النص المفهرس
صفحات 361-380
لا يكون إلا عند عدم شكرها والمضيّ على ما تستحقه وتقتضيه كالبخل بما تقتضيه النعم على صاحبها من تأدية ما يجب عليه من الشكر والمواساة وإخراج ما يجب إخراجه ، واستعاذ أيضاً وَل من تحوّل عافيته سبحانه : لأنه إذا كان قد اختصه الله سبحانه بعافيته : فقد ظفر. بخير الدارين : فإِن تحوّلت عنه فقد أصيب بشرّ الدارين : فإِن العافية يكون بها صلاح أمور الدنيا والآخرة، واستعاذ ◌ٍَّ من فجأة نقمة الله سبحانه: لأنه إذا انتقم من العبد فقد أحلّ به من البلاء ما لا يقدر على دفعه ولا يستدفع بسائر المخلوقين ، وإن اجتمعوا جميعاً كما في الحديث الصحيح القدسي: ((إن العباد لو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوا أحداً لم يقدروا على نفعه؛ أو اجتمعوا جميعاً على أن يضرّوا أحداً لم يقدروا على ضرّه)) * والفجاءة بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة مشتقة من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير أن يعلم بذلك ، وفي رواية بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مدّ ، واستعاذ ◌ّر من جميع سخطه : لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر ولو كان السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب ، ولهذا قال الصادق المصدوق (( وجميع سخطك)) ، وجاء بهذه العبارة شاملة لكل سخط : اللهم إنا نعوذ بك من شر سخطك ونسألك رضاك والجنة : فمن رضيت عنه فقد فاز في جميع أموره وأفلح في كل شؤونه ، ونعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفجأة نقمتك يا رحمن يا رحيم يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيوم . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالْهَرَمِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِراً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغاً)) ( د، مس ) . الحديث أخرجه أبو داود والحاكم في مستدركه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي اليسر(١) رضي الله عنه قال: إن النبي و هل كان يدعوه: ((اللهم إني أعوذ بك منِ الهدم والتردّي والغرق والحرق)) الحديث إلخ . قال الحاكم صحيح الإِسناد ، وأخرجه أيضاً النسائي: استعاذ ◌َل من الهدم والتردّي والغرق والحرق : لأن ذلك يكون بغتة ، وقد يكون الإِنسان في ذلك الوقت غير مقرّر أموره بالوصية فيما يكون محتاج الوصية فيه ، وبإِخراج ما يجب إخراجه ركوناً منه على ما هو فيه من الصحة والعافية ، وقد لا يتمكن عند حدوث هذه الأمور من أن يتكلم بكلمة الشهادة لما يفجأه من الفزع ويدهمه من الخوف * والهدم : (١) أبو اليسر كعب بن عمرو رضي الله عنه بياء وسين مهملة مفتوحتين وراء ، وكذا كنية الحباب بن عمرو وكذا في قول مسلم في حديث أبي اليسر : كان لي على فلان الحذامي ، وكذا يسرة بن صفوان اهـ مغني . ٣٦١ بسكون الدال المهملة انهدام البناء عليه * والتردّي : بفتح التاء المثناة من فوق وفتح المهملة وتشديد الدال : هو السقوط من مكانٍ عال إلى مكانٍ منخفض * والغرق : بفتح الغين المعجمة والراء المهملة وآخره قاف : هو السقوط في الماء * والحرق : بفتح المهملتين وآخره قاف : هو الوقوع في النار، واستعاذ و له من أن يتخبطه الشيطان عند الموت : أي يفتنه ويغلبه على أمره ، ويحسن له ما هو قبيح ، ويقبح له ما هو حسن : ويناله بشيء من المسّ كالصرع والجنون ، ولما قيده بالتخبط عند الموت كان أظهر المعاني فيه هو أن يغويه ويوسوس له ويلهيه عن التثبت بالشهادة والإقرار بالتوحيد، واستعاذ ◌َلخير من أن يموت في سبيله مدبراً : لأن ذلك من الفرار من الزحف ، وهو من كبائر الذنوب ، واستعاذ ◌َ ل﴿ من أن يموت لديغاً: لأنه قد يموت بذلك فجأة فلا يقدر على التثبت وقد يتراخى موته فيشتغل بهذا الألم الشديد عن أن يتخلص بما يجب عليه التخلص عنه * واللديغ : هو الذي تلدغه الحية أو العقرب أو غيرهما من ذوات السموم ، فهو فعيل بمعنى مفعول: اللهم إنا نعوذ بك مما استعاذ منه رسولك 18 ، وقد تقدم بيان وجه الاستعاذة من الهرم . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأُخْلَقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأُهْوَاءِ (ت، حب ) وَالْأَدْوَاءِ)) (ت ). الحديث أخرجه الترمذي وابن حبان كما قال المصنف رحمه الله وهو من حديث زياد(١) بن علاقة عن عمه قال: كان رسول الله وَلل يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال)) الحديث إلخ، وزاد الترمذي في آخره ((والأدواء)) قال الترمذي بعد إخراجه حسن صحيح غريب وصححه ابن حبان وأخرجه أيضاً الحاكم ، وقال صحيحٍ على شرط مسلم، استعاذ ◌َلقر من منكرات الأخلاق: لأن الأخلاق المنكرة تكون سبباً لجلب كل شرّ، ودفع كل خير، واستعاذ ◌َل من منكرات الأعمال : لأنها إذا كانت منكرة فهي ذنوب ، واستعاذ ◌َّي من الأهواء: لأنها هي التي توقع في الشرّ ويتأثر عنها من معاصي الله سبحانه كما قال سبحانه - أفرأيت من اتخذ إلهه هواه - ، وإذا كان الهوى يصير صاحبه باتباعه كالعابد له فكأنه إلهه: فلا شيء في الشرّ أزيد من ذلك ولا أكثر منه، واستعادة وله من الأدواء : وهي جمع داء ، وهو السقم الذي عرّض له الإِنسان ، وقد يراد بذلك أدواء الدين والدنيا من جميع ما يضرّ بالبدن والدين . (١) بكسر زاي وخفة مثناة تحت وعلاقة بكسر مهملة وخفة لام اهـ مغني. ٣٦٢ ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَبَةِ العَدُوِّ ، وَشَمَاتَةٍ الْعِبَادِ)) ( حب ) . الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وَلام يدعو بهؤلاء الكلمات ((اللهم)) الحديث إلخ: وصححه ابن حبان ، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ، وقال صحيح على شرط مسلم وهو عنده بهذا اللفظ، ولكنه قال: (( وشماتة الأعداء))، استعاذ ◌َ ل من غلبة الدين: لأن في ذلك همّ القلب والخلف في الوعد(١) والاشتغال بالقضاء عن أمور الدين في غالب الأحوال، وإنما استعاذ رسول الله وص له من غلبته : لأن الاستدانة بدون غلبة: قد يحتاج إليها كثير من العباد، وقد مات رسول الله وي التر ودرعه مرهونة في أصواع من شعير ، واستعاذ من غلبة العدوّ : لأنه يتحكم بمن يعاديه ، وينزل به أنواعِ المضارّ، واستعاذ ◌َ ل﴿ من شماتة العباد : لأن لذلك في القلب موقعاً عظيماً وتأثراً كبيراً ، ولفظ العباد يشمل العدوّ والصديق ، ومن ليس بعدوّ ولا صديق : فهو أعمّ من رواية ((وشماتة الأعداء))، وقد يتحصل(٢) بتوجع المترحمين ممن يتظهر بالصداقة فوق ما يجده الإِنسان من شماتة الأعداء ، كما قال الشاعر : لتوجع المترحمين مضاضة(٣) في القلب فوق شماتة الأعداء أعاذنا الله تعالى من ذلك ، وقد تقدم في الأدعية ما أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال))، وفي لفظ لغير البخاري ((من غلبة الدين وقهر الرجال)) كما تقدم في موضعه . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَ يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَ يَخْشَعُ ، وَدُعَاءٍ لَ يُسْمَعُ ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ )) ( مص، مس ) . الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه وابن أبي شيبة في مصنفه كما قال المصنف رحمه الله، وهو من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قال: كان من دعائه وَله: «اللهم (١) في نسخة : الموعد اهـ . (٢) في نسخة : يحصل اهـ . (٣) في نسخة . مرارة اهـ . ٣٦٣ ٠٤ إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ودعاء لا يسمع ، ومن نفس لا تشبع، ومن الجوع فإِنه بئس الضجيع ومن الخيانة فلبئست البطانة ، ومن الكسل والجبن والبخل ، ومن الهرم ، ومن أن أردّ إلى أرذل العمر ، ومن فتنة الدّجال ، وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات : اللهم إنا نسألك قلوباً أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك : اللهم إنا نسألك عزائم مغفرتك ومنجيات أمرك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل برّ والفوز بالجنة ، والنجاة من النار)) ( قوله اللهم إني أعوذ بك الحديث إلخ) قال الحاكم بعد إخراجه صحيح الإسناد وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله # كان يقول : ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وعمل لا يرفع ، وقلب لا يخشع ، ودعاء لا يسمع))، وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس ، ومن حديث أنس رضي الله عنهما ، والآخر رجاله رجال الصحيح ، وقد اقتصر المصنف ههنا على بعض الحديث وقد قدمنا تفسير جميع ما ذكره من ألفاظه في شرح حديث زيد بن أرقم المتقدم قريباً ، وكان ينبغي للمصنف أن يجعل هذا الحديث متصلا بذلك الحديث لأن معناهما واحد ، أو يكتفي بحديث زيد بن أرقم لكونه في الصحيح : أو يذكر ما اشتمل عليه هذا الحديث ليكون عذراً له في التكرير مع التفريق . ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي)) ( طس ) . الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عثمان بن أبي العاص وامرأة من قيس أنهما سمعا رسول الله وَلير قال أحدهما سمعته يقول: ((اللهم اغفر لي ذنوبي وخطئي وعمدي)) وقال الآخر: سمعته يقول: (( اللهم إني أستهديك لأرشد أمري وأعوذ بك من شرّ نفسي)) ورجاله رجال الصحيح ، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند ورجاله رجال الصحيح ، وصححه ابن حبان ، وأخرجه أحمد عن عجوز من بني نمير أنها رمقت النبي ◌َّر وهو يصلي بالأبطح تجاه البيت قبل الهجرة ، وسمعته يقول: ((اللهم اغفر لي ذنبي وخطئي وجهلي)) ورجاله رجال الصحيح ، وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم ﴿ ﴿ إلا سمعته يقول: ((اللهم اغفر لي خطئي وعمدي كلها : اللهم أنعشني واجبرني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق : لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)) ورجال إسناده ثقات، وإنما استغفر ◌َّ من الخطأ ، وإن كان عفواً كما في قوله تعالى : - ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا - وثبت في الصحيح عنه وَلّ أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال : قد فعلت : لأن تجنب ما لا بأس به يقوّي صاحبه على تجنب ما به بأس ، وأيضاً المقام النبوي لا يصدر منه ما هو بصورة الذنب ٣٦٤ ويمكن حمل ذلك على غير ما طريقة البيان: فإِنه ◌َّ معصوم عن الخطأ فيه . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَسَِىءِ الأَسْقَامِ)) (مص). الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أنس ، وقد أخرج هذا من حديث أنس أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين قال : إن النبي 18 كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيىء الأسقام )) وكان الأولى أن يعزوه المصنف إليهما ، والكلام على الحديث هذا قد تقدم عند الكلام على الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب ، وجعل هنا مكان الجنون البرص : ولكنه رواه المصنف رحمه الله في الحصن الحصين باللفظين جميعاً الجنون والبرص ، وإنما استعاذ ◌َل﴿ من هذه الأمور: لأنها مما تنفر عنه الطباع البشرية. ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذُلِكَ عِنْدِي )) ( مص) . الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي موسى وهو ثابت في الصحيحين من حديثه بلفظ: ((اللهم اغفر لي جدّي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي)): فالعجب من المصنف رحمه الله حيث عزاه إلى مصنف ابن أبي شيبة ، وترك عزوه إلى الصحيحين ، وهكذا عزاه في الحصن الحصين إلى ابن أبي شيبة فقط ، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبيّ بن كعب قال : قال النبي # ألا أعلمك ما علمني جبريل؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: قل: ((اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدّي ولا تحرمني بركة ما أعطيتني ولا تفتني فيما أحرمتني »، ورجاله رجال الصحيح غير سلمة بن أبي حكيمة وهو ثقة ، وأخرج أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي ◌َّر كان يدعو ((اللهم اغفر لنا ذنوبنا وظلمنا وهزلنا وجدنا وعمدنا وخطأنا وكل ذلك عندنا)) قال في مجمع الزوائد وإسنادهما حسن ، وقد تقدم توجيه الاستعاذة من الخطأ ، وكذلك يكون توجيه طلب المغفرة منه . ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ؛ وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَأَجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَأَجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍ)) (م). ٣٦٥ الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَلير يقول: ((اللهم أصلح لي)) الحديث إلخ: هذا الحديث من جوامع الكلم لشموله لصلاح الدين والدنيا ، ووصف إصلاح الدين بأنه عصمة أمره لأن صلاح الدين هو رأس مال العبد وغاية ما يطلبه ، ووصف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه الذي لا بدّ منه في حياته ، وسأله إصلاح آخرته التي هي المرجع ، وحولها يدندن العباد ، وقد استلزمها سؤال إصلاح الدين لأنه إذا أصلح الله دين الرجل ، فقد أصلح له آخرته التي هي دار معاده ، وسأله أن يجعل الحياة زيادة له في كل خير : لأن من زاده الله خيراً في حياته كانت حياته صلاحاً وفلاحاً، وسأله أن يجعل له الموت راحة له من كل شرّ : لأنه إذا كان الموت دافعاً للشرور قاطعاً لها ففيه الخير الكثير للعبد، ولكنه ينبغي أن يقول: ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كان الموت(١) خيراً لي )) كما علمنا رسول الله ◌َّ: فإِنه يشمل كل أمر ، ومعلوم أن من لم يكن في حياته إلا الوقوع في الشرور : فالموت خير له من الحياة وراحة له من محنها . (( رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ ، وَأَنْصُرْنِي وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ ، وَأَمْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ، وَأَهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَأَنْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ، رَبِّ أَجْعَلْنِي لَكَ ذَكَّاراً، لَكَ شَكَّاراً ، لَكَ رَهَّاباً ، لَكَ مِطْواعاً، لَك مُخْبِتاً ، إِلَيْكَ أَوَّاهَاً مُنِيباً ، رَبِّ تَقْبَل تَوْبَتِي ، وأغْسِلْ حَوْبَتِي ، وَأَجِبْ دَعْوَتِي ، وَثَبِّتْ حُجَّتِي ، وَأَهْدِ قَلْبِي ، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي » ( حب عه) . الحديث أخرجه الأربعة : أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان كما قال المصنف، وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي وسلم يقول: ((ربّ أعني)) الحديث إلخ ، وهذا لفظ الترمذي ، وقال بعد إخراجه حديث حسن صحيح وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم : ( قوله وامكر لي ولا تمكر عليّ ) أي أعني على أعدائي بإيقاع المكر منك عليهم لا عليّ كما في قوله تعالى - ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين - ، وقيل إنما ذكر المكر من الله في هذه الآية وأمثالها من باب المشاكلة ولا حاجة إلى ذلك ، والكلام في هذا طويل ولا يأتي بطائل : ( قوله رب اجعلني لك ذكاراً) أي كثير الذكر لك كما تفيده صيغة المبالغة ، وهكذا قوله لك شكاراً : أي كثير الشكر ، وهكذا (١) في نسخة : الوفاة اهـ . ٣٦٦ رهاباً : أي كثير الرهبة ، وكذا لك مطواعاً: أي كثير الطاعة لأمرك والانقياد إلى قبول أوامرك ونواهيك ، وفي تقديم الجار والمجرور في جميع هذه الأمور دلالة على الاختصاص : ( قوله مخبتاً) من الإِخبات ، وهو الخشوع والتواضع والخضوع : والمعنى اجعلني لك خاشعاً خاضعاً متواضعاً ، والأوّاه : هو كثير الدعاء والتضرّع والبكاء ، والمنيب : هو الراجع إلى الله في أموره: ( قوله حوبتي) بفتح الحاء المهملة وضمها ، وهو الإِثم ( قوله وثبت حجتي) أي قوِّ إيماني بك وثبتني على الصواب عند السؤال (قوله وسدّد لساني) السداد الاعتدال في الأمر وإيقاعه على الصواب ( قوله واسلل سخيمة صدري) السخيمة بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة ، هي الحقد : والمعنى أخرج الحقد من صدري ، هذا معنى السخيمة هنا ، وقد ترد بمعنى آخر ، كما في حديث (( من سلّ سخيمة في طريق المسلمين فعليه لعنة الله)) فإن المراد بها هناك الغائط . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثََّاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةً(١) في الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُك شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ لِسَاناً صَادِقاً ، وَقَلْباً سَلِيماً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرَُ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )) (ت ، حب ) . الحديث أخرجه الترمذي وابن حبان کما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حدیث شدّاد بن أوس رضي الله عنه قال: كان رسول الله و # يعلمنا أن نقول: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر)) الحديث إلخ، وأخرجه أيضاً من حديثه النسائي والحاكم وزاد ((وخلقاً مستقيماً))، وقال صحيح على شرط مسلم ، وصححه أيضاً ابن حبان : فلا وجه لما قاله العراقي أنه منقطع وضعيف بعد تصحيح هذين الامامين له، سأل النبي ◌َ لي ربه الثبات في الأمر ، وهي صيغة عامة يندرج تحتها كل أمر من الأمور ، وإذا وقع الثبات للإنسان في كل أموره أجراها على السداد والصواب فلا يخشى من عاقبتها ولا تعود عليه بضرر، وسأله عزيمة الرشد ، وهي الجدّ في الأمر بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره ، والرشد : بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة ، هو الصلاح والفلاح والصواب ، ثم سأله شكر نعمته وحسن عبادته : لأن شكر النعمة يوجب مزيدها واستمرارها على العبد فلا تنزع منه ، وحسن العبادة يوجب الفوز بسعادة الدنيا والآخرة ، وسأله اللسان الصادق : لأن الصدق هو ملاك الخير كله ، وسأله سلامة القلب : لأن من كان كذلك يسلم عن الحقد والغلّ والغدر (١) عزيمة إلخ ، وفي نسخة : العزيمة على الرشد ، وفي الحصن الحصين : عزيمة الرشد إلخ اهـ . ٣٦٧ والخيانة ونحو ذلك ، وسأله أن يعيذه من شرّ ما يعلم سبحانه ، وسأله من خير ما يعلم لإِحاطة علمه سبحانه بكل دقيقة وجليلة بما يعلمه البشر وبما لا يعلمونه : فلا يبقى خير ولا شرّ إلا وهو داخل في ذلك ، واستغفره مما يعلمه سبحانه : لأنه يعلم بكل ذنب مما يعلمه العبد ومما لا يعلمه ، وما أوقع تتميم هذا الدعاء بهذه الجملة الواقعة موقع التأكيد لما قبلها ، وهي قوله : - إنك أنت علام الغيوب - . ((اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي)) (ت). الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: ان النبي و لر أتاه حصين فعلمه كلمتين يدعو بهما: ((اللهم ألهمني رشدي )» إلخ قال الترمذي بعد إخراجه حديث حسن غريب ، وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث حصين والد عمران: أنه أتى النبي وَل قبل أن يسلم: فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول؟ قال: قل: ((اللهم قني شرّ نفسي واعزم عليّ رشد أمري)) ولفظ الترمذي من حديث الحصين: ((اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شرّ نفسي )) وقال هذا حديث حسن غريب ، وقد ورد هذا الحديث عن عمران بن الحصين من غير هذا الوجه ، وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية : لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال ، والاستعاذة من شرّ النفس يكون بها السلامة من غالب معاصي الله سبحانه : فإِن أكثرها من جهة النفس الأمّارة بالسوء . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرَْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَِّي غَيْرَ مَقْتُونٍ ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ)) (ت ، مس ) . ١ الحديث أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث معاذ رضي الله عنه ، وقد ذكر له الترمذي قصة ، وفيها أن الله عز وجل قال للنبي وَل: سل يا محمد. قال: قلت: ((اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات)) الحديث إلخ، وبعد هذه الكلمات فقال رسول الله وَالر إنها كلمة حق فادرسوها ثم تعلموها : قال الترمذي بعد إخراجه حديث حسن صحيح ، وأخرجه أيضاً الحاكم من حديث ثوبان ، وقال صحيح على شرط البخاري ، سأل النبي ◌ّله ربه فعل الخيرات وترك المنكرات ، وذلك شامل لكل خير : وبفعل الخير الفوز بالأجر ، وسأله ترك المنكرات ، وذلك شامل لكل منكر ، وبذلك السلامة من الوزر ، وسأله حبّ المساكين : لأن حبهم دليل ٣٦٨ كمال الإِيمان ، وشعبة من شعب التواضع، ولهذا أمر الله سبحانه رسوله و لي بأن يصبر نفسه معهم ، وقال سبحانه - واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم - الآية، وقال تعالى : - عبس وتولى أن جاءه الأعمى - وسأله المغفرة والرحمة : لأنّ من غفر الله له ذنوبه واختصه برحمته فلا يشقى أبداً، وسأله أن يتوفاه غير مفتون: إذا أراد بقوم فتنة، وذلك تعليم منه ولاير لأمته كيف يدعون : لأنه معصوم عن أن يكون مفتوناً وأن يؤثر فيه ذلك ، ثم سأله سبحانه أن يرزقه حبه عزّ وجلّ : لأن من أحب الله عز وجل أحبه الله سبحانه ، ومن أحبه الله سبحانه : فقد فاز بما لا يساويه شيء مع استلزامه حبه عز وجل لعبده أن يدخله الجنة ، وأن يصرفه عن النار ، وأن يصلح له أمور دينه ودنياه كلها ، وقد أرشدنا الله سبحانه إلى الشيء الذي يحصل به من الله المحبة لنا بقوله تعالى : - إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - وقد ورد في السنة ذكر الأسباب التي يتسبب بها العباد إلى محبة الله سبحانه ، وسأله حب من يحبه فإِنه لا يحب الله عز وجل إلا الخلص من عباده فحبهم طاعة من الطاعات ، وقربة من القرب ، وسأله أن يرزقه حب العمل الذي يقرّبه إلى محبته : لأن من أحب الشيء استكثر منه وداوم عليه . ((اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَأَجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي، وَأَنْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَخُذْ مِنْهُ بِثَارِي )» (ت ، مس ، ز) . الحديث أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك والبزار في مسنده كما قال المصنف رحمه الله، وهو من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله و له يدعو فيقول: ((اللهم متعني بسمعي وبصري )) الحديث إلخ : قال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وأخرجه أيضاً الطبراني من حديثه بهذا اللفظ: إلا أنه قال: ((وأرني فيه ثأري وأقرّ بذلك عيني))، وأخرجه أيضاً البزار من حديثه . قال في مجمع الزوائد بإِسناد جيد ، وأخرجه أيضاً البزار من حديث جابر، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو مدلس ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، وأخرجه أيضاً البزار والطبراني من حديث عبد الله بن الشخير بدون ((قوله وانصرني إلخ)) وفي إسناده الحسن بن الحكم بن طهمان(١) ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح * وفي الحديث سؤاله ير أن يمتعه الله سبحانه وتعالى بسمعه وبصره لأن من لا يسمع ولا يبصر لا يصفو له عيش ولا تطيب له حياة ، ومعنى جعلهما الوارثين منه أن (١) وفي نسخة وفي إسناده : الحكم بن طهمان اهـ . ٣٦٩ يموت وهما صحيحان سويان فكأنهما ورثاه وبقيا بعده ، وسأله النصرة على من ظلمه ، والأخذ منه بثأره لأنه لا قدرة للعبد على الانتصاف إلا باقدار الرّبّ عزّ وجلّ . ((يَا مَنْ لَا تَرَاهُ الْعُيُونُ ، وَلاَ تُخَالِظُهُ الظَنُونُ، وَلاَ يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ ، وَلاَ تُغَيِّرُهُ الحَوَادِثُ وَلَا يَخْشَى الدَّوَائِرَ! وَيَعْلَمُ مَثَاقِيلَ الْجِبَالِ، وَمَكَابِيلَ الْبِحَارِ ، وَعَدَدَ قَطْرِ الأَمْطَارِ ، وَعَدَدَ وَرَقِ الأَشْجَارِ ، وَعَدَدَ مَا أَظْلَمُ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ، وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ ، وَلاَ تُوَارِي مِنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً ، وَلَا أَرْضٌ أَرْضاً، وَلَ بَحْرٌ مَا فِي قَعْرِهِ ، وَلَا جَبَلٌ مَا فِي وَعْرِهِ ، أَجْعَلْ خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهُ ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِمَهُ ، وَخَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ أَلْقَاكَ فِیهِ » ( طس ) . الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أنس رضي الله عنه قال: ((ان النبي ◌َّل مرّ بأعرابي وهو يدعو في صلاته وهو يقول : يا من لا تراه العيون الحديث إلخ )) ثم قال أنس رضي الله عنه بعد هذا اللفظ الذي ساقه المصنف ((فوكل رسول الله وسلّ بالأعرابيّ رجلاً، فقال: إذا صلى فأتني به ، فلما صلى أتاه الأعرابي، وقد كان أهدى لرسول الله و ﴿ ذهب من بعض المعادن ، فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب ، وقال ممن أنت يا أعرابي ؟ قال من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله ، قال يا أعرابيّ هل تدري لم وهبت لك الذهب، قال للرّحمة(١) بيننا وبينك، قال إن للرّحمة(٢) حقاً، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله سبحانه وتعالى)) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي(٣) وهو ثقة ( قوله يا من لا تراه العيون ) أي في الدنيا، وأمّا في الآخرة فقد صحت السنة المتواترة بأن العباد يرون ربهم عزّ وجلّ ، ولا التفات إلى المجادلات الواقعة من المعتزلة فكلها خيالات مختلة ، وعلل معتلة ، وما تمسكوا به من الدليل القرآني فهو معارض بمثله من القرآن ، والرجوع إلى السنة المتواترة واجب على كل مسلم ، وأمّا ما تمسكوا به من الأدلة العقلية فهو السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً وليس لنا في هذا إلا ما جاءنا من طريق رسوله بم له وقد جاءنا بما لا تبقى معه شبهة ، ولا يرفعه شك ولا يدخله خيال ( قوله ولا تخالطه الظنون ) أي إن علمه عزّ وجلّ عن يقين ، (١) في نسخة : للرحم أهـ . (٢) في نسخة : إنّ للرحم اهـ . (٣) في التقريب أبو عبد الرحمن الأزرمي بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء الموصلي ، ثقة ، من العاشرة اهـ . ٣٧٠ فهو العالم بخفيات الأمور ودقائقها كما يعلم بظواهرها وجلياتها ( قوله ولا يصفه الواصفون ) أي لا يقدرون على ذلك كما قال عزّ وجلّ - ولا يحيطون به علماً - فلا أحد من عباده يقدر على إحصاء الثناء عليه والوصف له ، بل هو كما أثنى على نفسه ( قوله ولا تغيره الحوادث ) أي الحوادث الكائنة في الزمان على اختلاف أنواعها كأنه إنما يتغير بتغيرها العالم الحادث ، لا القديم الواجب الوجود والبقاء سبحانه وتعالى ( قوله ويعلم مثاقيل الجبال ) أي مقادير(١) وزنها ( قوله ومكاييل البحار ) أي مقدارها كيلاً ( قوله وعدد ما أظلم عليه الليل ) وهو جميع هذا العالم الكائن بالأرض من حيوان وجماد ، وهو أيضاً الذي يظلم عليه الليل ويشرق عليه النهار ، وهو جل وعلا يعلم الأشياء كما هي فلا يحجبها عنه حاجب ، ولا يحول بينه وبينها حائل ، لا سماء ولا أرض ، ولا بحر ، ولا جبل ، ثم سأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل خير عمره آخره لأنه وقت الضعف والعجز عن الكسب ، وسأل الله تعالى أن يجعل خير عمله خواتمه لأنها تدور على الخاتمة دوائر السعادة والشقاوة كما تدلّ عليه الأحاديث التي قدّمنا ذكرها في هذا الكتاب ، وسأل الله أن يكون خير أيامه يوم يلقاه سبحانه وتعالى لأن ذلك الوقت هو وقت الظفر بالرحمة الواسعة والفوز بما لا خير يساويه ولا نعمة تضاهيه ، وكون ذلك اليوم خير أيامه يستلزم أن يكون ينال فيه ما يرجوه ، ويظفر بما يطلبه ، لأنه لو لم يحصل له ذلك لم يكن خير أيامه ، وقد سمع رسول الله وَّر هذا الدعاء وقرره ، فكان الدعاء به من السنة ، وقد تقرّر أن السنة قوله وي له وفعله وتقريره (قوله يوم ألقاك فيه ) هكذا وقع في بعض النسخ بفتح يوم من دون تنوين ، وذلك جائز كما تقرّر في علم النحو لأن الظرف المضاف إلى الجملة يجوز بناؤه على الفتح . ((اللَّهُمَّ بَارِْ لِي فِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَفِي آخِرَتِي الَّتِي إِلَيْهَا مَصِيرِي ، وَفِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا بَلَاغِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةٌ لِي فِي كُلُّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةٌ لِي مِنْ كُلِّ شَرٍ )) (ز) . الحديث أخرجه البزار كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث الزّبير بن العوام رضي الله عنه قال: ((إن النبيّ وَلِ﴿ كان يقول: اللهمّ بارك لي في ديني الحديث إلخ)) قال في مجمع الزوائد رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن محمد جزرة (٢) وهو ثقة (١) في نسخة : مقاديرها وزناً اهـ . (٢) بجیم فزا فميم مفتوحات وقيل بكسر جيم أيضاً اهـ مغني . ٣٧١ انتهى ، وقد تقدّم حديث أبي هريرة عند مسلم قريباً، وهو بمعنى هذا الحديث وأكثر ألفاظه ، وقد شرحناه هنالك ، وكان على المصنف رحمه الله أن يضم هذا الحديث إلى ذلك الحديث إذ لم يكتف بما في الصحيح ، ولا وجه لهذا التفريق الذي جعله بينهما . ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، وَمَيْتَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدًّا غَيْرَ مَخْزِيّ. وَلَا فَاضِحٍ )» (ط ) . الحديث أخرجه الطبراني كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال ((إن النبيّ وَّير كان يقول: اللهم إني أسألك عيشة نقية الحديث إلخ)) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني والبزار واللفظ له وإسناد الطبراني جيد ( قوله عيشة نقية ) أي حياة طيبة خالصة عن شوائب الكدر * والنقيّ من كلّ شيء خياره وأطيبه لأنه لم يشب بما يمحقه ولا خالطه ما يقذره ( قوله وميتة سوية ) أي صالحة معتدلة واقعة على الوجه الذي يرضاه الرّبّ سبحانه وتعالى ، وذلك بأن يثبته الله للتوبة والتخلص عما يجب عليه التخلص عنه ، ويختم كلامه بشهادة الحق ( قوله ومردّاً غير مخزيّ ) أي رجوعاً إليك ليس فيه خزي عليّ ، ولا فضيحة لي ، وذلك بأن يكون المردّ إلى الرّبّ سبحانه وتعالى مع توبة وحسن خاتمة * والخزي : هو الذلّ والهوان * والفضيحة : انكشاف المساوىء للناس وظهورها عليهم . ((اللَّهُمَّ أَجْعَلْنِي صَبُوراً، وَأَجْعَلْنِي شَكُوراً، وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنِي صَغِيراً ، وَفي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيراً)) (ز) . الحديث أخرجه البزار كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث بريدة رضي الله عنه قال: ((أن رسول الله ﴿ كان يقول: اللهمّ اجعلني شكوراً واجعلني صبوراً إلخ)) وفي إسناده عقبة بن عبد الله الأصم وهو ضعيف، وقد حسن البزار حديثه * سأل النبيّ وَّ ربه عزّ وجلّ أن يرزقه الصبر، وهو من أعظم خصال الخير الموجبة للسلامة من الذنوب من فتن الدنيا ولهذا أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه مع الصابرين ، فكفى بهذه المعية شرفاً وفضلاً، وقال سبحانه وتعالى - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر - * وسأله أن يرزقه الشكر ، لأن به يكون تقييد النعم عن شرودها والاستزادة منها كما قال الله عزّ وجلّ - لئن شكرتم لأزيدنكم - * وسأله أن يجعله في عينه صغيراً ليكون متواضعاً غير متكبر ولا معجب بنفسه ، فإِن من كانت نفسه صغيرة لم يقع منه ذلك * وسأله أن يجعله في أعين ٣٧٢ الناس كبيراً ليسلم من أذاهم والاستخفاف به منهم ، وعدم الاعتراف بعظم حقه ممن لا ينظر إلى الحقائق بل يقصر نظره على الظواهر . ((رَبِّ اغْفِرْ وَأَرْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ)) (ص) . الحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: ((إن رسول الله ( ﴿ كان يقول: ربّ اغفر وارحم إلخ)) قال في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلى الموصلي بإسنادين حسنين * والحديث من جوامع الكلم لأن من فاز بالمغفرة والرحمة والهداية إلى الحقّ فقد تحصل على أعظم المطالب وأشرف الرغائب . (( تَمَّ نُورُكَ فَهَدَيْتَ ، فَلَكَ الحَمْدُ، عَظُمَ حِلْمُكَ فَغَفَرْتَ فَلَكَ الحَمْدُ ، بَسَطْتَ يَدَلَكَ(١) فَأَعْطَيْتَ فَلَكَ الحَمْدُ، رَبََّا وَجْهُكَ أَكْرَمُ الْوُجُوهِ، وَجَاهُكَ أَعْظَمُ الجَاهِ ، وَعَطِيَّتُكَ أَفْضَلُ الْعَطِيَّةٍ وَأَهْنَاهَا، تُطَاعُ رَبَّنَا فَتَشْكُرُ ، وَتُعْصِى فَتَغْفِرُ، وَتُجِيبُ المُضْطَرَّ ، وَتَكْشِفُ الضُّرَّ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ، وَتَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَتَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَلَا يُجْزِي بِآلَئِكَ أَحَدٌ ، وَلَ يَبْلُغُ مِدْحَتَكَ قَوْلُ قائِلٍ )) ( ص) . الحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث الفرات بن سليمان(٢) قال قال لي عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه (( ألا يقوم أحدكم فيصلي أربع ركعات ويقول(٣): فيهنّ ما كان رسول الله وَّه يقول: تمّ نورك فهديت الحديث إلخ)) والفرات بن سليمان لم يدرك علياً فهو منقطع ، وفي إسناده الخليل بن مرّة وثقه أبو زرعة وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات * حمد ◌َّو ربه عزّ وجلّ على تمام نوره وهدايته ، وعلى عظم حلمه ومغفرته ، وعلى بسط يديه بالخير وعطيته ، ثم ناجى ربه عزّ وجلّ فقال : (( وجهك أكرم الوجوه ، وجاهك أكرم الجاه ، وعطيتك أفضل العطية وأهناها )) وهذه ممادح عظيمة ، واستفتاح للدعاء بما تصحبه الإِجابة ، ثم قال تطاع ربنا فتشكر . الفعل الأول مبني للمجهول : أي يطيعك المطيع . والفعل الثاني مبني للمعلوم ، وهو الله سبحانه : أي يطيعك المطيع فتشكره على طاعته ، ويعصيك العاصي فتغفر له معصيته ، وهذا غاية الكرم (١) في نسخة : يديك ، وفي الحصن كما في الأصل اهـ. (٢) في نسخة : سليم ، وكذا الآتي اهـ . (٣) لم توجد الواو في نسخة اهـ . ٣٧٣ وأعظم الجود، ثم ذكر ما ينعم به الربّ سبحانه وتعالى على عباده، فقال: (( وتجيب المضطر إلخ)) ثم ذكر عجز العباد عن القيام بشكر الله عزّ وجلّ ، والوفاء بما يستحقه من الثناء، فقال: ((ولا يجزي بآلائك)) أي نعمك أحد كائناً من كان (( ولا يبلغ مدحتك قول قائل)) أي ما تستحقه من المذح ويليق بك من الثناء لا يبلغه قول قائل ، وإن أطال وأطاب - وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها - وقال ◌َّر: في ثنائه على ربه: ((لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك )). ((آللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ)) ( حب ) . الحديث أخرجه ابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث جابر رضي "اللّه عنه قال: ((إن رسول اللّه ◌َليل كان يقول: اللهمّ إني أسألك علماً نافعاً إلخ)) وصححه ابن حبان، وأخرجه الطبراني في الأوسط أيضاً من حديثه بهذا اللفظ ((أنه سمع رسول اللّهَ وَّ يقول: اللهمّ إني أسألك علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً)) قال الهيثمي في مجمع الزوائد : ورجاله وثقوا. وأخرجه أيضاً ابن ماجه من حديثه بلفظ ((سلوا الله علماً نافعاً)) وفي الحديث سؤال الله عزّ وجلّ : أن يرزقه علماً نافعاً ، لأن ذلك هو ثمرة العلم وفائدته ، ثم استعاذ من علم لا ينفع لأن ذلك وبال على صاحبه ، وحجة عليه لا له .. ((اللَّهُمَّ أَجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرٍ سِنِّي، وَأَنْقِطَاعٍ عُمْرِي)) ( مس ، طِس ) . الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والطبراني في الأوسط كما قال المصنف رحمه الله، وهو من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: [ إن رسول الله وَال كان يدعو: اللهمّ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني ، وانقطاع عمري ] قال الحاكم بعد إخراجه حسن الإِسناد والمتن ، وردّ عليه بأن في إسناده متهماً ، وهو عيسى بن ميمون ، وقد أدخل هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات ، ولكنه قد وافق الحاكم في التحسين صاحب مجمع الزوائد فإِنه أخرجه من حديثها بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط ، فقال في مجمع الزوائد وإسناده حسن * سأل النبي وَّ ربه عزّ وجلّ أن يجعل أوسع رزقه عليه عند كبر سنه لأن الكبير يضعف عن السعي ، ويكسل عن تحصيل الرزق ، وأمّا قوله انقطاع عمري ، فليس المراد الانقطاع التام وهو الموت ، فإِنه لا رزق للعبد عند الموت بل المراد انقطاع غالب العمر حتى صار في سنّ الشيخوخة منتظراً للموت . + ٣٧٤ ٠٠ ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ المَسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ الْعَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ وَخَيْرَ الحَيَاةِ وَخَيْرَ المَمَاتِ وَثَبِّْنِي وَثَقِّلْ مَوَازِينِي وَحَقُّقْ إِيمَانِي وَارْفَعْ دَرَجَتِي وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي وَأَغْفِرْ خَطِيئَتِي، وأَسْأَلُك الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ آمِينَ ، آللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ آمِينَ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ ، وَخَيْرَ مَا أُبْطِنُ، وَخَيْرَ مَا أُظْهِرُ، وَالذَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ آمِينَ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي، وَتَضَع وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أَمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبِي، وَتُحَصِّنّ فَرْجِي، وَتُتَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي ، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعَلَى مِنَ الجَنَّةِ آمِينَ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُبَارَِ لِي (١) في سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي ، وَفِي رُوحِي ، وَفي خَلْقِي ، وَفِي خُلُقِي ، وَفِي أَهْلِي ، وَفِي مَحْيَايَ ، وَفِي مَمَاِي ، وَفِي عَمَلِي ، وَتَقَبلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ آمِينَ)) (مس) . الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك(٢) كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها عن النبي ◌َ ◌ّ قالت: [هذا ما سأل محمد رَّ ربه: اللهم إني أسألك خير المسألة الحديث إلخ ] هكذا ساقه الحاكم في المستدرك بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف من حديثها ، وساقه الطبراني من حديثها ببعض هذه الألفاظ وبألفاظ أخر ، قالت عن رسول الله وَ ر أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات ((اللهم أنت الأوّل فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك أعوذ بك من شرّ كل دابة ناصيتها بيدك ، وأعوذ بك من المأثم والمغرم: اللهمّ نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب هذا ما سأل محمد ربه اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء ، وخير النجاح ، وخير العمل ، وخير الثواب ، وخير الحياة ، وخير الممات ، وثبتني وثقل موازيني ، وارفع درجتي ، وتقبل صلاتي ، واغفر خطيئتي ، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين : اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري وتضع وزري وتصلح أمري وتطهر قلبي : وتغفر ذنبي ، وتحصن فرجي ، وتنوّر قلبي ، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين اللهمّ نجني من النار)) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط (١) في نسخة بغير لفظ لي ، وفي الحصن كما هنا اهـ . (٢) والطبراني لم ينبه عليه الشارح أو هو سقط من الناسخ والله أعلم اهـ من هامش الأم اهـ ولم يوجد في نسخة من نسخ المتن إلا رمز الحاكم في المستدرك اهـ . ٣٧٥ ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن زنبور(!) وعاصم بن عبيد، وهما ثقات ، وساقه الطبراني في الكبير من طريق آخر عنها ، قالت عن رسول الله و ليل أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات [ اللهم أنت الأول لا شيء قبلك ، وأنت الآخر لا شيء بعدك ، اللهم إني أعوذ بك من شرّ كل دابة ناصيتها بيدك ، وأعوذ بك من المأثم والكسل ، ومن عذاب النار ، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى ، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم ، اللهم نقّ قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم بعد بيني وبين خطاياي كما بعدت بين المشرق والمغرب هذا ما سأل محمد ربه ، اللهم إني أسألك خير المسألة ، وخير الدعاء ، وخير النجاح وخير العمل ، وخير الثواب ، وخير الحياة ، وخير الممات ، وثبتني وثقل موازيني ، وحقق إيماني وارفع درجاتي ، وتقبل صلاتي ، واغفر خطيئتي ، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين : اللهم نجني من النار ، ومغفرة بالليل والنهار والمنزل الصالح آمين : اللهم إني أسألك خلاصاً من النار سالماً وأدخلني الجنة آمنا : اللهم إني أسألك أن تبارك لي(٢) في رزقي، وفي سمعي، وفي بصري ، وفي روحي ، وفي خلقي ، وفي خلقي ، وفي أهلي ، وفي محياي ، وفي مماتي : اللهمّ تقبل حسناتي ، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين ] قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير ، ورواه في الأوسط ورجال الأوسط ثقات * استفتح رسول الله والر هذا الدعاء بسؤاله عز وجل خير المسألة : وخيرها أقواها تأثيراً في الإِجابة ، وأحسنها جمعاً للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره ، وهكذا خير الدعاء ، والمراد أنه طلب من الله سبحانه وتعالى أن يرشده إلى خير المسألة التي يسأل بها عزّ وجل وإلى خير الدعاء الذي يدعى به سبحانه وتعالى ، وسأله خير النجاح : أي التمام والكمال ، وخير العمل الذي يعمله ، فإِنّ خير العمل هو أكثر الأعمال ثواباً ، وسأله أن يثيبه خير الثواب : الذي يثاب به العباد على أعمالهم ، وسأله خير الحياة ، وخيرها أن يكون في طاعة الرب سبحانه وتعالى ، واجتناب معاصيه ، وسأله خير الممات : وهو أن يموت مرضياً عنه، مغفوراً له، مثاباً متثبتاً ، مختوماً له بالسعادة ، وبكلمة الشهادة ، ثم سأله أن يثبته ، وحذف المفعول مشعر بالتعميم ، فيشمل التثبيت في جميع الأفعال والأقوال ، وسأله أن يثقل موازينه بكثرة الحسنات حتى ترجح حسناته على سيئاته فإِنه يكون بذلك الفوز والسعادة ، وسأله أن يحقق إيمانه : أي يجعله ثابتاً قوياً ، فإِنّ قوّة الإِيمان سبب (١) في التقريب ما لفظ محمد بن زنبور بن أبي الأزهر أبو صالح المكي واسم زنبور جعفر ، صدوق له أوهام ، من العاشرة ، مات في آخر سنة ثمان وأربعين ومائتين اهـ خلاصة . (٢) لم توجد لفظة لي في نسخ اهـ . ٣٧٦ الرضا بالقضاء وللإِذعان لأحكام القدر ، وذلك أصل كبير يوجب الفوز بالسعادة ، وسأله أن يرفع درجته : أي في الدار الآخرة ، ويمكن أن يكون المقصود رفعها في الدارين لأن رفعها في الدنيا لمثل الأنبياء والصالحين يكون سبباً لقبول قولهم وامتثال ما يرشدون إليه من الحق ، وسأله أن يتقبل صلاته : لأن الصلاة هي رأس الإِيمان. وأساسه وقبولها يستلزم قبول غيرها وسأله غفران خطيئته : لأن من غفر الله له ذنوبه فقد ظفر بأعظم المطالب وأرفع المراتب ، ثم سأله الدرجات العلى من الجنة ، وتمم هذا الدعاء بالتأمين فإِنه تأكيد لما قبله ، وقد تقدّم ما ورد في التأمين على الدّعاء ، ثم سأله فواتح الخير وخواتمه فجمع بين طرفي الخير ، ثم سأله بعد ذلك جوامعه لأن ما يجمع الأمر المتفرق هو أقرب إلى ضبطه وأسهل لتيسره وأقرب لحصوله ، ثم أكد الطلب فقال : وأوّله وآخره وظاهره وباطنه ، ثم سأله خير ما يأتي أي خير الذي يأتيه من جميع الأمور فيشمل الأقوال والأفعال كما يدل عليه الموصول ، وعطف عليه خير ما يفعله وخير ما يعمله ، وخير ما يبطنه وخير ما يظهره وذلك من عطف الخاص على العام والنكتة فيه معروفة ، ثم سأله أن يرفع ذكره لأنه يترتب على ذلك مصالح من قبول الدعاء إلى الحق ، وامتثال الموعظة الحسنة * وهذا قد سأله خليل الله إبراهيم عليه السلام كما حكى الله سبحانه عنه ذلك بقوله - واجعل لي لسان صدق في الآخرين - وقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على نبيه # فقال - ورفعنا لك ذكرك - ثم سأله وضع وزره ، أي غفران ذنوبه والعفو عنها ، وسأله إصلاح أمره وهو يشمل كل أموره كما يدل عليه إضافة إسم الجنس إلى الضمير ، وسأله تطهير قلبه لأنه إذا تطهر القلب أبصر الحق فتبعه ، وعرف الباطل فاجتنبه ، وسأله تحصين فرجه لأنه يكون بذلك العصمة عن الذنوب المتعلقة بالفرج ، وهي تنبعث بانبعاث الشهوة من النظر المحرّم ونحوه ، وسأله أن ینور قلبه لأن تنوير القلب يستلزم الهداية إلى الحق واتباعه واجتناب الباطل والنفور عنه ، وسأله غفران ذنبه لأن بمغفرة الذنب فوز العبد في الدار الآخرة ، وسأله أن يبارك له في سمعه وبصره ، لأنّ بالسمع تلقى جميع المسموعات ، وبالبصر إدراك جميع المبصرات وإذا بورك له فيهما قبل الحق وردّ الباطل ، وهكذا المباركة في الروح فإِنها إذا كانت الروح مباركة كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصواب ماشية على الصراط المستقيم وقد يراد بالروح هنا نفس الشخص ليكون من عطف العام على الخاص ، وقد يراد حقيقة الروح وهو الجوهر المجرّد ، وقد تعرّض كثير من الناس للكلام عليه وبيان ماهيته وتناهت الأقوال في ذلك إلى ما لا يتسع المقام لبسط بعضه فضلاً عن كله ، وقد اختص الله سبحانه وتعالى بالعلم به بقوله سبحانه وتعالى : - ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً - ثم سأله تحسين خلقه وخلقه ، والأوّل بفتح الخاء ، وهو جمال الصورة ، والثاني ٣٧٧ بضمها ، وهو حسن الأخلاق الصادرة عن الشخص ، وإذا بورك فيهما كان سبباً لجلب الخير ودفع الشر، وقد ورد في حسن الأخلاق أدلة ليس هذا موضع بسطها(١) ، ويغني عن ذلك ما وصف الله سبحانه وتعالى نبيه وَل بقوله : - وإنك لعلى خلق عظيم - فإذا كان الرسول ◌َّ على خلق عظيم ، ومدحه الله سبحانه وتعالى على ذلك ، فينبغي لكل مقتد به أن يكون على خلق عظيم ، ثم سأله أن يبارك له في أهله لأنه إذا بارك الله له في الأهل كانوا له قرّة عين ، ومسرة قلب ، وجرت أموره على الصلاح والسداد وتمسكوا بهدى صالح العباد ، وسأله أن يبارك له في محياه ومماته لأنه من بورك له فيهما فاز بخيري الدنيا والآخرة ، وسأله أن يبارك له في عمله لأنّ العمل إذا بورك فيه تكاثر ثوابه وتضاعف أجره ، وسأله أن يتقبل حسناته لأنها إذا كانت مقبولة كانت ذخيرة لصاحبها يستحق ثوابها ، ثم ختم هذا الدعاء المبارك بسؤاله الدرجات العلى من الجنة لأنّ ذلك هو أعظم مقاصد أنبياء الله ، وصالح عباده . ((يَا مَنْ أَظْهَرَ الجَمِيلَ وَسَتَرَ الْقَبِيحَ، يَا مَنْ لَا يُؤَاخِذُ بِالجَرِيرَةِ ، وَلَا يَهْتِكَ السِّتْرَ ، يَا حَسَنَ التَّجَاوُزِ، يَا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ، يَا بَاسِطَ الْيَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ ، يَا صَاحِبَ كُلِّ نَجْوَى، يَا مُنْتَهِى كُلِّ شَكْوَى، يَا كَرِيمَ الصَّفْحِ، يَا عَظيمَ المَنِّ ، يَا مُبْتَدِىءَ النعم (٢) قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، يَا رَبَّنَا وَيَا سَيِّدَنَا وَيَا مَوْلَانَا وَيَا غَايَةَ رَغَْتِنَا، أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ أَنْ لَا تَشْوِيَ خَلْقِي بِالنَّارِ » (مس) . الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم، قال: [نزل جبريل على النبي وَلّ بهذا الدعاء من السماء وإن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي و 18 في أحسن صورة لم ينزل بمثلها قط ، ضاحكاً مستبشراً فقال : السلام عليك يا محمد ، فقال : وعليك السلام يا جبريل قال إن الله بعثني إليك بهدية ، قال وما تلك الهدية يا جبريل ؟ قال : هي كلمات من كنوز العرش أكرمك الله بهنّ ، قال : وما هنّ يا جبريل ؟ قال جبريل : يا من أظهر الجميل الحديث إلخ ] قال الحاكم بعد إخراجه : صحيح الإسناد فإِنّ رواته كلهم مدنيون ثقات ، استفتح ◌َ دعاءه بالسلامة من النار بهذه الفواتح العظيمة ، والممادح الجليلة ، وتوسل بذلك إلى إجابة الدعوة ، وقبول المسئلة ، فقال : يا من أظهر الجميل ، أي أظهر للناس (١) في نسخة ذكرها اهـ . (٢) هكذا في الحصن ، وفي نسخة من نسخ المتن بالنعم اهـ . ٣٧٨ الجميل من أقوال عباده وأفعالهم ، وستر عنهم القبيح من أقوالهم وأفعالهم ، وهذا تفضل منه عظيم وكرم فياض ، وتجاوز حسن ، وعلى العباد أن يقتدوا بربهم فيستروا ما بلغهم من قبيح الأقوال والأفعال ، ويظهروا ما وصل إليهم من جميلها ، ولا يكونوا كما قال الشاعر : ان يسمعوا سبة طاروا بها فرحاً مني وما يسمعوا من صالح دفنوا ولا كما قال الآخر : شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أفكوا ان يسمعوا الخیر یخفوه وأن يسمعوا ثم قال : يا من لا يؤاخذ بالجريرة، وهي بفتح الجيم وكسر الرّاء المهملة وبعدها مثناة تحتية ساكنة وبعدها مهملة ، وهي الذنب الكائن بسبب من الأسباب التي يتسبب بها إلى الذنوب ، ثم قال : ولا يهتك الستر ، أي لا يفضح العبد بما يجري منه من الذنوب بل يستر عليه حتى إذا أصرّ واستكبر وتظاهر وتهتك هتك ستره ، وفضحه على رؤوس الخلائق ، وإذا لم يفعله به في الدنيا فعله في الآخرة عند اجتماع الخلائق ، ثم وصف ربه تبارك وتعالى بأنه احسن التجاوز، واسع المغفرة ، وهذان الوصفان من أبدع الأوصاف وأعلاها رتبة ، فإِن من حسن تجاوزه عن المسىء ، وفتح باب المغفرة له فقد تكرم أبلغ الكرم ، وجاد أبلغ الجود ، ثم قال : يا باسط اليدين بالرحمة ، أي هو عزّ وجلّ باسط يديه برحمته على عباده فلا يمنعها إلا عمن تعدّى حدوده ، وخالف رسوله كما هو باسط يديه بالعطاء والجود كما في قوله تعالى : - بل يداه مبسوطتان - الآية . ثم قال : يا صاحب كل نجوى ، أي يا من إليه كل مناجاة العباد وطلقاتهم فلا خير إلا منه ، ولا نجوى نافعة إلا إليه ، وهذا معنى قوله : يا منتهى كل شكوى ، أي يا من إليه منتهى شكوى عباده من كل ما يصيبهم فإنها لا تنتهي شكواهم إلى غيره ، وإذا شكا بعضهم إلى بعض فإِنما ذلك جعلوه سبباً(١) ولا يشكيهم في الحقيقة ويدفع ضيرهم إلا الله سبحانه ، ثم قال : يا كريم الصفح ، يا عظيم المنّ ، وصفه عزّ وجلّ بأن صفحه عن المذنبين كريم صفح غير مشاب بما يكدّره ، ولا مخلوط بما ينغصه ، ووصفه بأن منه عظيم أي عطاءه لعباده وتفضله عليهم عظيم ، فخزائن ملكه لا تنفد وواسع كرمه لا يضيق ، ثم وصفه بأنه يبتدىء عباده بالنعم قبل استحقاقها ، فإِنه ينعم عليهم وهم لا يطيعونه ، بل ينعم عليهم وهم يعصونه ، وينعم عليهم قبل أن يبلغوا مبالغ من يتعقل العبادة ويحسن فعلها ، بل ينعم عليهم في بطون أمهاتهم ، فسبحان من أعطى بلا حساب وأنعم بلا استحقاق وتفضل بلا عوض ، ثم قال : يا ربنا ويا سيدنا ، ويا مولانا لا خلاف في (١) في نسخة : تسلیاً اهـ . ٣٧٩ جواز إطلاق السيد والمولى على الرب سبحانه وتعالى ، واختلفوا في جواز إطلاقه على العبد وقد ورد الحديث ((السيد هو الله سبحانه وتعالى)) وورد على لسان النبوّة في إطلاقه على البشر مثل قوله وهي: [قوموا إلى سيدكم] وقوله: ((ان ابني هذا سيدكم(١))) وقوله: ((هذا سيد الوبر)) وغير ذلك، وورد إطلاق المولى على العبد مثل (( من كنت مولاه فعليّ مولاه)) ونحوه كثير ، وفي قوله : غاية رغبتنا ما يثير همم الصالحين إلى الاقتداء بسيد المرسلين بأن يجعلوا ربهم سبحانه وتعالى غاية رغبتهم ومنتهى طلبتهم ، ثم بعد هذه الممادح العظيمة التي استفتح بها ذكر ما هو المقصود من هذه المناجاة والمطلوب من هذه المناداة ، فقال : أن لا تشوي خلقي بالنار ، تشوي بفتح حرف المضارعة ، وسكون المعجمة ، وکسر الواو ، من شوى يشوي ، وخص الخلق لأنه يشمل جميع ذات الإِنسان فالمراد لا تشوي ذاتي بالنار * تفكر هداك الله كيف كان هدى رسول الله ير الذي غفر الله له ما تقدّم من ذنبه ، وما تأخر من سؤاله ربه عزّ وجلّ : بأن لا يعذبه بالنار مع الاستعانة على الإِجابة بهذه الممادح التي لا يخيب قائلها ، ولا يردّ المتوسل بها ، فكيف بمن لا يعصم عن الذنوب ؟ ولا أخبره مخبر بغفران ذنوبه ومحو سيئاته : اللهم غفراً غفراً اللهم عفواً عفواً : اللهم تجاوزا تجاوزاً . (( نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ » (عو ) . الحديث أخرجه أبو عوانة في مسنده الصحيح كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ((أنّ النبيّ ◌َّ ﴿ أقبل علينا بوجهه فقال : تعوّذوا بالله من عذاب النار، فقلنا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، قلنا : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال : تعوّذوا بالله من فتنة الدجال، قلنا: نعوذ بالله من فتنة الدجال)) أمرهم النبيّ وَلّر أن يتعوّذوا بالله من عذاب النار ، لأنها دار الشقاوة في الآخرة فمن سلم منها فقد سلم السلامة الكلية ورشد الرشاد البين ، ثم أمرهم ◌َّر أن يتعوّذوا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، لأنها في الغالب سبب هتك الحرم ، وسفك الدماء ، ونهب الأموال ، ومع هذا فهي أعظم الأسباب في الإِثم ، ولهذا سأله نبيه # أنه إذا أراد بقوم فتنة توفاه غير مفتون ، وأرشدنا إلى أن نقول ذلك وندعو به ، ففي ذلك دليل على أن خطبها عظيم ، واثمها وخيم ، وعقابها جسيم ، وفيه دليل على أن الفتنة أعظم من الموت كما وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها أكبر من القتل ، ثم عطف فتنة (١) في نسخة : سيد اهـ . ٣٨٠