النص المفهرس
صفحات 1421-1440
١٤٢١ الحرز الثمين للحصن الحصين (اقرءوا الزهراوين) الزهراء تأنيث الأزهر، بمعنى: المضيء، وقوله: (البقرة وآل عمران) بالنصب على البدلية، وفي نسخة: بالرفع، قال المصنف: ((أي: المنيرتين، وسُميت البقرة وآل عمران ((الزهراوين))؛ لنورهما وهدایتھما وعظم أجرهما)»(١)، انتهى. وقيل: ((لاشتهارهما شبهتا بالشمس والقمر))، فقال ابن السّكيت: ((الأظهر أن الشمس والقمر من قولهم: زهرت النار: أشرقت وأضاءت)). (فإنهما) أي: السورتين (تأتيان) بصيغة التأنيث على ما في الأصول المعتمدة، ووقع في ((أصل الجلال)) بالتحتانية على التذکیر، ووجهه غير ظاهر. والظاهر أنه تصحيف؛ فإنه وإن كان يمكن التغليب باعتبار لفظ المذكر في آل عمران على البقرة، لكنه غير مستقيم باعتبار ما بعده من الصفات المؤنثة، والمعنى: تحضران باعتبار ثوابهما، أو تَصَوُّرهما وتجليهما. (يوم القيامة كأنهما) وفي نسخة: ((كأنما)) (غمامتان) أي: قطعتان من الغمام، بمعنى: السَّحَاب (أو كأنهما غيايتان) بالتحتانيتين بدل الميمين، فقال المصنف: ((الغمامة والغياية: كل شيءٍ أظل الإنسان فوق رأسه من سحابةٍ وغیرها، قالوا المراد: ثوابهما یأتي كغمامتیْن)»(٢)، انتهى. وفيه أنه إذا كانا مترادفين فكيف يؤتي بـ((أَوْ)) بين المتعاطفين مع أنه مخالف للغة؛ فإن الغمامة على ما في ((القاموس)): ((هي السَّحابة البيضاء، (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). ١٤٢٢ الحرز الثمين الحصن الحصين والغياية: ما أظل فوق رأسك من سحابة أو غيرها))، فـ((أَوْ)) للتخيير في التشبيه، ويحتمل أن يكون للشك، وأن يكون للتنويع باختلاف أنواع القرَّآء وأصناف القراءة. ويناسبه ما في (القاموس)) من أن: ((الغياية: ضوء شُعاع الشمس))، ولا يبعد حينئذٍ أن يكون ((أو)) بمعنى: ((بل))، لكن يُؤيّد إرادة التنويع قوله: (أو كأنهما فِرْقَان) بالكسر، أي: فَوجَان (من طيرٍ صواف) جمع: صافّةٍ بتشديد الفاء، وهي: ((الجماعة التي [تقف] (١) على الصفّ، وجماعة الطير ترفع أجنحتها بعضها على بعض، والطير جمع طائرٍ، وقد يُطْلق الطير على الواحد»، کذا ذكره المظهر. (تحاجّان) بضم أوله وتشديد جيمه، أي: تجادلان وتخاصمان، بمعنى: أنهما تشفعان وتدفعان (عن أصحابهما). وقال المصنف: (((فِرقان)): بكسر الفاء وإسكان الراء: تثنية فِرق، ومعناه: القطيع والجماعة، أي: قطيعان من الطير، وقوله: ((صوافّ))، أي: باسطات أجنحتها في الطيران، يقيمان الحجة القارئهما، [فتجادلان](٢) عنه))(٣)، انتهى. (١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((تصف)). (٢) كذا في ((مفتاح الحصن الحصين)) وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: «فَتُحاولان)). (٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ /ب). ١٤٢٣ الحرز الثمين الحصن الحصين والظاهر أن الضمير في ((تُحاجّان)) إلى السورتين في أي صُورة من الصور الثلاثة على وفق مراتب أصحابهما وأحبابهما، فالأول: لمن يقرأهما ولا يفهم معناهما. والثاني: لمن جمع بينهما. والثالث: من ضم إليهما تعليم غيره لهما. وقيل المعنى: ((أنهما تدفعان الجحيم والزبانية عن أربابهما في العقبى، والأعداء وأنواع البلاء عن أصحابهما في الدنيا)). وقيل: ((جعل صورتهما كالغمامتين ونحوهما؛ لأجل أن يكون لهما عظمٌ في قلوب أعداء قارئهما، ويحتمل أن يكون لأجل إظلالِ قارئهما يوم القيامة))، قال المظهر: ((وهو الأظهر))، وأقولُ: لا منافاة بين الإظلال والإجلال. (م) أي: رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي(١)، ورواه أحمد عن بريدة بلفظ: ((تظلان صاحبهما يوم القيامة))(٢)، على ما في ((البُدُور السَّافرة في أحوال الآخرة)). (١) أخرجه مسلم (٨٠٤). (٢) أخرجه أحمد (٣٥٢/٥) ١٤٢٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (آية الكرسي) (هي أعظم آيةٍ في كتابٍ اللّه) أي: في الكيفية؛ لاشتمالها على أسماء الذات العَلِيَّة والصفات الجليّة، وإلا فآية المداينة أطولُ آية من الآيات القرآنية، ولعظمتها وَرَد في حقّها ما رواه أبو الشيخ في ((الثواب)) عن أنس مرفوعًا: ((آية الكرسي رُبُع القرآن))(١). (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود،؛ كلاهما عن أبي بن كعب(٢). (وهي سيدة آي القرآن) أي: أشرفُ آياته لما فيها من أسماء اللّهَ وصفاته. (ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، لكن الوسط عن سهل بن سعد، [والآخران](٣) عن أبي هريرة(٤). (١) أخرجه أبو الشيخ في الثواب كما في الكنز (٢٥٣٦)، والذهبي في السير من طريق أبي الشيخ (١٦ / ٢٨٠) وفي إسناده سلمة بن وردان وهو ضعيف كما قال الحافظ في التقريب (٢٥١٤). قال الهيثمي في المجمع (١٤٧/٧): رواه الترمذي باختصار. وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠) والسلسلة الضعيفة (١٥٤٨). (٢) أخرجه مسلم (٨١٠)، وأبو داود (١٤٦٠). (٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((والآخر)). (٤) أخرجه الترمذي)) (٢٨٧٨) والحاكم (٢٥٩/٢) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حکیم بن جبير وضعفه. ١٤٢٥ الحرز الثمين الحصن الحصين (لا تَضَعُهَا) بضم العين على أنه نفي، معناه: الإخبار، أي: لا [تجعلها](١) (على مالٍ ولا ولدٍ) أي: بقراءتها لديهما، ودفع النفْث إليهما، أو بتعليقهما عليهما. (فيقربك شيطان) بفتح الموحدة على أنه منصوب في جواب النفي، وفي نسخة: بالرفع، فقيل هكذا بنصب: ((فيقربَك))، وكذا في: ((فيقربها))، على ما سيأتي في تصحيح ((الأصيل)). ثم الراء مفتوحةً على ما هو الصحيح، وفي بعض النسخ المصححة المقروءة ضبط بضم الراء، وهو ظاهر الخطأ؛ لأن ((قَرِبَ)» المتعدي: بالكسر، ومضارعه بالفتح، بخلاف قَرُبَ اللازم؛ فإنه بالضم فيهما. ففي ((القاموس)): ((قَرُبَ - گگرُمَ -: دنا، وقرِبه کسمع))، انتهى. ومنه: ما ورد في القرآن: ﴿وَلا تَقْرَبُواْ الزَّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اٌلْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ونحوهما. قيل: ((الفاء فيه للتعقيب))، أي: لا يوجد ولا يحصُل وضعُها فيعقبه قربُ الشيطان، والنفي مسلط على المجموع، ويحتمل أن يكون للجمعية، أي: لا يجتمع وضعها وقرب الشيطان، وهذا أولى. (حب) أي: رواه ابن حبان عن سهل بن سعد(٢). (١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): ((تجعله). (٢) من حديث أبي أيوب أخرجه أحمد (٤٢٣/٥) الترمذي (٢٨٨٠)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٧٨٧)، والطبراني (٤٠١١)، وأبو الشيخ في ١٤٢٦ الحرز الثمين الحصن الحصين (الآيتان: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ آخر البقرة) بالرفع، ويجوز نصبه، وفي نسخة: ((آخر سورة البقرة)) (لا تقرآن في دار) أي: مسكن، (ثلاث ليالٍ فيقربها) بالوجهين، (شيطان) وفي ((نسخة الجلال)): بالنون، بدل: الموحدة، والراء مفتوحة. (ت، س، حب، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن نعمان بن بشير(١). (إنَّ اللّه ختم البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه) أي: الحسي أو المعنوي (الذي تحت عرشه، فتعَلّمُوهن) أي: كلماتهما، (وعلموهن نساءكم) أي: أزواجكم وبناتكم، ويحتمل شمولها للعَمَّات والخالات، ونحوهما من بقية القرابات. (وأبناءكم) أي: أولادكم وأحفادكم؛ (فإنها) أي: تلك الكلمات أو كل واحدة من الآيتين (صلاة) أي: كالصلاة في حُصُول الصلاة، أو رحمة وسبب منحة. (وقرآنٌ) أي: مقروءٌ من أفضل الأذكار، وفي نسخة: ((قُربان))، بضم أوله، أي: مما يتقرب به إلى اللّه، (ودُعاء) أي: مشتمل على نوع مسألةٍ. == ((العظمة)) (١١٠٨)، والحاكم ٤٥٩/٣، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (٥٤٥) من طريق أبي أحمد الزبيري محمد بن عبد اللّه بن الزبير، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (١) أخرجه الترمذي (٢٨٨٢) والنسائي (١٠٨٠٣) والحاكم (٥٦٢/١). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٩٩). = ١٤٢٧ الحرز الثمين الحصن الحصين وقال المصنف: ((أي: فإن جملة الآيتين يُصلى [بهما](١)، ويتلى قرآنًا، ويُدْعَا بهما))(٢). وقال ميرك: ضمير المؤنث راجعٌ إلى معنى الجماعة من الحروف في الآيتين، وعلى هذا قوله: ((فتعلموهن))، نحو قوله تعالى: ﴿ وَإِن طَآبِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]. والصلاةُ لا تحمل على الأركان المخصوصة؛ لأنها غيرها، ولا على الدعاء، وأما كونهما قربانًا، فإما إلى الله فهو الإشارة بقوله: ﴿وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ﴾، وإما إلى الرسول ﴿﴾، ذكره الطيبي. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي ذَرّ (٣). (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و((مفتاح الحصن الحصين)): ((بها)). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). (٣) أخرجه الحاكم (٥٦٢/١) وقال: صحيح على شرط البخاري، وقال الذهبي في التلخيص: معاوية لم يحتج به البخاري ورواه ابن وهب عن معاوية مرسلاً. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٦٠١). ١٤٢٨ الحرز الثمين للحصن الحصين ( الأنعام ) (لما نزلت) أي: سورة الأنعام، على أن الأنعام يكون عنوانًا، ويمكن أن يكون ((الأنعام)) مبتدأ خبره ((لما نزلت)) (سبّح رسول اللّه ◌ًَ) أي: تسبيح تعجّب، (ثم قال: لقد شيّع) بتشديد الياء التحتية، أي: صَاحَب (هذه السورة من الملائكة) أي: المنزلة معها، إما قُدَّامَها، أو وراءها، أو على طرفيها. عَلَى ٢٣ وهي محمولة على جبريل؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَل بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ءِ قَلبكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، (ما سَدّوا) أي: جمع كثير، منعوا (الأفق) أي: من الرؤية، وهو بضمتين، جمع الآفاق، والمراد: أطراف السماء، قال المصنف: ((يدل على أنها نزلت جملة واحدة)). (مس) أي: رواه الحاكم عن جابر(١). (١) أخرجه الحاكم (٣١٥/٢) وقال صحيح على شرط مسلم وقد تعقب الذهبي الحاكم بقوله: ((لا والله لم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعًا)). ورواه عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن محمد بن المنكدر لیس فیه جابر. كما قال الحافظ ابن حجر في اتحاف المهرة (٥٦١/٣) في صحته نظر، فإن المحفوظ في هذا ما أخرجه عبد بن حميد، وانتهى وهذا الإسناد الذي عند الحاكم غريب جدًّا ولا يصح. قال النووي رحمه الله كما في الفتاوى له (ص ٤٧-٤٨): ولم يثبت نزول الأنعام دفعة واحدة. ١٤٢٩ الحرز الثمين الحصن الحصين ( الكهف ) (من قرأها يوم الجمعة) بضمتين ويسكن الميم، (أضاء) يحتمل أن يكون متعديًّا ولازمًا، أي: أنار [و](١) اسْتَنَار (له) أي: لقارئها (من النور) أي: من نور السورة، أو من نور أجرها، وقال المصنف: ((أي: نور الهداية والتوفيق))(٢)، انتهى. والحمل على ظاهره أولى؛ لعدم ما ينافيه عقلًا وشرعًا كما لا يخفى. (ما بين الجمعتين) أي: السابقة واللاحقة، وهو: مفعول به على الأول، وظرف على الثاني، كذا قيل ونقله الحنفي، والصحيح أنه فاعل على الثاني، وفاعله على الأول الكهف، أو القارئ مجازًا. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري. (من قرأها ليلةَ الجمعة، أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) فالأول: إشارة إلى إحاطة النور مدة من الزمان، والثاني: للإيماء إلى إيصاله مسافة من المكان، واختصاصُ البيت العتيق المكرم المحترم دليلٌ على كمال الجود والكرم. (مو مي) أي: رواه الدارمي موقوفًا من قول أبي سعيد الخدري(٣). (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((أو)). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). (٣) أخرجه الدارمي (٣٤٠٧) ١٤٣٠ الحرز الثمين الحصن الحصين (من قرأها كما أنزلت) أي: من غير زيادة ونقصان، وقال المصنف: ((أي: صحيحة بالترتيل والتجويد))(١)، (كانت له نورًا من مقامه إلى مكة). قال المصنف: ((أي: من مقامه الذي قرأها فيه، وفي الحديث الآخر: ((يوم القيامة)) زيادة، ويحتمل أن يريد به قدر ما كان في الدنيا))(٢)، انتهى. وبقي الكلام على أنه: من قرأها بمكة كانت له نورًا، إلى أين؟ فرأيت البيضاوي ذكر في ((تفسيره)) عن النبي #: «من قرأها عند مضجعه كان له نورًا في مضجعه يتلألأً إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورًا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائکة يصلون علیه حتى يستيقظ». قال الشيخ زكريا في ((حاشيته)): ((رواه البزار وغيره))، انتهى. وذكره في ((المدارك)) أيضًا، بلفظ: ((من قرأ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ... ﴾ [فصلت: ٦])) إلى آخرها، عند مضجعه ... )) وذكر نحوه. وهذا الحديث يشير إلى أن كل ما يكون القارئ أقرب إلى مكة فبقدر ما ينقص من المسافة السفلية؛ لامتلاء النور يزاد له من المسافة العُلوية. (ومن قرأ بعشر آياتٍ) قال الحنفي: ((الباء فيه وفيما بعده زائدة))، انتهى. وسبق أن الباء للتعدية لما تقدم في ((القاموس)): ((أنه يقال: قرأه (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ). ١٤٣١ الحرز الثمين الحصن الحصين وقرأ به))، (من آخرها) الظاهر أن أولها: ﴿الَّذِين كَانَتْ أَعْيُُّهُمْ ... ﴾ [الكهف: ١٠١]، ليكون العدد عشرة كاملة، أو أولها: ﴿أَفَحَسِبِ الَّذِينَ كَفَرُوَا .. ﴾ [الكهف: ١٠٢] إلى آخرها، على إسقاط كسر واحد، وهو الأنسب بالأولية المعنوية من اعتبار الآيات العددية، نظرًا إلى عدم تعلقها بما قبلها. وقال المصنف: ((أي: من قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنُ ... ﴾ الآيات، لم يَفْتَيِّنْ لأن من جملتها: ﴿أَفَحَسِبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِنْ دُونِيّ أُوْلِيَآءَ﴾ [الكهف: ١٠٢]، وكذا قوله: ((من حفظ عشر آيات من أولها»، إلى قوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ لما فيها من العجائب، كذا قيل، وعندي: أن ذلك من الخصائص التي أطلع عليها رسول اللّه 4، وكذا قوله: ((من قرأ ثلاث آيات - يعني: من أول الكهف -، ومن أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها؛ فإنه جوار من فتنته))))(١). قلت: لا بِذْعَ أن يكون تلك الآيات باعتبار خاصّية مبانيها، أو بسبب تصور معانيها تكون موجبة لخلاص قارئها من الفتنة الحاصلة حينئذٍ؛ ولذا قال: (فخرج الدجال) أي: المسيح الدجال، أو: كل مُسَمّى بالدجال، وهو: الكذاب، ومنشأ الفساد والضلال، ومنه الحديث: ((يكون في آخر الزمان [دَجَّالون](٢) كذَّابُون)). (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨ / أ، ب). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((ويدعي الألوهية)). ١٤٣٢ الحرز الثمين الحصن الحصين قال الطيبي: ((اللَّام للعهد، وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدَّعي الألوهية، أو للجنس؛ فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس؛ فإن الدجال صيغةُ مبالغةٍ من الدَّجْل، وهو: تمويه الشيء، وكل شيء غطّيْتَهُ فقد دَجَلْتَهُ)). (لم يسلّطْ) بتشديد اللام المفتوحة، أي: الدجال (عليه) أي: على فتنة قارئها، ببركة قراءتها أو بمعاونة معرفتها، قال الطيبي: ((يمكن أن يقال: إن أولئك الفئة كما عُصِمُوا من ذلك الجبار، كذلك يعصم الله القارئ من الجبارين والدجالين)). (س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري، واللفظ للنسائي، وقال: ((رَفْعُهُ خطأً، والصواب أنه موقوفٌ))، كذا ذكره ميرك(١). (من قرأ سورة الكهف، كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكّة، ومن قرأ بعشر آياتٍ من آخرها، ثم خرج الدجال لم يضره) بفتح الراء المشددة وضمها، ولو روي بكسر الضاد وسكون الراء لجاز؛ حيث ((ضار يضير)) لغةٌ في ((ضَرَّ يَضُرُ))، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، ومنه قوله تعالى: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥١]. (١) أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٥٢)، وفي ((الكبرى)) (٩٩١١)، وصححه الحاكم (١/ ٥٦٤) وقال النسائي: وقفه أصح ((التلخيص الحبير)) (٢/ ٧٢). ثم رأيته في عمل اليوم والليلة (٩٥٢) قال عقب رواية ابن السكن عن یحیی بن کثیر: وهذا خطأ، والصواب موقوف)). = ١٤٣٣ الحرز الثمين الحصن الحصين (طس) أي: رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي سعيد، واختُلِفَ أيضًا في رفعه ووقفه(١). (من حفظ عشر آياتٍ من أولها عُصِمَ) بصيغة المجهول، أي: حفظ ومنع (من الدجال) وفي رواية أبي داود والنسائي: ((من فتنة الدجال))؛ ولذا كتب رمزهما فوقها، وهي ((أصل الأصيل)). (م، د، س، ت) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن أبي الدرداء(٢). (من حفظ عشر آياتٍ. م، د) أي: رواه مسلم، وأبو داود عنه أيضًا. (من قرأ العشر. س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا بهذا اللفظ في ((الشرطيّة))، (الأواخر) صفة للعشر المضاف، أو [المعرف](٣) باللام، والأظهر أن يكون نعتًا للآخر، (من الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي الدرداء أيضًا. (من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال. ت) أي: رواه الترمذي عنه أيضًا. وبيان هذه الروايات وتوضيح الاختلافات ما في ((الترغيب)) للمنذري: ! قال: ((من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة ((عن أبي الدرداءِ أن النبي (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٤٧٨) صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٦٥١). (٢) أخرجه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذي (٢٨٨٦)، والنسائي (١٠٧٨٧). (٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): ((المعروف)). ١٤٣٤ الحرز الثمين الحصن الحصين الكهف عصم من الدجال))، رواه مسلم واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية لمسلم وأبي داود: ((من آخر سورة الكهف))، وفي رواية للنسائي: ((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف))، ورواه الترمذي ولفظه: ((من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)))). ثم قيل في وجه الجمع بين الثلاث، وبين قوله القليلا: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عُصم من فتنة الدجال)): ((إن حديث العشر متأخرٌ، ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث))، وقيل: ((حديث: ((الثلاث)) متأخر، ومن عُصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النسخ)). قال ميرك: ((بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ)). قلت: مع أنه لا يجري النسخ في الأخبار، إنما هو بالنسبة إلى الأحكام. وقيل: ((حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة، فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كُفي وعصم من فتنة الدجال)). وقيل: ((من حفظ العشر عصم منه إن لقيه، ومن قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه)). وقيل: ((المراد من الحفظ: القراءة عن ظهر القلب، والمراد من العصمة: الحفظ من آفات الدجال)). (من أدرك الدجالَ فليقرأ عليه فواتحها) أي: أوائلها، إما عشر آياتٍ أو ثلاثًا، (الحديث. م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن النواس بن سمعان(١). (١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧). وأبو داود (٤٣٢١) و(٤٣٢٢) والترمذي (٢٢٤١)، و ((ابن ماجه)) (٤٠٧٦). ١٤٣٥ الحرز الثمين الحصن الحصين (فإنها) أي: الآيات العشر (جِوَارٌ) بكسر الجيم، جمع جارٍ، بمعنى: مجير وحافظ له (من فتنته) أي: من فتنة الدجال؛ ففي ((الصحاح)): ((الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم، واستجاره من فلان فأجاره منه، وأجاره اللّه من العذاب: أنقذه)). وأما ما نقله الحنفي عن الجوهري من أن: ((الجار الذي يجاورك، تقول: جاورته مجاورة وجوارًا، والكسر أفصح)) = فليس في محله، مع أن الفتح في مصدر باب المفاعلة غير معروف، والنسخ المعتمدة والأصول المعتبرة على الكسر، نعم، وقع في ((أصل الجلال)) ونسخة الأصيل: ((فإنها جواركم من فتنته)). (د) أي: رواه أبو دود عنه أيضًا. (وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى) قال المصنف: ((الطواسين، يعني: الشعراء، والنمل، والقصص، والحواميم: السبع، وألواح موسى البيئية: التي أعطاه الله إياها في المناجاة، كانت من زبرجد، وكانت سبعةً، وقيل: لوحين))(١)، قلتُ: هذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة. (مس) أي: رواه الحاكم عن معقل بن يسار(٢). (قلب القرآن يس) قال المصنف: ((قلبُ كل شيء لبّه وخالصه، قيل: وفيها قوله: ﴿كُلِ فِى فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] يقرأ [مقلوبًا](٣)، وهذا تمخُّل، وقد (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨/ب). (٢) أخرجه الحاكم (٢٥٩/٢) والبيهقي في الشعب (٢٤٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٥٠) والسلسلة الضعيفة (٢٨٨٦). (٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و((مفتاح الحصن الحصين))، وفي (أ): ((من الطرفين)). ١٤٣٦ الحرز الثمين الحصن الحصين ورد في القرآن غير ذلك: ﴿وَرَبَّك فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وأحسبه: ﴿أَنَا اُللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَاْ﴾ [طه: ١٤]))(١)، انتهى. وأيضًا لا يلائمه أول حديث أنس - عند الترمذي والدارمي - أنه قال: ((قال رسول اللّه #: إن لكل شيء قلبًا، وقلبُ القرآن یس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مراتٍ))، وقال الترمذي: ((هذا حديثٌ غريبٌ))، قيل: ((لأنه من رواية هارون بن محمد، ولا يعرفه أهل الصناعة من رجال الحديث)). قلت: وهو لا يضرّ، وغايته أنه ضعيف، وبه يُعْمَل في الفضائل بلا خلاف، مع أنه مؤيد برواية الدارمي: (لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللّهَ والدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ) بصيغة المجهول. (اقرءوها على موتاكم) أي: حقيقةً ليحصل لهم ثوابها، [أو](٢): ليستأنِسُوا بقراءتها، ويتَلَقُّنُوا معانيها من تذكر مبانيها، أو من حضره الموت، فهو من مجاز المشارفة، قال المصنف: ((اقرءوها على موتاكم لما فيها من الآيات المتعلقة بالموت والبعث، مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحى اٌلْمَوْتَى ... ﴾ [يس: ١٢]، ومثل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: ٥١] الآيات، وغير ذلك. ويحتمل أن يكون لخاصية فيها، وقد قيل: ((إنها لِمَا قُرِئَتْ (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨/ ب). (٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((أي). ١٤٣٧ الحرز الثمين الحصن الحصين له))، وَرُوي مرفوعًا: ((أن من قرأها [وهو](١) خائفٌ أَمِنَ، أو جائعٌ شبع، أو عارٍ كُسِي، أو عاطِشْ سُقِيَ ... )) في خلال كثيرة، رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده))))(٢)، انتهى. وقيل: ((في سنده نظر))، لكن يشهد له: ((كونه # ليلة اجتمع النفر من قريش على قتله، فخرج وهو يقرأ الآيات من أول يس، وذرأ عليهم التراب))، مع أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا. (س، د، ق، حب) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن معقل أيضًا، ورواه أحمد، والحاكم وصححه(٢). (١) من (أ) فقط. (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨/ب). (٣) أحمد (٢٦/٥)، وأبو داود (٣١٢١)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٧٥)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥) وقال: أوقفه یحی بن سعيد وغيره، عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبول. قال الدار قطني كما في تلخيص الحبير (١٠٤/٢): هذا حديث ضعیف الإسناد، مجھول المتن، لا یصح في الباب حدیث. وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة حال أبي عثمان، تلخيص الحبير (١٠٤/٢) وبيان الوهم (٤٩/٥). وقال النووي في ((الأذكار)) (ص ١١٧) والخلاصة (٩٢٥/٢) رقم (٣٢٧٨) وقال: فيه مجهولان. وانظر السلسلة الضعيفة (٥٨٦١). ١٤٣٨ الحرز الثمين الحصن الحصين (الفتح) أي: سورة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ المبدوءة بالفتح، أي: النازلة في فتح مكة بشارةً، أو في صلح الحديبية، المترتب عليه فتح مكة إشارةً. (هي أحَبُّ إليّ) لما فيها من البشارة والإشارة والمغفرة الكاملة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، (مما طلعت عليه الشمس) فيه إشكال تقدم جوابه. (خ، س، ت) أي رواه: البخاري، والنسائي، والترمذي، عن عمر (١ (١) أخرجه البخاري، (٤١٧٧) و(٤٨٣٣) و(٥٠١٢)، والترمذي (٣٢٦٢) ومن سورة الفتح، والنسائي في «الكبرى» (١١٤٩٩). ١٤٣٩ الحرز الثمين الحصن الحصين ( تبارك، الملك ) بالرفع على الحكاية، وفي نسخة: بالجر على الإضافة. (ثلاثون آية) قال المصنف: ((استدل بها من لا يرى البسملة آية؛ لأنها ثلاثون بغيرها ولا دليل فيه؛ لاحتمال أن تكون آيةً في أول السورة بذاتها لا منها، وهو أحد قولَي الشافعي، نعم، لا خلاف عنه أنها آية من الفاتحة كما عَدَّها المكي والکوفي»(١)، انتهى كلامه. وفيه أن المروي عن الشافعي أيضًا: أن البسملة آية مستقلة كما مشى عليه الكوفي، أو جزء آية على ما ذهب إليه البصري، وكذا الخلاف في سائر السور عنه، والذي ذكره المصنف إنما هو قول ثالث، ففي الجملة فيه استدلال على من يرى البسملة آية مستقلة من السورة. (شفعت) بصيغة المعلوم، من الشفاعة، وفي نسخة: بصيغة المجهول مشددًا، أي: قبلت شفاعته، والأول أقرب - كما قال صاحب ((الأزهار)) - وأنسب؛ لقوله: (لرجل حتى غفر له. حب، عه، مس) أي رواه: ابن حبان، والأربعة، والحاكم، عن أبي هريرة. (تستغفر) أي: سورة الملك (لصاحبها) أي: لقارئها ومواظبها، (حتى يغفر له) بصيغة المجهول. (حب) أي: رواه ابن حبان عنه أيضًا. (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٨/ ب). ١٤٤٠ الحرز الثمين الحصن الحصين (وَدِدْتُ) بكسر الدال، أي: أحببت أو تمنيت (أنها) أي: سورة الملك (في قلب كلّ مؤمن) بأن يكون حافظًا لها، ومُدَاومًا لقراءتها. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس (١). (يؤتى الرجل في قبره) بصيغة المجهول من الإتيان، أي: يأتيه في قبره ملائكة العذاب، (فيؤتى رِجْلاه) تفصيل للجملة السابقة، والمعنى: [فيؤتى)](٢) من قِبَل رجليه، (فتقول) أي: كل واحدة من رجليه، وفي نسخة: بالتذكير، أي: فيقول كل عُضْو منهما (ليس لكم) أي: أيها الملائكة، (سبيل) أي: طريق من أنواع التعرُّض إليّ؛ وسببه (أنه كان يقرأ بي) أي: بقوة قيامي في الصلاة، وفي نسخة: (في))، بتشديد الياء بعد كسر الفاء، أي: في حال قيامي (سورة الملك). (ثم يُؤْتَى من صَدره من بطنه) بدل اشتمال بإعادة الجار، (ثم يؤتى من رأسه) أي: من جهة وجهه (كُلَّ) أي: كل واحد من الأعضاء (يقول ذلك) وفي نسخة: ((كذلك))، أي: ليس لكم سبيل إليّ، (فهي) أي: فهذه السور أو أعضاء القارئ (تمنع) أي: الرجل أو الملائكة (من عذاب القبر) أي: من جميع جوانبه، وفي نسخة: ((عذابَ القبر))، بنزع الخافض. (وهي) أي: هذه السورة (في التوراة) أي: مذكورة، وبهذه الشرطية (١) أخرجه الحاكم (٥٦٥/١) وقال هذا إسناد عند اليمانيين صحيح ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: حفص واه. (ضعيف جدا). (٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((يؤتى)).