النص المفهرس
صفحات 41-60
: [قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ أَمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾(١). وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الْصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرُكُمْ﴾(٣) ﴿أَذْكُرُوا / ١١ / الله ذِكْرًا كَثِيرًا﴾(٤). ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتٍ﴾(٥). ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّه فِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾(٦). ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأْبُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾(٧). ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِ كُمْ أَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾(٨). [وقال: ﴿رِجَالْ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾](٩) (١٠). وقال: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرٍ اللهِ﴾(١١). وقال تعالى: ﴿وَاذْكَرِ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوُ وَالْآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾(١٢). (١) سورة الأحزاب (٧١،٧٠). (٢) سورة فاطر (١٠). (٣) سورة البقرة (١٥٢). (٤) سورة الأحزاب (٤٢). (٥) سورة الأحزاب (٣٥). (٦) سورة آل عمران (١٩١). (٧) سورة الأنفال (٤٥). (٨) سورة البقرة (٢٠٠). (٩) سورة النور (٣٧) (١٠) تنبيه : هذه الآية ساقطة من الأصل ، وأثبتناها من الشرح والكلم الطيب . (١١) سورة المنافقون (٩). (١٢) سورة الأعراف (٢٠٥). ( ٤٠) أقول: لما كان مختصره فى الأذكار والأدعية المؤقتة وغيرها ، قدم أولاً آيات من كتاب الله تعالى، دالة على أن ذكر الله تعالى مأمور به، وأنه لا يقبل من العبد إلا الذكر الطيب، وأن الذكر الكثير ممدوح. ألا ترى كيف مدح الله تعالى الذاكرين الله كثيرًاً والذاكرات؟ وأن الذكر يجوز فى كل أحوال العبد: قائمًا، وقاعدًا، وعلى جنبه، وأن يكون ذكْرُ اللهِ أشدّ من جميع أذكار عبيده، وأن لا يلهيه حبُّ المال والأولاد عن ذكر الله تعالى، وأن يذكر الله فى نفسه بالتضرع والخيفة، وأن يكثره بالغدو والآصال، وإن كان ينبغى فى جميع الأوقات، ثم تتكلم فى تفسير هذه الآيات الكريمة فنقول : قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْذِينَ أَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ فى سورة الأحزاب، يعنى: اخشوا الله. ﴿وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ يعنى: عدلاً فيما بينكم، ويقال: صوابا. ويقال: ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ يعنى: لا إله إلا الله. ويقال : قولا مخلصاً. وذكر الزمخشرى(١) - رحمه الله - ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ "قاصداً إلى الحق، والسداد القصد إلى الحق والقول بالعدل، والمراد : نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب وزيد. وسداد القول، رأس الخير كله. والمعنى : راقبوا الله فى حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك ، أعطاكم ما هو غاية الطلبة ، من تقبل حسناتكم / ١٢ / والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها". (١) انظر تفسير الكشاف (٥٦٣/٣ - ٥٦٤) وقد نقله المصنف عن الكشاف بتصرف وإليك الكلام بتمامه : "قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل. يقال: سدد السهم نحو الرمية : إذا لم يعدل به عن سمتها ، كما قالوا : سهم قاصد ، والمراد : نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول ، والبعث على أن يَسِدَّ قولهم فى كل باب، لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله. والمعنى ... " إلى آخر ما قال المصنف رحمه الله . ( ٤١ ) وإنما بدأ الشيخ - رحمه الله - بهذه الآية ، ليدل على أن الذكر المقبول الطيب عند الله، ما كان على خشية وتقوى، حيث قال الله: ﴿أَّقُواْ اللهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾. وعلى إخلاص، لأن القول السديد لا يكون إلا بالإخلاص ، والأصل فى الأعمال الإخلاص ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(١) وأن يكون صاحبه منتهیا عن الخوض فیما لا يحتاج إليه، لأن الآية نزلت فى حق اخائضین فی زید وزينب ، فإذا ذكر العبد ربه بهذه الصفات يستحق عند الله مغفرة الذنوب ، وتكون(٢) أعماله صالحة حيث قال تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ أَلَكِلِمُ الطَّيْبُ﴾ هذا فى سورة الملائكة . قال مقاتل : (٣) " يصعد إلى السماء كلمة التوحيد، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يقول : التوحيد يرفع العمل الصالح إلى الله تعالى". وقال الحسن البصرى : "العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله تعالى، فإذا كان كلام طيب، وعمل غير صالح، يرد القول إلى العمل ، لأنه أحق من القول". قال قتادة: " ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أى: الله يرفعه. ويقال: الله يقبله (٤)٢ ٠ وعن ابن عباس(٥): "إن هذه الكلم- وهو الكلم الطيب- وهو: لا إله إلا الله، لا يُقبل، ولا يُصعد إلى السماء، فيكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة كما قال-عز وجل - : (١) سورة البينة (٥) . (٢) فى الأصل: " ويكون". (٣) انظر تفسير السمرقندى (٨٢/٣). (٤) إلى هنا انتهى النقل من تفسير السمر قندى . (٥) انظر تفسير الكشاف (٦٠٢/٣-٦٠٣). ( ٤٢) ﴿إِنَّ كِتَابَ اْلأَبْرَارِ لَفِى عِلَّيِينَ﴾(١) إلا إذا اقترن بها العمل الصالح، الذى يحققها ويصدقها ، فرفعها وأصعدها" . وقيل : الرافع الكلم، والمرفوع العمل، لأنه لا يُقبل عملٌ إلا من موحد . وقيل : الرافع هو الله، والمرفوع العمل . وقيل : العمل الطيب كل ذكر من تكبير ، وتسبيح ، وتهليل، وقراءة قرآن ، ودعاء، واستغفار وغيرها . وعن النبى-عليه السلام -: "هو قول الرجل / ١٣ / سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء، فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه" (٢). (١) سورة المطففين (١٨) . (٢) نقله المصنف من تفسير الكشاف الزمخشرى (٦٠٢/٣) عند تفسير قوله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب ... ﴾ الآية، وقال الحافظ الزيلعى فى تخريج أحاديثه (١٤٨/٣): ((لم أجده مرفوعا إلا عند الثعلبى من حديث أبى هريرة، ورواه الطبرى (١٢٠/٢٢) والبغوى (٥٦٦/٣) فى تفسيرهما، والحاكم (٤٢٥/٢)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (ص/٣٠٨) موقوفا على ابن مسعود بلفظ "إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك فى كتاب الله: إن العبد إذا قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله قبض عليهن ملك ، فضمهن تحت جناحه ، وصعد بهن ، لايمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجىء بهن وجه الرحمن" ثم تلا عبد الله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾. وقال الحاكم: صحيح ، ووافقه الذهبي. اهـ بتصرف وذكره الحافظ المنذرى فى "الترغيب" (٤٣٢/٢ -٤٣٣) وفيه" ... حتى يُحيا بهن وجه الرحمن .. " كما عندنا، وقال : كذا فى نسختى "يُحيا" بالحاء المهملة ، وتشديد المثناة تحت ، ورواه الطبرانى (٩١٤٤/٩) فقال: "حتى يجى" بالجيم، ولعله الصواب اهـ. وذكره الدمياطى فى المتجر الرابح (رقم ٩٨) أبواب الذكر، وقال: "حتى یحی بهن وجه الرحمن". ( ٤٣ ) وفى الحديث : " لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، ولا يتقبل قولاً وعملاً إلا بنيه، ولا يتقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة (١)" . وعن ابن المقفع (٢): " قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر" وقرئ: ﴿إليه يُصعد الكلم الطيب﴾ على البناء للمفعول، و﴿إليه يَصعد الكلم الطيب﴾ على تسميه الفاعل من أصعد. والُصْعِد هو الرجل، أى: يُصعد إلى الله (١) نقله المصنف من تفسير الكشاف (٦٠٣/٣)، وقال الحافظ الزيلعى فى تخريج أحاديثه (١٤٩/٣- ١٥٠) : روی من حديث أنس ، ومن حديث أبى هريرة، ومن حديث ابن مسعود : فحديث أنس رواه الخطيب فى الجامع لآداب الراوى والسامع (٣١٥/١ ، رقم ٦٨٥) ومن طريق الخطيب رواه ابن الجوزى فى كتابه التحقيق، فى مسأله فيه الوضوء (١٣٦/١). وقال ابن عبدالهادى فى التنقيح (٣٥١/١): وقد حسن ابن عساكر هذا الحديث وغلط، فإن هذا الحديث لايصح مرفوعا ، وإنما يعرف من كلام الثورى. وفيه أبان بن أبى عياش متروك . وقال أيضا: هذا حديث منكر وإسناده مظلم. وحديث أبى هريرة رواه ابن عدى فى الكامل (٤٤/٣)، وابن حبان فى الضعفاء (٢٨٠/١) وابن الجوزى فى العلل المتناهيه من طريق الدارقطنى عن ابن حبان. وفيه زكريا بن يحيى الوقار قال فيه ابن عدى كان يضع الحديث ، وخالدبن عبد الدائم قال ابن حبان : يروى المناكير ، ويلزق المتون الواهيه بالأسانيد المشهورة . وحديث ابن مسعود رواه ابن حبان فى الضعفاء (١٥٠/١) وأعله بأحمد بن الحسن بن أبان المصرى وقال : إنه يضع لا يحل أن يحتج به . اهـ بتصرف . (٢) هو عبد الله بن المقفع الأديب المشهور، ترجمه جماعة منهم الحافظان : ابن كثير فى البداية (٩٦/١٠)، وابن حجر فى اللسان (٣٦٦/٣) ولم يذكروا فى ترجمته ما يوحى بعدالته ، بل قال ابن حجر : ونقل [عن] ابن مهدى أنه قال :... مارأيت كتابا فى زندقة إلا هو أصله. وقال الشريف أبو القاسم المراغى فى كتاب"غريب الفوائد" : كان كحماد الراوية ، وعدَّ جماعة منهم: ابن المقفع ... قال : مشهورين بالزندقة ، والتهاون بأمر الدين انتهى . بواسطة "فقه النوازل ! - التقنین والإلزم" للشيخ/ بکر أبو زيد . ( ٤٤ ) - عز وجل- الكلم الطيب، وإليه يصعد الكلم الطيب. وقرئ: ﴿والعمل الصالحَ يرفعه﴾ بنصب ﴿العملَ﴾ والرافع: ﴿الكلم﴾ أو الله-عز وجل(١) -. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِيٍ أَذْكُرْكُمْ﴾ فى سورة البقرة، يعنى(٢): اذكرونى بالطاعة أذكركم بالمغفرة، فحق على الله أن يذكر من ذكره، فمن ذكره فى طاعة ذكره الله بخير، ومن ذكره فى معصية ذكره الله باللعنة وسوء الدار. وقيل: اذكرونى فى الرخاء أذكركم فى البلاء. وقيل : اذكرونى فى الضيق أذكر كم بالمخرج. وقيل: اذكرونى فى الخلا أذكركم فى الملا. وقيل: اذكرونى فى ملاٍ من الناس أذكركم فى ملا من الملائكة . وقيل : اذكرونى بالشكر أذكركم بالزيادة. وقيل : اذكرونى بالدعاء أذكركم بالإجابة. وقيل: اذكرونى فى الدنيا بالإخلاص أذكركم فى الآخرة بالخلاص"(٣). وقال الله تعالى: ﴿أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فى سورة الأحزاب، يعنى: (٤)"اذكروا الله باللسان ، واذكروه فى الأحوال كلها، لأن الإنسان لا يخلو إما أن يكون فى الطاعة، أو فى المعصية، أوفى النعمة ، أوفى الشدة، فإذا كان فى الطاعة ينبغى أن يذكر الله، يقر بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق، وإذا كان فى المعصية ينبغى أن يذكر الله، يقر بالامتناع منه، ويسأل منه / ١٤ / التوبة والمغفرة، وإذا كان فى النعمة يذكره بالشكر، وإذا كان فى الشدة يذكره(٥) بالصبر" . (١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف (٢) انظر تفسير السمرقندى (١٦٨/١) ٠٠ (٣) إلى هنا انتهى النقل من تفسير السمرقندى . (٤) انظر تفسير السمرقندى (٥٤/٣). (٥) فى الأصل : "يذكر". ( ٤٥ ) وقال صاحب الكشاف : " اذكروا الله : اثنوا عليه بضروب الثناء، من التقديس والتمجيد والتهليل والتكبير، وما هو أهله، وأكثروا ذلك، ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره : تكثير الإقبال على العبادة، فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر"(١). وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتٍ﴾ فى سورة الأحزاب أيضا ، يعنى : باللسان من الرجال والنساء، وهذا فى مقام المدح للذاكرين والذاكرات والذاكر الله كثيراً مَن لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه، أو لسانه، أو بهما . وقراءه القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر .. وقال عليه السلام : "من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته، وصليا جميعا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات"(٢). وسئل الشيخ الإمام أبو عمرو ابن الصلاح(٣) عن القدر الذى به يصير المرء من الذاكرين الله كثيراً فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً، وفى الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهاراً، كان من الذاكرين الله كثيراً. وقد سألت بعض مشايخى عن حد الذكر الكثير، فأخبر أنه قال : سمعت من المشايخ الكبار أن الذكر الكثير هو قول المصلى عقيب صلاته : سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة، (١) انظر تفسير الكشاف (٥٤٥/٣) . (٢) أبو داود: كتاب الصلاة ، باب قيام الليل (١٣٠٩) وباب الحث على قيام الليل (١٤٥١) والنسائى فى الكبرى: كتاب قيام الليل، باب ثواب من استيقظ وأيقظ امرأته فصليا (٤١٣/١، رقم/١٣١٠)، وابن حبان: كتاب الصلاة ، باب فى قيام الليل (٢٥٦٨)، والحاكم (٣١٦/١) والبيهقى (٥٠١/٢) من طرق عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش ، عن على بن الأقمر، عن الأغر ، عن أبى سعيد وأبى هريرة به . وقال الحاكم. صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي . وفى الحديث خلاف فى رفعه ووقفه على أبى سعيد فقط ، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" وغيره . (٣) انظر فتاوى ابن الصلاح (ص ١١) بتصرف [صبرى] . ( ٤٦ ) والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة، والختم تمام المائة بـ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير(١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَلُعُوداً﴾ فى سورة آل عمران، يعنى : "(٢)الذين يذكرون الله فى الأحوال كلها، فى حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال فى أية أخرى: ﴿أَذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْراً كَثِراً﴾(٣) يعنى يصلون لله قياما إن استطاعوا عليه، / ١٥ / وقعوداً إن لم يستطيعوا عليه، وعلى جنوبهم إن لم يستطيعوا القعود وبهم زَمَانة (٤). ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ نصب على الحال عطفا على ما قبله ، كأنه قيل : قياما وقعوداً ومضطجعين"(٥). وقال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَالْبُتُواْ﴾ فى سورة الأنفال، يعنى: (٦) "إذا لقيتم جماعة من الكفار فاثبتوا لهم، وقاتلوا مع نبيكم. ﴿وَاذْكُرُواْ الله كثيراً﴾ يعنى: فى الحرب. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحوُنْ﴾ يعنى: تفوزون به" وتأمنون، وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يَفْتُرُ عن ذکر ربه، أُشغل ما یکون قلبا، وأكثر ما یکون هما، وأن یکون مجتمعه لذلك، وإن كانت متوزعة عن غيره . (١) يشير إلى الحديث الذى رواه مسلم فى "صحيحه" (١٤٦/٥٩٧) من حديث أبى هريرة مرفوعاً: "من سبح الله فى دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، و كبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير ، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" . (٢) انظرٍ تفسير السمرقندى (٣٢٣/١). (٣) سورة الأحزاب (٤٢) . (٤) مرض يدوم . (٥) إلى هنا انتهى النقل من تفسير السمرقندى . (٦) انظر تفسير السمرقندى (٢٠/٢). ( ٤٧ ) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ فى سورة البقرة، يعنى: "(١) إذا فرغتم من حجكم فاذكروا الله باللسان ﴿كَذِكْرِ كُمْ أَبَاءَكُمْ﴾ فى ذلك الموقف، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِکْراً﴾ أى: أو أكثر ذكرا، وذلك أن العرب [كانوا] إذا فرغوا من الحج وقفوا بين المسجد الذى منى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ، ثم يتفرقوا ، قال الله تعالى : فاذكرونى بخير كذكر كم آباء كم بالخير ، فإن ذلك الخير منى . قوله : ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ فى موضع حرّ عطفًا على ما أضيف إليه الذكهر فى قوله : ﴿كَذِكْرِ كُمْ﴾ كما يقول : كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشد منهم ذكرا، أو فى موضع نصب عطف على: ﴿أَبَاءَكُمْ﴾ بمعنى: أو أشد ذكرا من آبائكم، على أن ﴿ذِكْرًا﴾ من فعل المذكور"(٢). وقال تعالى: ﴿رِجَال لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فى سورة النور ، يعنى : (٣) "لا يشغلهم البيع والشراء عن ذكر الله، يعنى عن طاعة الله، وعن مواقيت الصلاة . قيل : نزلت الآية فى أصحاب الصفة وأمثالهم، الذين تركوا التجارة، ولزموا المسجد. وقيل: هم الذين يتجرون ولا تشغلهم / ١٦ / تجارة عن الصلوات فى مواقيتها، وهذا أشبه ، والتجارة صناعة التاجر ، وهو الذى يبيع ويشترى للربح ، فإما أن يريد لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة ، ثم خص البيع، لأنه فى الإلهاء من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة - وهى طلبته الكلية من صناعته - ألهته ما لا يلهيه شراء شىء يتوقع فيه الربح فى الوقت الثانى، لأن هذا يقين ، وذاك مظنون ، وإما أن يسمى الشراء تجارة، إطلاقا لاسم الجنس على النوع، كما تقول رزق فلان تجارة رابحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء . (١) انظر تفسير الكشاف (٢٤٧/١). (٢) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف . (٣) انظر تفسير الكشاف (٢٤٢/٣-٢٤٣) بتصرف بسيط . ( ٤٨ ) وقيل : التجارة لأهل الجلب ، تجر فلان فى كذا إذا حلبه" (١). وقال تعالى: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالْكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ فى سورة المنافقين، أى "(٢) لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعنى: من لم يعمل بطاعة الله، ولم يؤمن بوحدانيته. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يعنى: المغبونون بذَهاب الدنيا وحرمان الآخرة" . وقيل : (٣) "ذكر الله الصلوات الخمس. وعن الحسن: جميع الفرائض. وقيل القرآن. وعن الكلبى: الجهاد مع رسول اللّه وَ ات". وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ فىِ نَفْسِكَ﴾ فى سورة الأعراف، يعنى: "(٤) اقرأ يا محمد إذا كنت إماما فى نفسك ﴿تَضَرُّعَا﴾ يعنى: مستكيناً. ﴿وَخِيفَةً﴾ يعنى : خوفا من عذابه، وهذا قول مقاتل. وقال الكلبى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فىِ نَفْسِكَ﴾ يعنى: سرًّا ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَولِ﴾ يعنى: العلانية حتى يَسمع من خلفك. وقال الضحاك: معناه : اجهر بالقراءة فى صلاة الغداة والمغرب والعشاء. ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ يعنى : لا تغفل عن القراءة فى الظهر والعصر، فإنك تخفى القراءة فيهما. وروى عن رسول الله ﴿ أنه قال: " اذكروا الله ذكرا خاملا. قيل: وما الذكر الخامل؟ قال: الذكر الخفى(٥)". (١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف . (٢) انظر تفسير السمرقندى (٣٦٦/٣). (٣) انظر تفسير الكشاف (٥٤٤/٤) . (٤) انظر تفسير السمرقندى (٥٩١/١-٥٩٢). (٥) قال ابن المبارك فى الزهد (ص/٥٠، رقم/١٥٥): أخبرنا أبو بكر بن أبى مريم ، عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول اللّرَّةِ "اذكروا ... " مرسلا، وضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (٧٣٧) . ( ٤٩ ) وقوله: ﴿بِالْغُدُوٌ / ١٧ / وَاْلآصَالِ﴾ يعنى: غدوة وعشية"(١). قال الزمخشرى : "قوله بعد﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا﴾ عام فى الأذكار من قراءة القرآن، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، وغير ذلك. ﴿َتَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ متضرعًا وخائفا. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾، ومتكلمًا كلاما دون الجهر، لأن الإخفاء أدخل فى الإخلاص، وأقرب إلى حسن التفكر. ﴿بِالْغُدُوِّ وَاْلآصَالِ﴾ لشغل هذين الوقتين، أو أراد الدوام، ومعنى: ﴿بِالْغُدُوْ﴾ بأوقات الغدو، وهى الغدوَّات. وقرئ: ﴿وَاْلإِيصَالِ﴾ من أصل إذا دخل فى الأصيل، كأقصر وأعتم، وهو مطابق للغدو . ﴿وَلاَتَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه" (٢). (١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير السمرقندى. (٢) انظر تفسير الكشاف (١٩٢/٢) (٥٠ ) [قال شيخ الإسلام:] ١ - عن (١) أبى الدرداء - ه - قال: قال رسول الله صل: "أَلا أُنبِئُكُم بِخيرٍ أَعمالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِند مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعُهَا فِى دَرَجَاتِكُم ، وَخيرٌ لكم من إنفاقِ الذّهبِ والوَرقِ ، وخير لكم من أن تَلْقوا عدوّكم، فَتَضْرِبُوا أعناقَهم ، ويضربوا أعناقَكُم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذِكْرُ اللهِ" خرجه الترمذى وابن ماجه وقال الحاكم : صحيح الإسناد (٢)". أقول : أبو الدرداء بفتح الدالين وسكون الراء: عويمر بن عامر وقيل : عويمر بن مالك. وقيل : عويمر بن عبد الله. وقيل : عويمر بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصارى، روى له عن رسول الله وُ لّ مائة حديث وتسعة وتسعون حديثا ، اتفق البخارى ومسلم على ثمانية أحاديث ، روى عنه خالد بن معدان ، ومعدان بن أبى طلحة، وأسد بن وداعة، وجُبير بن نفير، وعلقمة بن قيس، وعمرو بن الأسود، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وابنه / ١٨ / بلال بن أبى الدرداء، وزوجته أم الدرداء الصغرى هجيمة بنت حُيى الوُصَّابية وخَلقّ سواهم. مات بالشام سنة إحدى وثلاثين ، وقيل : سنة اثنتين وثلاثين ، وقبره بدمشق، وقبر زوجته أيضا . روى له الجماعة(٣) . (١) فى "ج" و "هـ": "فصل فى فضل الذكر" وفى "د" : "فصل" (٢) أخرجه الترمذى: كتاب الدعاء ، باب (٦١) رقم (٣٣٧٧) ،وابن ماجه : كتاب الأدب ، باب فضل الذكر (٣٧٩٠)، وأحمد فى مسنده (١٩٥/٥)، والبغوى فى شرح السنة (١٥/٥-١٦)، وأبو نعيم فى الحليه (١٢/٢)، والحاكم (٤٩٦/١)، وغيرهم من طريق عبدالله بن سعيد بن أبى هند، عن زياد مولى ابن عياش ، عن أبى بحرية، عن أبى الدرداء به، وأخرجه أحمد (٤٤٧/٦) من طريق موسى بن عقبه، عن زياد به، وقال المنذرى فى الترغيب (٣٩٥/٢): إسناده حسن، وقال الحاكم: صحيح الإِسْنَاد، ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم الطيب: وهو كما قالا. تنبيه : وقع فى الحليه "عبد الله بن أبى سعيد يعنى ابن أبى هند مولى ابن عباس يعنى: يزيد بن أبى زياد" وعند أحمد (٤٤٧/٦): "زياد بن أبى زياد مولى ابن عباس" كذا وهو خطأ . (٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٩٧٠/٤) أسد الغابة (٥٨٥٨/٦)، الإصابة (٦١٢١/٤). (٥١ ) وجُبير: بضم الجيم. ونُفير: بضم النون . والوُصَّابية : بضم الواو وتشديد الصاد المهملة . اعلم أن الشيخ -رحمه الله- أراد بإيراد هذا الحديث وبما ذكره عقيبه، أن يثبت أن ذكر الله أفضل الأعمال وأزكاها . فانظر كيف سماه صاحب الشرع بخير الأعمال بقوله : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم" فأشار - عليه السلام- أن ذكر الله -عز وجل- أفضل من جميع الأعمال، وأنه أزكى الأعمال، وأرفعها للدرجات، وأنه أفضل من الصدقة ، حيث قال: "وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق" وأنه أفضل من الجهاد ، حيث قال "وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم" وضرب أعناق الأعداء جهاد. وأفضل من الشهادة، حيث قال: "ويضربوا أعناقكم" لأن الشهادة الفاضلة أن تضرب الأعناق فى أيدى الأعداء، فى سبيل الله بعد قوله: "ألا" كلمه تنبيه، كأن المتكلم ينبه المخاطب على أمر عظيم الشأن ، ظاهر البرهان . قوله: "أنبئكم" من النبأ وهو الخبر، ومنه النبى، لأنه مخبر من الله. و "خير" هنا بمعنى أخير، لأن لفظة "خير وشر" يستعملان فى موضع أفعل التفضيل على صيغتهما هكذا . "وأزكى" أى أطهر، من الزكاة وهى الطهارة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكِّى﴾(١) أى تطهر، أومن النماء، يقال : زكى الزرع إذا نمى . و "المليك" اسم من أسماء الله تعالى، والمليك والملك والمالك كلها من الملك. و"الوَرِق" بكسر الراء الفضة. و"العدو" على صيغه فعول، وهو إذا استعمل مضافاً يستوى فيه الجمع والواحد، ولذلك رجع إليه الضمير بالجماعة فى قوله: "أعناقهم" وقوله: / ١٩ / "يضربوا". (١) سورة الأعلى (١٤). ( ٥٢ ) قوله : "قالوا" أى الصحابة المخاطبون . قوله : "بلى" أى بلى أخبرنا، لأن بلى مختصة بإيجاب النفى ، استفهاما كان ذلك النفى أو خبرا، تقول فى جواب من يقول: لم يقم زيد أو: ألم يقم زيد؟ بلى. أى: بلى قد قام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾(١) أى. بلى أنت ربنا. ولو قالوا "نعم"، لكان كفرا، لأن "نعم" مقررة لما قبلها، نفيا كان أو إيجابا، إلا أن يحمل على العرف. قوله: "قال: ذكر الله" أى: قال الرسول - عليه السلام - : الذى أخبركم بكذا وكذا هو ذكر الله - عز وجل - . قوله : "خرجه الترمذى" أى هذا الحديث الذى رواه أبو الدرداء خرجه الترمذى، وهو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الترمذى السلمى الضرير ، صاحب "الجامع" . قوله : "وابن ماجه" هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينى صاحب "السنن" . قوله : "وقال الحاكم" هو أبو عبد الله صاحب "المستدرك على الصحيحين". قوله : "صحيح الإسناد" أى هذا الحديث الذى خرجه الترمذى وابن ماجه من الحسان صحيح الإسناد. واعلم أن الفرق بين الصحيح والحسن، أنه لا يخلو إما أن يجتمع فى المعن اتصال الإسناد، وعدالة الرواة، ويسلم من الطعن القادح أو لا(٢)، والثانى الضعيف . والأول إما أن يشمل من الصفات المقتضية للقبول على أعلاها فهو (١) سورة الأعراف (١٧٢). (٢) تعريف الشارح لشروط صحة الحديث وحسنه ليست هى كل شروطه عند المحدثين ، بل هذه بعضه : الاتصال ، العدالة ، عدم العلة ، ويتبقى : ضبط الرواة ، عدم الشذوذ. وهذه الشروط ذكرها ابن الصلاح فى أول مقدمته الشهيرة (ص/٢٠) مع التقييد، ثم قال: فهذا هو الحديث الذى يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث . [صبرى]. ( ٥٣) الصحيح ، وإلا فهو الحسن، ومن ثم لم يشترط فيه الترمذى ثقة رجاله، بل عدم الاتهام بالكذب ، ومجيئه من وجه آخر. وقيل : الحسن نوع من الصحيح ، لا قسيمه ، وحكاه بعضهم عن جمهور أهل الحديث ، ولذلك يقال للحديث الواحد: إنه حسن صحيح . وعلى الأول فيقال ذلك باعتبار إسنادين غالبا، وللصحيح مراتب ، أعلاها ما يقال فيه متفق عليه ، ويعنون به اتفاق البخارى ومسلم، لا الأمة ، لكنه لازم لتلقيهما بالقبول ، ومن ثم ادعى ابن الصلاح أنه مقطوع به دون غيره من أخبار الآحاد ، وَرُدَّ بأن الاتفاق راجع لوجوب العمل به، وذلك لا يتوقف على القطع / ٢٠ / بأنه - "غليه السلام - قاله، فالصحيح والحسن مقبولان ، والضعيف مردود ما لم يقتضٍ ترغيبا أو ترهيبا، أو تتعدد طرقه ، ولم يكن المتابع منحطا عنه. وقيل : لا يقبل مطلقا. وقيل : يقبل إن شهد له أصل، أو اندرج تحت عموم(١)، وكل من الثلاثة إما أن يكون إلى النبى - عليه السلام - ، أو الصحابى، أو التابعى ، فالأول المرفوع، والثانى الموقوف ، ويسميه الفقهاء الخراسانيون بالأثر، ويخصون الحديث بالمنقول عنه - عليه السلام - خاصة والثالث : المقطوع. وهذا القدر كاف فى هذا المختصر، وإنما ذكرت هذا القدر، لأنه يجئ ذكره فى هذا المختصر، ذكرته ليقف عليه المبتدئ على وجه السرعة . فإن قلت : ما الحكمة فى أن الذكر كان خير الأعمال وأفضلها وأزكاها؟ قلت : لأن ما فى الذكر من الفوائد ما ليس فى غيره : الأولى(٢): إنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره . الثانية : إنه يرضى الرحمن عز وجل . الثالثة : إنه يزيل الهم والغم عن القلب، وإنه يجلب للقلب الفرح والسرور والنَشْط . (١) انظر الكلام على حكم العمل بالحديث الضعيف وتفصيل ذلك فى مقدمة الكتاب . (٢) انظر فوائد الذكر فى "الوابل الصيب من الكلم الطيب" للإمام ابن القيم (ص/ ٤١ : ٩١). ( ٥٤ ) الرابعة : إنه يقوى القلب والبدن . الخامسة : إنه ينور الوجه والقلب . السادسة : إنه يجلب الرزق . السابعة : إنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة . الثامنة : إنه يورث المحبة التى هى روح الإسلام ، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة . التاسعة : إنه يورث المراقبة حتى يدخل فى باب الإحسان ، فيعبد الله كأنه يراه ، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان . العاشرة : إنه يورث الإنابة والرجوع إلى الله تعالى. الحادية عشر: إنه يورث القرب منه ، فعلى قدر ذكر الله يكون القرب منه، وعلى قدر غفلته یکون بعده منه . الثانية عشر: إنه يفتح له بابا عظيما من أبواب المغفرة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة . الثالثة عشر : إنه يورث الهيبة لربه وإجلاله ، لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل، فإن حجاب الهيبة / ٢١ / دقيق فى قلبه . الرابعة عشر: إنه یورثه ذکر الله تعالی، قال الله تعالى: ﴿آذگرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾(١). ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى به فضلا وشرفًا . (١) سورة البقرة (١٥٢). ( ٥٥ ) م وقال ﴿﴿ فيما يروى عن الله - عز وجل - "فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملا ذكرته فى ملاٍ خير منهم" أخرجه البخارى ومسلم والترمذى(١) . الخامسة عشر : إنه يورث حياة القلب، وعن المصنف - رحمه الله - : الذكر للقلب مثل الماء للسمكة ، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟ السادسة عشر : إنه قوت القلب والروح . ٠٠ السابعة عشر : إنه يورث جلاء القلب من صداه، كما روى البيهقى مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر، عن النبى - ﴿ - أنه كان يقول: "لكل شيء صقالة(٢)، وصقالة القلوب ذكر الله - عز وجل - ، وما من شىء أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. قالوا: ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"(٣). ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك الذكر صدأ، فإذا ذكر جلاه . وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب . وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة (١) البخارى : كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ... (٧٤٠٥)، مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب الحث على ذكر الله تعالى (٢٦٧٥، ٢، ٣)، الترمذى: كتاب الدعوات ، باب فى حسن الظن بالله - عز وجل - (٣٦٠٣) من حديث أبى هريرة . (٢) الصقل: الجلاء، ويروى بالسين على الإبدال من الصاد . قال الأزهرى: والصاد أفصح . (٣) أخرجه البيهقى فى "شعب الإيمان" (٣٩٦/١، رقم ٥٢٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعزاه المنذرى فى الترغيب (٣٩٦/٢) والدمياطى فى المتحر الرابح (ص/٤١٣ ، رقم/١٢) لابن أبى الدنيا فى "الذكر" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف ، وضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (١٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ، والله أعلم . ( ٥٦ ) أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه، وصداه بحسب غفلته، وإذا صدأ القلب لم ينطبع فيه صور المعلومات على ما هى فيه، فيرى الباطلَ فى صورة الحق، والحقَّ فى صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورُ الحقائق كما هى عليه ، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود، وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقا، ولا ينكر / ٢٢ / باطلا ، وهذا أعظم عقوبات القلب . الثامنة عشر : إنه يحط الخطايا، ويذهب بآفاته، فإنه من أعظم الحسنات والحسنات تذهبن السيئات . التاسعة عشر : إنه يزيل الوَحشة بين العبد وبين ربه ، فإن الغافل بينه وبين الله وحشة، لا تزول إلا بالذکر . العشرون : إن ما یذکر به العبد ربه من جلاله وتسبيحه وتحمیده، يُذ کر لصاحبه عند الشدة، فقد روى الإمام أحمد فى "المسند" عن النبى - عليه السلام - أنه قال: "إن مما تذكرون الله من جلال الله من التهليل والتكبير والتحميد يتقاطعن عند العرش ، لهن دوی یذکرن لصاحبهن، أفلا یحب أحدكم أن یکون له ما یذکر به"(١)؟ (١) أخرجه ابن ماجه فى كتاب الأدب، باب فضل التسبيح (٣٨٠٩)، وأحمد فى مسنده (٢٧١،٢٦٨/٤)، والحاكم (٥٠٣/١) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن مسلم أبى عيسى الطحان ، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه ، عن النعمان بن بشير به ، وقال فى الزوائد : إسناده صحيح، رجاله ثقات ، وأخو عون اسمه عبيد الله بن عتبة ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وصححه الألبانى فى صحيح ابن ماجه . ورواه الحاكم, (٥٠٠/١) من طريق موسى بن سالم، عن عون بن عبد الله به بلفظ: "الذين يذكرون الله من خلال التمجيد والتسبيح ... " وقال: صحيح الإسناد ، وقال الذهبى فى التلخيص: موسى بن سالم قال أبو حاتم: "منكر الحديث" اهـ. وعزاه الحافظ المنذرى فى الترغيب (٤٣٢/٢) لابن أبى الدنيا فى الذكر وابن ماجه والحاكم، وقال: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ! ( ٥٧ ) الحادية والعشرون : إن العبد إذا تقرب إلى الله تعالى بذكره فى الرخاء، عرفه فى الشدة ، وقد جاء أثر معناه : "إن العبد المطيع الذاكر الله إذا أصابته شدة، وسأل الله حاجته، قالت الملائكة : يارب صوت معروف من عبد معروف. والغافل المعرض عن الله ، إذا دعاه وسأله، قالت الملائكة: صوت منكر من عبد منكر" . الثانية والعشرون : إنه منجاة من عذاب الله كما روينا . الثالثة والعشرون : إنه سبب تنزل السكينة ، وغشيان الرحمة ، وصفوف الملائكة بالذكر ، كما أخبر النبى - عليه السلام -(١) . الرابعة والعشرون : إنه سبب انشغال اللسان عن الغيبة والنميمة ، والكذب، والفحش والباطل . الخامسة والعشرون : مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشيطان . السادسة والعشرون : إنه يسعد الذاكر بذكره، ويسعد به جليسه ، وهذا هو المبارك أينما کان ، والغافل یشقی بلغوه وغفلته ، ویشقی به مجالسه . السابعة والعشرون: / ٢٣ / إنه يُؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة، وإن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه ، وقد(٢) كان عليه حسرة وترة يوم القيامة(٣). (١) يشير إلى الحديث الذى رواه الإمام مسلم (٢٧٠٠-٣٩) من حديث أبى سعيد وأبى هريرة مرفوعا: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده" . (٢) كذا فى الأصل، ولعل "وقد" زائدة . (٢) يشير إلى الحديث الذى رواه أبو داود فى "سنته" (٤٨٥٦) من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "من قعد مَقعَدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضضحع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة" وانظر صحيح الجامع (٦٤٧٧). ( ٥٨ ) الثامنة والعشرون: إنه مع البكاء فى الخلوة سبب لإظلال اللهِ تعالى العبد يوم الحشر الأكبر فى ظل عرشه، والناس فى حر الشمس، قد صهرتهم فى الموقف ، وهذا الذاكر مستظل بظل عرش الرحمن - عز وجل - . التاسعة والعشرون : إن الاشتغال به سبب لعطاء اللهِ الذاكرَ أفضل ما يعطى السائلين، وفى الحديث عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله وحطّ [يقول الله عز وجل] : "من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أُعطى السائلين"(١). الثلاثون : إنه أيسر العبادات ، وهو من أجلها وأفضلها، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها ، ولو تحرك عضو من أعضاء الإنسان فى اليوم والليلة مقدار حركة اللسان ، لشق عليه غاية المشقة ، بل لا يمكن ذلك . الحادية والثلاثون : إنه غرس الجنة، فقد روى الترمذى فى "جامعه" من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلّ: "لقيت إبراهيم ليلة أسرى بى فقال: (١) أخرجه البخارى فى "خلق أفعال العباد" (ص/٩٣) قال: ثنا ضرار، ثنا صفوان بن أبى الصهباء، عن بكر بن عتيق ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عن جده به . وضرار بن صرد وشيخه ضعيفان. وقال الحافظ فى "الفتح" (٥٤/٩): "أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحمانى فى "مسنده" من حديث عمر بن الخطاب ، وفى إسناده صفوان بن أبى الصهباء مختلف فيه" اهـ. ورواه الترمذى فى كتاب فضائل القرآن، باب (٢٥)، رقم (٢٩٢٦)، والدارمى (٤٤١/٢) وغيرهما من طريق محمد بن الحسن بن أبى يزيد الهمدانى، عن عمرو بن قيس ، عن عطية العوفى ، عن أبى سعيد الخدرى مرفوعًا بزيادة. وأعله العقيلى فى "الضعفاء" (٣٧٥) بمحمد بن الحسن٠ ٩هـ. وعطية العوفى ضعيف. وقال الذهبى فى "الميزان" فى ترجمة محمد بن الحسن بعد أن ذكر الحديث: "حسنه الترمذى فلم يُحْسِن". وقال ابن أبى حاتم فى "العلل" (٨٢/٢) عن أبيه: "هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوى" . وأخرجه أبو نعيم فى الحلية (٣١٧/٧) من حديث حذيفة، وفيه عبد الرحمن بن واقد قال الحافظ : "صدوق يغلط". وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١٣٣٥). ( ٥٩ ) ے،