النص المفهرس
صفحات 1261-1280
=/١٢٦١ الحرز الثمين الحصن الحصين (وسلوا) ضبط بالوجهين، أي: اطلبوا (له التثبيت) وفي نسخة صحيحة وهو ((أصل الجلال)) الموافق لـ ((سلاح المؤمن)): ((بالتثبيت)) يجعل اللّه إياه ثابتًا على التوحيد في جواب الملکین. (فإنه الآن) أي: الزمان الذي نحن فيه، والقريب (يسأل) أي: عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، بقولهما: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟. وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فى الْخَيَوةِ الذُّنْيَا وَفِى الْأَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ صِلى [إبراهيم: ٢٧]. وقال الطيبي: ((أي: اطلبوا من اللّه أن يثبته على جواب الملكين بالقول الثابت، وضمن ((سلوا)) معنى الدعاء، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَل سَآپِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] أي: ادعوا له بدعاء التثبيت أي: قولوا: ثبته اللّه بالقول الثابت))، انتهى. أو قولوا: اللهم ثبته بالقول الثابت. قال المصنف: ((فيه دليل على أن الرُّوح عائد إلى الجسد عَقِيبَ الدفن للسؤال، كما هو مذهب أهل السنة))(١). (د، مس، ر، سني) أي: رواه أبو داود، والحاكم، والبزار، والبيهقي في ((السنن الكبير))، عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (٢) قال: ((كان (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥ / أ). (٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، أحمد (٦٣/١)، وابن ماجه (٤٢٦٧)، الترمذي (٢٢٣٠)، وعبد الله بن أحمد ((السنة)) (١٤٢٥)، والبزار (٤٤٤)، الحاكم (١/ ٣٧٠): صحيح على شرط الإسناد ولم يخرجاه. = ١٢٦٢ الحرز الثمين الحصن الحصين النبي ﴿ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال :... )) [إلخ)](١). (ويَقْرَأ) بصيغة الفاعل، وفي نسخة على بناء المجهول، (على القبر) أي: على طرفه، (بعد الدفن: أول سورة البقرة) أي: إلى ﴿اَلْمُفْلِحُون﴾، (وخاتمتها. سني) أي: رواه البيهقي في ((السنن الكبير))(٢)، وليس في الهوامش منسوبًا إلى أحد من الصحابة. والمتبادر أنه من رواية عثمان أيضًا، لكن قال النووي في ((الأذكار))(٣). وقال النووي في المجموع (٢٩٢/٥) إسناده جيد. وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)» (٣٣١/٥). وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (٢٧٥٨). (١) من (ج) و(د). (٢) السنن الكبرى (٤ /٥٦). (٣) الأذكار (ص ٢٨٩) وقال: إسناده حسن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها أن ذلك لا بأس به. وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من أصحابه. وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر (٥) رضي اللّه عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح البقرة، وخواتيمها. ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة. والثانية: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلَِّ عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي ١٢٦٣ الحرز الثمين الحصن الحصين ((روينا في ((سنن البيهقي)): أن ابن عمر استحب أن يقرأ بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها)). قال ميرك: ((وظاهر إيراده يقتضي الوقف، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ قدس سرهما))، فتأمل. التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة کلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: ((ما علمت أحدًا يفعل ذلك))، فعلم أن الصحابة والتابعين ما کانوا یفعلونه. والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر رضي اللّة عنهما، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا. وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل. والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك. ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما يفعل لأجل القبر، بيِّنَ كما تقدم. والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر، وقد قال النبي 18: ((إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) اقتضاء الصاط المستقيم (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥). ١٢٦٤ الحرز الثمين الحصن الحصين ثم اعلم أن التلقین المتعارف بعد الدفن لیس فیه حديث صحيح، ولا قياس صريح؛ ولذا [ما أورده](١) الشيخ، والله أعلم. (وإذا زار القبور) أي: قبور مقبرةٍ، زيارةً مجملة، (فليقل: السلام على أهل الديار) قال المصنف: ((يريد بالديار المقابرَ، وهو جائز لغة)). قال الخطابي(٢): ((إنه يقع على الربع العامر المسكون والخراب))، وأنشد على ذلك قول النابغة، شعر: * يا ديار مَيَّةَ بالعلياء فالسَّنَدُ * ثم قال: شعر: * أقْوَتْ وطال عليها سالف الأَمَدِ ﴾(٣) انتھی کلامه. و(مَيَّةُ)): اسم امرأة. و((العلياء)): بالفتح، أرض مرتفعة، وهي و((السند)) موضعان، و((أقوتِ الدارٌ)) أي: خلت. (أو: السلام عليكم أهلَ الديار) منصوب على النداء، أو المدح. وفي نسخة مجرور على البدلية. وفي أخرى: مرفوع على المدح. (من المؤمنين والمسلمين) أي: من الجامع بين [الانقياد](٤) الباطن (١) كذا في (ج) و(د) وهو الأليق بالسياق، وفي (أ): ((لم يورده))، وفي (ب): ((ما نفي أورده». (٢) معالم السنن (٣١٨/١). (٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥/ أ). (٤) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): ((الانقيادين))، وفي (د): ((الانقياد من)). ١٢٦٥ الحرز الثمين الحصن الحصين والظاهر، فالعطف لتغاير الوصفين، نحو قوله تعالى: ﴿تِلك ءَايَاتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ١]، فإن الجمهور على أن الإيمان والإسلام واحد. نَعَم؛ قد يطلق الإسلام على المعنيين جميعًا، كقوله تعالى: ﴿إِن الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقد يطلق على الانقياد الظاهري فقط، كقوله تعالى: صِى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُوْاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] إلا أن الإيمان مستلزم للإسلام، وإن كان الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بخلاف أحكام الإسلام من حيث أعماله وحصوله إكماله. وبهذا يتبين قول المصنف: ((قيل: فيه دليل على أن المؤمن والمسلم بمعنَّى، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ. وعندي: أنه من عطف العام على الخاص؛ لأن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس. وفي المؤمنين [من هو](١) كامل وناقص))(٢). (وإنا إن شاء اللّه بكم للاحقون) بلامين؛ [على أن](٣) الأولى للتأكيد في خبر ((إن)) للتأييد، وفي نسخة على وفق رواية: ((لاحقون)). قال المصنف: ((قالوا: التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال أمر الذات تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌّ ذَلِكَ غَدًا (جَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ (١) من ((مفتاح الحصن الحصين)) فقط. (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥/ ب). (٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): ((لأن)). ١٢٦٦ الحرز الثمين الحصن الحصين [الكهف: ٢٣-٢٤]). وقال بعضهم: ((بل إلى تلك التربية بعينها)). وقيل: ((خرج مخرج الكلام، كقول القائل: إن أحسنت إلي شكرت إن شاء الذّن)). وأبعد من قال: إنه كان معه ﴿﴿ مؤمنون، فخاطب المؤمنين، وكان استثناؤه منصرفًا إلى المنافقين)). وعندي؛ أنها تعود على مدلول المؤمنين، أي: على الإيمان، والله أعلم))(١)، انتهى. ولا يخفى أن التوجيه الذي اختاره خلاف ظاهر العبارة، ومع ذلك مبني على مذهب الشافعي وأتباعه في أن الإيمان يدخله الاستثناء، فيقال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، ومنعه الأكثرون، وعليه أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله. (نسأل الله لنا ولكم العافية) أي: من العقوبة في الدنيا والآخرة. (م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن بريدة بن الحصيب(٢)، وزاد ابن ماجه في رواية: ((أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم)). (أنتم لنا فرط) بفتحتين جمع فارط بمعنى: سابق، (ونحن لكم تبع) بفتحتين جمع تبع ولاحق، (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا. (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللّه المستقدمين منا) أي: بالموت، (والمستأخرين) أي: منا بالحياة بعد، (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥ / أ، ب). (٢) أخرجه مسلم (٩٧٤) والنسائي (٩٤/٤) ووابن ماجه (١٥٤٧). ١٢٦٧ الحرز الثمين الحصن الحصين والمقصود منهما الإحاطة بالأحياء والأموات من المؤمنين والمؤمنات. وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِ مِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمِنَا الْمُسْتَفْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] أي: من استقدم ولادة وموتًا ومن استأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. (وإنا إن شاء الله) أي: إذا شاء وحين أراد (بكم) (للاحقون. م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة (١). (السلام عليكم دارَ) [بنصب الدار](٢) على النداءِ حلَّاً للمكانِ مَحَلَّا للحالِ مجازًا، أو على تقديرِ المضافِ، نحوَ قولِهِ تعالى: ﴿وَسْئَل اُلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، (قوم مؤمنين، وأتاكم) بالقصر أي: جاءكم، (ما توعدون غدًا) أي: من الثواب أو العقاب. وأخطأ الحنفي حيث ضبط بالمد وقال: ((من الإيتاء بمعنى الإعطاء))؛ فإنه مخالفة للرواية والدراية، (مؤجلون) بتشديد الجيم المفتوحة، وهو خبر مبتدٍ محذوف، أي: أنتم مؤجلون باعتبار أجوركم أيضًا. (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن عائشة أيضًا. (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) قال المصنف: «منصوب على النداء، أي: يا أهل دار، فَحُذِفَ المضافُ وَأَقِيمَ المضاف إليه مقامه)). وقيل: (١) أخرجه مسلم (٩٧٥)، وابن ماجه (١٥٤٧)، والنسائي (٩٤/٤). (٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): ((نصب الدار))، وفي (ب): ((نصب الراء)). ١٢٦٨ الحرز الثمين الحصن الحصين ((منصوب على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير في ((عليكم))، قاله صاحب ((المطالع))، انتهى. و((المطالع)) كتاب في علم الكلام، وقيل: في اللغة. (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) بلام واحد. (د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة(١). (السلام علیکم یا أهلَ القبور) دلّت هذه الروايات على اتحاد سلام الأحياء والأموات، فما ورد من أن: ((عليكم السلام سلام الموتى))، مؤول بما بينته في ((المرقاة شرح المشكاة)). (يغفر الله لنا) أي: الأحياء، (ولكم) أي: الأموات، (أنتم سلفنا) بفتحتين، قيل: ((سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه، وبه سمي الصدر الأول بالسلف الصالح)). وقيل: ((هو من السلف كأنه أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى عليه بالصبر)). والحاصل: أنكم مقدمون علينا في هذا السفر. (ونحن بالأثر) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: على عقبكم. (ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما(٢). (١) أخرجه مسلم (٩٧٤)، وأبو داود (٣٢٣٧) والنسائي (١ / ٩٣). (٢) أخرجه الترمذي (١٠٥٣) وقال: حديث حسن غريب. في إسناده قابوس بن أبي ظبيان، قال عنه الحافظ: فيه لين، من السادسة، التقریب (٥٤٨٠). ١٢٦٩ الحرز الثمين للحصن الحصين ثم اعلم أن زيارة المیت کزيارته في حال حياته يستقبله بوجهه، فإن كان في الحياة إذا زاره يجلس منه على البعد؛ لكونه عظيم القدر، فكذلك في زيارته يقف أو يجلس على البعد [منه](١)، وإن كان يجلس منه على القرب في حياته كذلك يجلس بقربه في زيارته(٢). (١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): ((عنه)). (٢) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٣٦/٢٧): وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَافَرُوا إِلَى الرَّسُولِ فَسَاعَدُوهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ وَخَاطَبُوَهُ وَسَأَلُوهُ فَأَجَابَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ وَأَذَبَهُمْ وَحَمَّلَهُمْ رَسَائِلَ إِلَى قَوْمِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِغِ عَنْهُ: لَا يَكُونُ مِثْلَهُمْ أَحَدٌ بِالْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ: كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ. فَكَيْفَ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ ظَاهِرِ حُجْرَتِهِ مِثْلَهُمْ أَوْ تُقَاسُ هَذِهِ الزِّيَارَةُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ. وقال أيضاً: ((وأمّا جعل زيارة القبر كزيارته حيًّا؛ فهذا قياس ما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمتُ أحدًا منهم احتجّ في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحيّ المحبوب في الله، وهذا من أفسد القياس؛ فإنّه من المعلوم أنّ مَن زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمَن لم يشاهده ولم يسمع كلامه. وليس رؤية قبره أو رؤية الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه؛ ولو کان هذا مثل هذا؛ لکان من زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أنّ هذا من أباطل الباطل. لم يأت قول أوفعل من النبي أو السلف الصالح يفيد ذلك، و غاية الاستدلال بحدیث «ما من عبد یمر بقبر رجل کان یعرفه في الدنیا فسلم ١٢٧٠ الحرز الثمين الحصن الحصين وإذا زاره يقرأ فاتحة الكتاب، و﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ ثلاثَ مرات، ولو قرأها اثنتي عشرة مرة لكان أحسن(١)، ويقرأ سورة ﴿أَلْهَدُكُمْ اُلتَّكَاثُرُ﴾. ويقول: آنس اللهُ وحشتكم، ورحم غربتكم، وكفّر سيئاتكم، وتقبل حسناتكم، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِ خْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠](٢). وربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولمشايخنا ولأستاذينا، ولأولادنا عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) من رواية أبي هريرة . أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢/ ٥٨)، وتمّام في ((الفوائد)) (٦٣/١)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)» (٦ / ١٣٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٠/١٠)، (٦٥/٢٧)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٩١١/٢)، جميعهم من طريق الربيع بن سليمان المرادي، عن بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به. مرفوعاً. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٩٣). وانظر: روح المعاني، للآلوسي (٧٨/٢١)، ومقدمة الألباني على كتاب ((الآيات البينات في عدم سماع الأموات))، ص (٣٨). (١) لعله أراد بذلك حديث: ((من مر بالمقابر فقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات)). وهو حديث موضوع (انظر: السلسلة الضعيفة ١٢٩٠). (٢) ذكر هذا الدعاء ابن كثير رحمه اللّه في التفسير (٣٢٦/٦) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا في کتاب القبور. - ١٢٧١ الحرز الثمين الحصن الحصين ولأحفادنا، ولإخواننا ولأخواتنا، ولأعمامنا ولعماتنا، ولأخوالنا ولخالاتنا، ولسائر أقاربنا، ولأصحابنا ولأحبابنا، ولمن له حق علينا، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات؛ إنك مجيب الدعوات ورافع الدرجات. اللهم اغفر لأهل البقيع، أو أهل المُعَلَّى ونحوهما، ثم يقول: اللهم صلِّ على روح محمدٍ في الأرواحِ، وصلِّ على جسد محمد في الأجساد، وصلِّ على قبر محمدٍ في القبور، وصل على تربة محمد في الترابٍ، وصل على جميعٍ الأنبياء والمرسلين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى عبادك الصالحين، وعلى أهل طاعتك أجمعين. ربنا توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وأدخلنا الجنة، آمين. برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين(١). ما (١) هذه من الصلوات المحدثة المبتدعة، وأفضل الصلوات على النبي علمه لأصحابه، وهي الصلاة الإبراهيمية، وقد جاءت بعدة صيغ. أما هذه الصلوات فهي محدثة مبتدعة، وهل الله يصلي على التربة؟! وهل يصلي على الروضة؟! صلاة اللّه على عبده هي ثناؤه عليه. قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. علقه البخاري. ولو كانت تلك الصلوات المحدثة خيرا لسبقنا إليه أحرص الناس على الخير، أعني أصحاب محمد ﴿، ورضي الله عنهم. والله تعالى أعلم. راجع: القول البديع في الصلاة على الحبيب لابن القيم ، وكذلك کتابه الجلیل جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام. ١٢٧٢ الحرز الثمين للحصن الحصين (الذكر الذي ورد فضلُه غير مخصوص بوقت ولا سبب ولا مكان ) اعلم أن لفظ ((غير)) منصوب على أنه حال من الفاعل، وهو قوله: ((فضله))، أو من ضميره. وأما ((الذكر)): فهو خبر مبتدٍ محذوف هو هذا، [أو مبتدأ خبره محذوف هو ((هذا))](١) أو مبتدأ والمفعول صفته أو خبره مجموع ما ذكره بعده بقوله: (لا إله إلا الله هي أفضل الذكر) أي: أنواع الذكر، ولا يشكل بالقرآن لأنها من جملته، قال تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُالَآَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. وقد يقال: إنه أفضل؛ لأن الدخول في الإسلام به حصل، وبدولة الإيمان بسببه وصل، فعلى هذا هي عبارة عن الشهادتين، والاكتفاء بأولى [العمدين](٢) وأحرى الجزأين؛ ولذا قيل: إنه علم التوحيد، وبه علم التفريد. (ت) أي: رواه الترمذي عن جابر، ولفظ ((الجامع)): ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله. رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن جابر)) (٣). (١) من (أ) و(ج). (٢) كذا في (ب)، وفي (أ): ((العبارتين))، وفي (ج) و(د): ((العمدتين)). (٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٠)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣١)، وابن حبان (٨٤٦)، والترمذي (٣٣٨٣) والحاكم (٩٨/١ ٤). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١١٠٤) والسلسلة الصحيحة (١٤٩٧). ١٢٧٣ الحرز الثمين الحصن الحصين (وهي) أي: الكلمة المذكورة، وهو نقل بالمعنى، والأصل: لا إله إلا اللّه، (أفضل الحسنات) أي القولية. (أ) أي: رواه أحمد عن بريدة. (أسعد الناس بشفاعتي من قالها) أي: كلمة ((لا إله إلا الله))، قيل: ((دل على اشتراط النطق بالتوحيد))، (خالصًا) أي: ((مخلصًا)) كما في نسخة، (من قلبه أو نفسه) شكّ من الراوي، ولفظ ((الجامع)): ((خالصًا مخلصًا من قلبه)). قال البيضاوي: ((أسعد هنا بمعنى سعيد؛ إذ لم يسعد بشفاعته مَن لم يكن من أهل التوحيد. أو المراد: من قال ممن لم يكن له عمل يستحق به الرحمة، ويستوجب به الخلاص من النار؛ فإن احتاجه إلى الشفاعة أكثر، وانتفاعه بها أوفر)). وقال العسقلاني: ((المراد بهذه الشفاعة بعض أنواعها، وهي التي يقول : ((أمتي أمَّتي)). فيقال له: «أخرج من النار من كان في قلبه وزن كذا من الإيمان))، فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل. وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من کرب الموقف، فأسعد الناس بها من [يستبق](١) إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين يلونهم وهم الذين يدخلونها بغير عذاب بعد أن يحاسبوا ويستحقوا العذاب، ثم من يصيبه فیح النار ولا يسقط فيها)). (١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((يستبق)). ١٢٧٤ الحرز الثمين الحصن الحصين والحاصل: أن قوله: ((أسعد الناس)) إشارة إلى اختلاف مراتبهم في السبق إلى الدخول، باختلاف مراتبهم في الإخلاص؛ ولذلك أكّده بقوله: ((من قلبه))، مع أن الإخلاص محله القلب؛ لكون إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التأکید. وبهذا التقرير يظهر موقع قوله ((أسعد))، وأنه على بابه من التفضيل، ولا حاجة إلى قول بعض الشراح: ((أسعد بمعنى سعيد))؛ لكون الكل يشتركون في شرطية الإخلاص؛ لأنا نقول: يشتركون فيه، لكن مراتبهم فيه متفاوتة، والله أعلم. (خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة (١)، وفي رواية له: ((خالصًا من قِبَل نفسه)). وهو بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قال ذلك [باختياره](٢) من غير إكراه، ولا رياء، ولا سمعة. ووقع في رواية أحمد وابن حبان وصححه بلفظ: ((شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا [يُصَدِّقُ](٣) قلبه لسانَه، ولسانه قلبه)). (يخرج من النار) بفتح ياء وضم راء، كذا في ((أصل الجلال))، وفي ((أصل الأصيل)) وأكثر الأصول بصيغة المجهول من الإخراج، وبهما (١) أخرجه البخاري (٩٩)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٢). وأحمد (٣٠٢/٧) و(٣٧٣ و ٥١٨)، والحاكم (١/ ٧٠)، وابن حبان (٦٤٦٦). (٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((باختيار)). (٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((بصدق)). ١٢٧٥ الحرز الثمين الحصن الحصين قرئ ﴿يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] في السبعة. والأكثر على بناء الفاعل في الآية، وعلى البناء المفعول في الحديث؛ لما فيه من النكتة البديعة، لا يفهمها إلا أصحاب الإدراكات السريعة. وقال العسقلاني(١): ((بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: ((أخرجوا))). (من قالها) أي: الكلمة الطيبة، (وفي قلبه وزن شعيرة من خير أو من إيمان) الظاهر أنه شك من الراوي، أو اختلاف في الرواية؛ فـ((أو)) للتنويع بأن يكون في رواية: ((من خير))، وفي أخرى: ((من إيمان))، وهو الأصح لما سيأتي، [فمرادهما](٢) واحد، ومعناهما متحد. والمراد: أن يكون في قلبه شيء قليل من التصديق، وهو الإيمان الإجمالي، وهو على مراتب أيضًا؛ ولهذا قال: (ويخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن بُرَّة) بضم موحدة وتشديد راء، أي: حنطة، (من خير أو من إيمان) أو المعنى: من إرادة عمل خير، أو من قصد إكمال إيمان بفعل إحسان. (ويخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن ذرّة من خير أو من إيمان) وهي بفتح فتشديد، وفي نسخة بضم فتخفيف، والأولى هي الأولى، وهي أقل الأشياء الموزونة. وقيل: ((هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس)). ويروى عن ابن عباس أنه قال: ((إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها، فالساقط (١) فتح الباري (١/ ١٠٤). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): «فمؤداهما)). ١٢٧٦ الحرز الثمين الحصن الحصين هو الذر)). ويقال: ((أربع ذرات وزن خردلة))، كذا ذكره العسقلاني(١). والأظهر أن يقال: ((الخردلة: قدر أربع ذرات))؛ ليوافق الحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، و﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ صِى ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. هذا، وقد قال المصنف: ((بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، قيل: ليس لها وزن، يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة، وهذا على سبيل المبالغة، وقيل: الذر واحده الذرة، وهو النمل الأحمر الصغير)). وقد سئل ثعلبٌ عنها فقال: ((إن مئة نملة وزن حبة، والذرة واحدة منها)). ويُذكر عن الإمام الكبير شعبة بن الحجاج صَحَّفَهَا بِـ (ذُرَةٍ)) وهي من الحَبِّ المعروف، بضم الذال وتخفيف الراء»(٢)، انتهى. ولا يخفى أنه لا يظهر وجه تصحيفها، ولا مانع أن يكون من باب اختلاف ألفاظ الرواة مع أن الذرة في الجثة أصغر من الحنطة؛ فلا يخالف المناسبة في الترقي إلى القلة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أنس(٣). وظاهر إيراد الشيخ - قدس سره - يقتضي أن الحديث مذكور في البخاري بهذه العبارة، وإنه ليس كذلك؛ فإنه أخرج الحديث من طريق (١) فتح الباري (١ / ١٠٤). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥/ب). (٣) أخرجه البخاري (٤٤)، ومسلم (٣٢٥) والترمذي (٢٥٩٣). ١٢٧٧ الحرز الثمين للحصن الحصين هشام، عن قتادة، عن أنس بلفظ: ((من خير)). قال: ((وقال أبان، عن قتادة، قال: أبنا أنس، عن النبي 48: ((من إيمان)) مکان «من خیر)). هذا، ولعله وقع في بعض طرق هذا الحديث: ((مثقال ذرة مثقال برة)) بدل ((وزن ذرة ووزن برة)). وتوهم المصنف أنه ذكرهما في ((الحصن))، والحال أنهما ليسا موجودين فيه، فقال قوله: ((مثقال ذرة، مثقال برة، قال في ((النهاية))(١): ((المثقال في الأصل: مقدار من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقال ذرة: وزن ذرة، والناس يطلقونه على الدينار خاصة وليس كذلك))(٢). (ما من عبد) أي: ليس عبد، (قالها ثم مات على ذلك) أي: القول أو الاعتقاد به، (إلا دخل الجنة) أي: ولو آخرًا، (وإن زنى، وإن سرق) بفتح الراء، أي: وإن ارتكب الكبائر النفسية والمالية. (وإن زنى، وإن سرق) إيماء إلى أن الأول من حقوق اللّه، والثاني من حقوق العباد، (وإن زنى، وإن سرق) كرر ثلاثًا للتأكيد، وردًّا على الخوارج والمعتزلة حيث يوجبان عذاب صاحب الكبيرة على وجه التأبيد. (م) أي: رواه مسلم عن أبي ذر (٣). (١) النهاية (١ / ٢١٧). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٥/ ب). (٣) أخرجه مسلم (٩٤). ١٢٧٨ الحرز الثمين للحصن الحصين (جددوا إیمانکم) أي: أکثروا مما يتجدد ویتحسن به إيمانكم، (قيل: يا رسول اللّه، وكيف [نجده](١) إيماننا؟) أي: تصديقنا دائمًا ثابت معنا، ففيه إيماء إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا ينعتق ولا يتجدد حقيقة(٢)، (قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله) أي: فإنه يتقوى به الإيمان، ويتنور بسببه الإيقان، ويتحصل به مرتبة الكشف ورتبة الإحسان، وكمال الحضور والعرفان. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، عن أبي هريرة، ولفظ ((الجامع)): ((جددوا إيمانكم، أكثروا من قول: لا إله إلا الله. رواه: أحمد، والحاكم في ((مستدركه))، عن أبي هريرة))(٣). (١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((يتجدد)). (٢) هذا الكلام مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة، فلينبه عليه. (٣) أخرجه أحمد (٣٥٩/٢)، ورواه الحاكم (٢٥٦/٤)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بأن فيه صدقة ضعيف، وقال الهيثمي في «المجمع» (٢١١/٢): ومداره على صدقة بن موسى الدقيقي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا صدقة الدقيقي، وکان صدوقا. وقال في موضع آخر (٥٢/١): رواه أحمد وإسناده جيد، وفيه سُمیْر بن نهار وثقه ابن حبان. وفي موضع ثالث (٨١/١٠) قال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات. وقال المنذري في ((الترغيب)): رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن وضعفه. وذكره ابن عدي في ((الكامل)) (٧٦/٤)، والذهبي في ترجمة صدقة في ((الميزان)) (٤٢٩/٣) الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٢٦)، والضعيفة (٨٩٦). ,١٢٧٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (ليس لها) أي: لهذه الكلمة، (دون اللّه) أي: من عنده، (حجاب) أي: و مانع، (حتى تخلَص) بضم اللام، أي: حتى تصل (إليه) أي: إلى اللّه، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ﴾ [فاطر: ١٠] وصعودها إليه كوصولها، مجاز عن قبوله إياها، أو صعود الكَتَبة بصحيفتها إلى حيث أمر الله به من علیین وغيرها. (ت) أي: رواه الترمذي عن أبي مالك الأشعري(١). (قولها) أي: قول لا إله إلا اللّه (لا يترك ذنبًا) أي: إلا ويمحوه؛ لقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، (ولا يشبهها عمل) أي: لأنها أفضل الأعمال، بل ليس للأعمال إلا بها إكمال، أو لا يشبهها عمل من أعمال الظاهر؛ لأنها أفضل أعمال الباطن، أو لأنها ينفع بدون العمل عند أهل السنة بخلاف العكس إجماعًا. (مس) أي: رواه الحاكم عن أم هانئ رضي اللّه عنها(٢). (١) أخرجه الترمذي (٣٥١٨) من رواية ابن عمرو، وقال الترمذي: هذا حديث غریب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي. في إسناده عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف كما قال الحافظ في ((التقريب)) (٣٨٨٧). (٢) أخرجه الحاكم (٥١٣/١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: زكريا ضعيف وسقط بين محمد وأم هانئ. والحديث حسن کما في «صحیح الترغيب» (١٥٥٣). ١٢٨٠ الحرز الثمين الحصن الحصين (لو أن أهل السماوات السبع والأرضين) بفتح الراء ويسكن، (السبع فِي كِفَّة) بكسر فتشديد فاء، أي: في طرف من طرفي الميزان، (ولا إله إلا اللّه) أي: ثوابها، أو نورها، أو بطاقتها وهي ورقة كتابتها، (في كفة) أي: في طرف آخر منه، (مالت) أي: هذه الكفة، (بهم) أي: بأهل السماوات والأرضين الواقعين في تلك الكفة، والباء للتعدية، أي: أمالتهم وغلبتهم. فتفسیر بعضهم بقوله: «أي: رجحت وزادت تفسیر باللازم)). وفي ((القاموس)) (١): ((الكفة - بالكسر -: من الميزان معروف ويفتح، ومن الصائد: حبالته ويضم، ومن الدف: عوده، وكل مستدير ونقرة يجتمع فيها الماء. وَكُفّةُ القَمِيصِ بِالضَّمِّ: ما استدار حول الذيل، أو كل ما استطال كحاشية الثوب)). وقال المصنف: ((الكفة بكسر الكاف، يعني: كفة الميزان؛ لاستدارتها، وكل مستديرة كفة بالكسر، كما أن كل مستطيلة كفة بالضم. وقد ورد الوزن في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاَلْوَزْنُ يَوْمَهِدٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] الآية، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، وفي الصحيح: ((كلمتان ثقيلتان في الميزان))، وحديث البطاقة: ((فتوضع البطاقة في كفة)). فالموزون سواء كانت هي الصحائف أو الأعمال تجعل أجسامًا، كما (١) القاموس (ص ٤٥٨).