وهو
على كل شىء قدير ، أتى الله به يوم القيامة ووجهه أشد بياضا من القمر ليلة البدر".
السبعون : إِن فى دوام الذكر فى الطريق والبيت، والحضر والسفر والبقاع، يكثر الشهود
للعبد يوم القيامة، قال الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدُثُ أَخْبَارِهَا* بأَن ربَّكَ أَوْحَى لَها﴾(٣) .وروى
الترمذى فى "جامعه" من حديث سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: "قرأ رسول الله عليه
السلام- هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارِهَاَ﴾ قال : أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم. قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول :
عمل يوم كذا وكذا ، كذا وكذا"(٤). قال الترمذى : هذا حديث صحيح(٥).
فهذه سبعون فائدة .
(١) سورة النساء (١٤٢).
(٢) تقدم ذكر الحديث تحت الفائدة "الخمسون" من فوائد الذكر.
(٣) سورة الزلزلة (٥،٤)
(٤) فى الأصل : "عمل يوم كذا وكذا" والتصويب من جامع الترمذى .
(٥) رواه الترمذى فى موضعين: فى كتاب صفة القيامة، باب ١٧، رقم (٢٤٢٩)، وفى كتاب
التفسير، باب ومن سورة ﴿إِذا زلزلت الأرض﴾ (٣٣٥٣) كلاهما بسند واحد ، قال : حدثنا
-
( ٧٢ )

فإن قلت :(١) "الذكر أفضل أم الدعاء، قلت: الذكر أفضل من الدعاء، لأن الذكر
ثناء على الله - عز وجل - بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه ، والدعاء سؤال العبد خاصة ،
وأين هذا من هذا؟ ولهذا جاء فى الحديث . "من شغله ذكرى عن مسألتى،
أعطيته أفضل ما أعطى السائلين"(٢). ولهذا كان المستحب فى الدعاء، أن يبدأ
الداعى بحمد الله ، والثناء عليه بين يدى حاجته ثم يسأل حاجته، كما فى
حديث فضالة بن عبيد: "أن رسول الله مُ له سمع رجلا يدعو فى صلاته لم يمجد الله،
ولم يصل على النبى ®، فقال النبى - عليه السلام -: عجل هذا. ثم دعاه
فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، / ٣٣ / ثم
- سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا سعيد بن أبى أيوب، عن يحيى بن
أبى سليمان ، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة به ، وقال فى الموضع الأول: "حسن غريب"،
وفى الموضع الثانى: "حسن صحيح"، وفى التحفة (١٣٠٧٦): "حسن غريب صحيح" فلعله
من زيادة النساخ أو اختلاف النسخ ، وأخرجه النسائى فى الكبرى فى كتاب التفسير
(١١٦٩٣/٦) من طريق سويد بن نصربه، وأخرجه أحمد (٣٧٤/٢)، وابن حبان
(٧٣٦٠/١٦)، والبغوى فى "شرح السنة" (١١٧/١٥)، والحاكم (٢٥٦/٢، ٥٣٢)، وغيرهم
من طريق سعيد بن أبى أيوب به (ووقع عند أحمد: سعد وهو خطأ)، وقال الحاكم فى الموضع
الأول: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي !!! ، وقال فى الموضع الثانى: صحيح،
وقال الذهبى : يحيى هذا منكر الحديث اهـ. قلت: وهو الصواب ، فإن يحيى بن أبى سليمان
قال فيه البخارى : منكر الحديث ، وقال أبو حاتم : مضطرب الحديث ليس بالقوى، يكتب
حديثه ، وقال الحافظ فى التقريب: لين الحديث. وضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف الترمذى ،
وضعيف الجامع (٦٠٥٤).
(١) انظر الوابل الصيب (ص/٨٩).
(٢) تقدم عند الفائدة (٢٩) من فوائد الذكر .
( ٧٣ )

يصلى على النبى، ثم يدعو بعدها بما شاء" رواه الإمام أحمد والترمذى، وقال: حديث
حسن صحيح"(١).
فإن قلت : (٢) "قراءة القرآن أفضل من الذكر أم الذكر؟ وكيف التحرير فى هذا؟ قلت: قراءة
القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء كما ذكرنا، ولكن قد يعرض للمفضول
ما يجعله أولى من الفاضل، فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح فى الركوع
والسجود، فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما ، بل القراءة فيهما منهى عنها نهى، تحريم أو
كراهة ، وكذلك التسميع والتحميد أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذلك الذكر
عقيب السلام من الصلاة : ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد، أفضل من الاشتغال عنه
بالقراءة، وكذلك إجابة المؤذن، والقول كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضل القرآن
على كل كلام كفضل الله على خلقه، لكن لكل مقام مقال، ومتى فات مقاله فيه، وعدل
عنه إلى غيره اختلت الحكمة، وفقدت المصلحة المطلوبة، وهكذا الأذكار المقيدة بحال
مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن
يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن ، مثاله: أن يتفكر فى ذنوبه
فيحدث له ذلك توبة واستغفارًا، أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن، فيعدل
(١) رواه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب الدعاء (١٤٨١)، والترمذى فى كتاب الدعوات، باب
(٦٥)، رقم (٣٤٧٧)، والنسائى فى كتاب السهو، باب التمجيد والصلاة على النبى وَ ◌ّ فى
الصلاة (٤٤/٣)، وأحمد (١٨/٦)، وابن خزيمة (٧١٠/١)، والحاكم (٢٦٨،٢٣٠/١) كلهم
من طريق أبى هانئ الخولانى ، عن عمرو بن مالك أبى على الجنبى ، عن فضالة بن عبيد به ،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبى ، وصححه الشيخ الألبانی فی صحیح أبى داود وغيره .
تنبيهان: الأول: قال الترمذى فى "جامعه": حسن صحيح، وفى التحفة (١١٠٣١):
"صحيح" فلعله من اختلاف النسخ. الثانى : سقط من سند النسائى المطبوع " حيوة بن شريح"
وهو ثابت فى التحفة ، والله أعلم.
(٢) انظر الوابل الصيب (ص ٩١ - ٩٢).
( ٧٤ )

إلى الأذكار والدعوات التى تحصنه وتحفظه، وكذلك أيضا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا
اشتغل عن سؤالها بقراءة أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالهما بالدعاء والحالة
هذه كان أنفع له، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم، وهذا باب / ٣٤/
عظيم، يحتاج فيه إلى فقه وفرقان بين فضيلة الشىء فى نفسه وبين فضيلته العارضة ، فيعطى
كل ذى حق حقه، ويضع كل شىء موضعه، فللعين موضع، وللرجل موضع، وللماء
موضع، وللحم موضع، وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة، التى هى نظام الأمر والنهى ،
ألا ترى أن الصابون والأشنان أنفع للثوب فى وقت، والبخور وماء الورد ونحوه أنفع له فى
وقت آخر؟ وسئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد: التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان
الثوب نقيا فالبخور وماء الورد أنفع له ، وإن كان دنسا فالصابون والماء الحار أنفع له . ومن
هذا الباب أن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا تقوم مقام آية
المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها ، بل هذه الآيات فى وقتها، وعند الحاجة إليها ، أنفع
من تلاوة سورة الإخلاص ، فافهم. فإن هذا سر دقيق .
( ٧٥)

١
فصل
وهاهنا أشياء أخر أحب أن أعرفها إياك، "واعلم(١) أنه كما يستحب الذكر،
يستحب الجلوس فى حِلق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، ويكفى فى ذلك حديث
ابن عمر قال: قال رسول الله وَال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض
الجنة؟ قال: حلق الذكر "(٢). فإن الله سيارات من الملائكة يطلبون حِلَق الذكر، فإذا أتوا
عليهم حفوا بهم. ثم الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب
واللسان جميعا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل . ثم لا ينبغى أن يترك الذكر باللسان
مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعًا، ويقصد به وجه الله تعالى ، لأن
/ ٣٥ / ترك العمل لأجل الناس رياء، قاله الفضيل بن عياض. وفضيلة الذكر غير منحصرة
فى التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامِل لله تعالى بطاعة ، فهو ذاكر لله
- عز وجل -، كذا قاله سعيد بن جبير وغيره من العلماء .
وقال عطاء : مجالس الذكر هى مجالس الحلال والحرام ، كيف تشترى وتبيع؟ وتصلى
وتصوم؟ وتنكح وتطلق ؟ وتحج ونحو ذلك؟
"ويجوز(٣) الذكر للمحدث والجنب والحائض والنفساء بأنواعه غير قراءة القرآن، فإن
ذلك حرام على المحدث ، وينبغى أن يكون الذاكر على أكمل الصفات ، فإن كان جالسا
فى موضع استقبل القبلة ، وجلس متخشعا متذللاً، بسكينة ووقار، مطرقا رأسه، ولو
ذكر على غير هذه الأحوال جاز، لكن إن كان بغير عذر كان تاركا للفضيلة ، ولا يكره
له ذلك، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾(٤) الآية.
(١) انظر الأذكار للنووى (ص/٨-٩).
(٢) تقدم عند الفائدة "الخمسون" .
(٣) انظر الأذكار للنووى (ص/١٠).
(٤) سورة آل عمران (١٩١).
( ٧٦ )

"وينبغى(١) أن يكون الذكر فى موضع نظيف، فإنه أعظم فى احترام الذكر والمذكور، ولهذا
مدح الذكر فى المساجد والمواضع الشريفة. وجاء عن الإمام الجليل أبى ميسرة قال: لا يُذكر
الله إلا فى مكان طيب، وينبغى أن يكون فمه نظيفا، فإن كان فيه تغيير أزاله بالسواك،
واستعمال السواك عند تغير الفم مستحب بالإجماع، فإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء،
فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروه، ولا يحرم، ولو قرأ القرآن وفمه نجس يكره".
"ويستحب(٢) للذاكر أن يقطع ذكره عند بعض الأحوال التى تعرض كرد السلام،
وتشميت العاطس، وعند الخطبة ، والأذان والإقامة ، وكذا عند غلبة النعاس ، وما أشبه
ذلك ، وهذا آداب الذكر .
وأما(٣) آداب الدعاء فاعلم / ٣٦ / أن الدعاء مستحب بإجماع السلف والخلف، قال
الله تعالى: ﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٤)، وقال ﴿ادْعُواْ رَبِّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾(٥)،
ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى. وقالت طائفة: السكوت والخمود تحت
جريان الحكم أتم ، والرضا بما سبق به القدر أولى .
وقال قوم: يكون صاحب دعاء بلسانه ، ورضا بقلبه ، ليأتى بالأمرين جميعا .
وقال القشيرى : والأولى أن يقال : الأوقات مختلفة، ففى بعض الأحوال الدعاء أفضل من
السكوت، وهو الأدب، وفى بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء، وهو الأدب،
وإنما يعرف ذلك بالوقت ، فإذا وجد فى قلبه إشارة إلى الدعاء، فالدعاء أولى به، وإذا
وجد إشارة إلى السكوت، فالسكوت أتم. قال : ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه
(١) انظر الأذكار للنووى (ص/١٢).
(٢) انظرْ الأذكار للنووى (ص/١٣ -١٤).
(٣) انظر الأذكار للنووى (ص/٣٥٣).
(٤) سورة غافر (٦٠).
(٥) سورة الأعراف (٥٥).
( ٧٧ )

نصيب أو لله تعالى فيه حق ، فالدعاء أولى ، لكونه عبادة ، وإن كان لنفسك فيه حظ ،
فالسكوت أتم. قال: ومن شرائط الدعاء أن يكون مطعمه حلالاً، وكان يحيى بن معاذ
الرازى يقول : كيف أدعوك وأنا عاص؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟ ومن آدابه :
حضور القلب . وقال الإِمام أبو حامد الغزالى فى "الإحياء" (١): "آداب الدعاء عشرة:
الأولى : أن ترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة، وشهر رمضان ، ويوم الجمعة، والثلث
الأخير من الليل، ووقت الأسحار .
٠٫
الثانى: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث،
وإقامة الصلاة وبعدها .
الثالث : استقبال القبلة ، ورفع اليدين ، ويمسح بهما وجهه فى آخره (٢).
الرابع : خفض الصوت بين المخافتة والجهر .
الخامس : أن لا يتكلف السجع ، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة .
السادس : التضرع والخضوع والخشوع / ٣٧ / والرهبة .
السابع : أن يجزم بالطلب ، ويوقن بالإجابة ، ويصدق رجاءه، قال سفيان بن عيينة :
لا يمنعن أحدُكم الدعاءَ ما يعلمه من نفسه، فإن الله أجاب شر المخلوقين إبليس، إذ
قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِى إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ(٣) مِنَ الْنْظَرِينَ﴾(٤).
الثامن : أن يلح فى الدعاء، ويكرره ثلاثا ، ولا يستبطئ الإجابة .
(١) انظر "الإحياء" (٣٠٦/١: ٣٠٩).
(٢) انظر فى حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء التعليق على شرح الحديث رقم (٣٠).
(٣) فى الأصل: "أنظرنى ..... إنك" والتلاوة كما أثبتناه .
تنبيه: وقع هذا الخطأ فى التلاوة فى الأذكار للنووى (ص/٣٥٤) فليعلم .
(٤) سورة الحجر (٣٦، ٣٧).
( ٧٨ )

التاسع : أن يفتتح الدعاء بذكر الله، وبالصلاة على الرسول - عليه السلام - ، وكيفية
الصلاة نذكرها الآن إن شاء الله تعالى .
والعاشر - وهو أهمها - : "الأصل فى الإجابة هو التوبة، ورد المظالم، والإقبال على
الله سبحانه" .
فإن قلت : ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ قلت : (١) "من جملة القضاء رد
البلايا بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع
السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان
فكذلك اللقاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل سلاحه ، وقد قال
الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾(٢) فقدر الله الأمر وقدر سببه" .
"ويستحب(١) أن يختم الدعاء بـ: "الحمد لله رب العالمين"، وكذلك يبدأ به، قال الله
تعالى: ﴿وَأَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(٣)، وقد قدمنا الدليل على ذلك
فى خطبة الكتاب .
قال الشيخ محيى الدين النووى : "لو حلف إنسان ليحمدن الله بمجامع الحمد، ومنهم(٤)
من قال بأجل التحاميد ، فطريقته فى بريمينه أن يقول: "الحمد لله حمدًا يوافى نعمه،
ويكافئ مزيده" . ومعنى "يوافى نعمه" أى يلاقيها، فتحصل معه، "ويكافئ" بهمزة فى
آخره أى يساوى مزيد نعمه ، ومعناه : يقوم بشكر ما زاد[٥] من النعم والإحسان ، ولو
حلف ليثنين على الله أحسن الثناء، فطريق البر أن يقول: "لا أحصى ثناء / ٣٨/
(١) انظر الأذكار للنووى (ص/٣٥٤).
٠٠
(٢) سورة النساء (١٠٢) .
(٣) سورة يونس (١٠).
(٤) فى الأصل: "ومنهم" وضرب عليها، ثم كتب فوقها: "وسننه" وما أثبتناه من كتاب الأذكار .
( ٧٩ )