النص المفهرس
صفحات 981-1000
٩٨١
الحرز الثمين الحصن الحصين
ينافي الدعاء، أو قيامًا طويلا فلا ينافي ما ورد من الدعاء كما سيأتي. (خ،
س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر(١).
(ويستبطن الوادي) أي: يدخل في بطن الوادي، وهو المعنيُّ بقوله:
((ويرمي من بطن الوادي)) (حتى إذا فرغ) أي: من الرمي، (قال) أي: من
غير وقوف، أو من غير إطالة، (اللهم اجعله) أي: حجنا (حَجًّا مبرورًا)
أي: مقبولًا؛ ففي ((النهاية)): ((جاء في الحديث: ((الحج المبرور ليس له
جزاء إلا الجنة))، وهو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقيل: ((هو
المقبول المقابل بالبر وهو الثواب)) يقال: بَرَّ حجُّه، وبرَّ اللَّهَ حجَّه، وأبره
بِرًّا بالكسر، وإبرارًا)) انتهى. ويمكن أن يراد به: المقبول المقابل
للمردود، فإنه أکثر الموجود.
(وذنبًا مغفورًا) كأنَّ المراد: واجعل ذنبنا ذنبًا مغفورًا، ذكره الحنفي
وغيره. والأظهر أن يكون التقدير: اجعل [الجعل](٢) حجًّا مبرورًا وذنبًا
مغفورًا، أي: سبب بر الحج وغفران الذنب. وفي بعض الروايات وقع ما
بينهما: ((وسعيا مشكورا)).
(مص، مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا،
ورواه أيضًا موقوفًا من فِعْل ابن عمر (٣) وقَولِه، ويؤيده ما سمع ممن يثق
(١) أخرجه البخاري (١٧٥٣)، والنسائي (٢٧٦/٥).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): ((حجنا)).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٢١٤) موقوفًا.
قوله: ((اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا))، وهذا إسناد ضعيف لضعف
=
٩٨٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
به من ((الجلال)) أنه نقل عن المصنّف أنه قال: ((يعني رواه ابن مسعود
مرفوعًا، وابن عمر موقوفًا)) لكن في بعض النسخ: (مس)) بالسين موضع
((مص)) بالصاد، فيفيد أن الحاكم رواه عن ابن مسعود مرفوعًا، والعلم
عند اللّه.
(ويدعو عند الجمرات) أي: عند رميها، (كلها) أو بعد فراغها، لكن
من غير وقوف عند العقبة، ولعلها لدفع المضايقة، (ولا يُوَقَّت شيئًا)
بتشديد القاف، يقال: وقت الشيء ووقته إذا بين حده، ومنه قوله تعالى:
{كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾، كذا في ((الفائق))، وأراد به قوله تعالى: ﴿إِن الصَّلَوةَ كَانَتْ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مؤقتًا معينًا، لا
يجوز أداؤها قبله بخلاف قضائها، فالمعنى: لا يعين شيئا من الجمرات
بالدعاء بل يعمها، أو لا يعين شيئًا من الأشياء بالدعاء عند الجمرات، بل
يدعو بما بدا له من الحاجات، وهو اختيار الإمام محمد من أئمتنا؛ فإن
تعيين الدعاء(١) يذهب حالة الخضوع والخشوع، لكن ينبغي أن يحمل
على غير الدعوات المأثورة.
(مومص) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا عن الحسن البصري(٢).
(وإذا ذبح) أي: أراد أن يذبح (سمى) أي: وجوبًا عندنا، وسنة عند
الشافعي، (وكبر) بأن يقول: باسم الله، الله أكبر.
لیث، وهو ابن أبي سلیم.
(١) بعدها في (أ) زيادة: ((به)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (((١٤٢١٦، ٣٠٢٧٠).
٩٨٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
(ووضع) أي: والحال أنه قد وضع (رجله على صِفَاحِهِ) بكسر الصاد
المهملة، وتخفيف الفاء، وآخرها حاء مهملة، جمع صَفْح بالفتح ثم
السكون، وهو: الجنب. وقيل: ((جمع صفحة الوجه، وهي: عرضه)).
والمراد: الجانب الواحد من الأضحية، وهذا المعنيُّ بقول الراوي:
(أي: عرض خده).
وقيل: المراد بصفاحه نواحي عنقه، وصَفْح الشيء ناحيته، وإنما فعل
هذا ليكون أثبت له وأمكن، وأحسن للمذبوح وأهون، ولئلا تضطرب
الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.
(ع) أي رواه: الجماعة عن أنس(١)، قال: ((ضحى رسول اللّهَ ﴾
بكبشين أملحين أقرنين، وسمَّى وكبر ووضع رجله على
[صفاحهما](٢))، و(الأملح)) على ما في ((القاموس)): ((ما فيه بياض
يخالطه سواد)»(٣).
(ويقول في الأضحية) وهي بضم الهمزة وتكسر؛ ففي ((النهاية)): ((أن
فيها أربع لغات: أَضْحِيَةٌ وأضحيّة والجمع أضاحيّ بتشديد الياء
وتخفيفها، وضحية، وأضحاة بفتح الهمزة)).
وفي ((القاموس)): ((الأضحية شاة يضحى بها، أي: يذبح في الضحوة،
(١) أخرجه البخاري (٥٥٦٤) (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦)، والنسائي (٧/ ٢٣٠)،
وابن ماجه (٣١٢٠).
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((صفاحها))، وفي (ب): ((صفاحه)).
(٣) الصحاح (١ / ٤٠٧).
٩٨٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
وهي ارتفاع النهار والجمع أضاحيّ، كالضحية [وجمعها](١) ضحايا،
کالأضحاة والجمع أضحى، وبها سمي يوم النحر)).
والمعنى يقول في وقت ذبحها: (باسم الله، اللهم تقبل مني) أي:
أضحيتي، (ومن أمة محمد #) أي: ضحاياهم. (م، د) أي رواه: مسلم،
وأبو داود، عن عائشة(٢).
(إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم)
أي: حال كوني على وفق دينه من التوحيد والإخلاص والتفريد، وهو غیر
موجود في بعض النسخ، (حنيفًا) أي: مائلا إلى الحق، وهو حال من
فاعل ((وجهت))، (وما أنا من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا خفيًّا.
(إن صلاتي ونسكي) أي: عبادتي وتقربي أو ذبحي، وجمع بين الصلاة
والذبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، إلا أن صلاة
العيد ساقطة عن الحجاج بمنى، (ومحياي) أي: ما أتيته في حياتي،
(ومماتي) أي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لله رب
العالمين لا شريك له، وبذلك) أي: الإخلاص، (أمرت، وأنا من
المسلمين) وفي نسخة: ((وأنا أول المسلمين)).
(اللهم منك ولك) أي: هذه الأضحية، واصلة منك إليَّ، ومخلوقة
ومملوكة لك، أو أنا [ناشئٌ](٣) منك وعبد لك، (باسم الله، والله أكبر ثم
(١) من (أ) و(ج) فقط.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢).
(٣) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: ((ناشٍ)).
٩٨٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
یذبح) أي: فیذبح.
(د، ق، مس) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر (١).
(وقال ﴿ لفاطمة: قومي إلى أضحيتك) وهي: ما يذبح يوم النحر على
وجه التقرب، (فاشْهَدِيهَا) بفتح الهاء، أي: فاحضريها، (فإنه) أي:
الشأن، (يغفر لك عند أول قطرة من دمها) فيه إيماءٌ إلى المبالغة في سرعة
القبول، وحصول المغفرة.
(كل ذنب عملته) أي: في جميع عمرك، وفي نسخة: ((عملتيه)) بإشباع
الكسرة المتولد منها الياء، (وقولي: إن صلاتي ونسكي) إلى آخره.
(قال عمران) أي: راوي الحديث (قلت: يا رسول اللّه، هذا) أي: هذا
الأجر والثواب (لك) أي: مختص لك، (ولأهل بيتك خاصة؟ قال: بل
للمسلمين عامة. مس) أي: رواه الحاكم عن عمران بن حصين(٢).
(فإن كانت) أي: الأضحية أو الذبيحة، وهي: ما أريد ذبحه، (بدنة)
أي: ناقة أو بقرة - على ما في ((المهذب)) وهو المذهب، خلافًا للشافعي؛
فإنها عنده الإبل لا غير، ويؤيده ما في ((المغرب)): ((البدنة في اللغة من
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢١) والحاكم (١ /٤٦٧) وإسناده
صحيح بشواهده وقد ذكر الألباني طرقه في الارواء (١١٣٨) فراجعه.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٢٢/٤) وقال: ((صحيح الإسناد)) فرده
الذهبي بقوله: ((قلت: بل أبو حمزة ضعيف جدا، وابن إسماعيل ليس بذاك)).
قال ابن أبي حاتم في العلل (٣٨/٢، رقم ١٥٩٦) وقال: سمعت أبي يقول:
هو حديث منكر.
٩٨٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
الإبل خاصة، وتقع على الذكر والأنثى)).
لكن المراد هنا الإبل اتفاقًا؛ لقوله: (فليقمها) من الإقامة، أي:
فليوقفها بقصد نحرها، والنحر يُخَص بالإبل، والذبح بالبقر والغنم.
(ثم ليقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) أي: ثلاثًا. (اللهم منك ولك، ثم
ليُسَمّ اللّهَ، ثم لينحرْ، وإن كانت) أي: الذبيحة، (عقيقة) وهي الشاة التي
تذبح عن المولود يوم سابعه، (فعل كالأضحية. مو مس) أي: رواه
الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس وفعله(١).
(ويسمي) بكسر الميم، ويجوز فتحها، (على العقيقة كما يسمي على
الأضحية: باسم الله عقيقة فلان) أي: هذه عقيقة فلان، (ينويها) أو يذكرها بعد
البسملة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول قتادة التابعي(٢).
(وإذا دخل البيت) أي: البيت الحرام وهو الكعبة (كبَّر في نواحيه) أي:
الأربعة. (خ، د) أي رواه: البخاري، وأبو داود، عن ابن عباس، (وفي
زواياه. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا(٣).
(١) أخرجه الحاكم (٣٨٩/٢) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخر جاه.
علقه البخاري في ((الصحيح)): (١٨٥/٢ - كتاب الحج/ باب نحر البدن
قائمة). وأخرجه سفيان الثوري في ((تفسيره)) (٢١٣/١)، والطبري في
((التفسير)) (٦٣٢/١٨)، والقاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) (٨٧/٢)
وإسناده صحيح. وقال الحافظ في ((الدراية)) (٢٠٥/٢): ((ورجاله ثقات)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (((٢٤٧٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٨) وأبو داود (٢٠٢٧).
٩٨٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
والحاصل: أنهما رويا عن ابن عباس: ((أن رسول اللّهُ ﴾ لما قدم مكة
أبى أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام، فقال النبي ﴾: قاتلهم
اللّه؛ لقد علموا أنهما ما استقسما قط، ثم دخل البيت فكبر في نواحي
البيت، وخرج ولم يصل فيه)) رواه البخاري وأبو داود، ولفظ أبي داود:
«فکبر في نواحیه وفي زوایاه)).
قال ميرك: ((الصحيح أن دخول النبي # الكعبة كان في فتح مكة))
وقال بعضهم: ((في حجة الوداع)) قلت: الأصح أنه دخل عام الفتح،
ويحتمل أنه دخل عام الوداع أيضًا. نعم، سيأتي في رواية أسامة: ((أنه
لما دخل البيت صلى))، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، مع أن حديث أسامة
متفق عليه، وأسامة أضبط وأعلم بالقضية من ابن عباس؛ لكونه صغيرًا،
وأيضًا: لم يكن معه ﴿ حال الدخول(١).
(ويدعو في نواحيه كلها، فإذا خرج ركع) أي: صلى (في قَبُل البيت)
بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابل البيت، أو ما استقبلك منه
وهو وجهه.
قال التوربشتي: ((المراد الجهة التي فيها الباب)) قلت: المشهور عند
أهل مكة أنه ٣ صلى في الموضع الذي يقال له: المعجنة. وأيضًا يقال له:
مقام جبريل التشيئا. حيث أمَّ بالنبي ﴿﴾ فيه خمس صلوات في يومين لتعليم
أوائل الأوقات وأواخرها، (ركعتين) أي: وقال: ((هذه القبلة)) كما في
(١) وللجمع بين القولين انظر ((فتح الباري)) (٤٦٨/٣-٤٦٩).
٩٨٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
رواية. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن أسامة بن زيد(١).
وهو في هذا الحديث ساكت عن صلاته داخل الكعبة بخلافه في
الحديث الآتي، وهو قول المؤلف: (ودخل النبي ﴿﴿ الكعبة، هو وأسامة)
أي: ((ابن زيد)) كما في نسخة، (وعثمان بن طلحة) أي: الشيبي (الحَجَبِيُّ)
بفتح الحاء والجيم وكسر الموحدة وتشديد التحتية للنسبة إلى الحجابة،
والحاجب: البواب، (وبلال بن رباح) بفتح فتخفيف موحدة.
(فأغلقها) أي: رد بابها عثمان لكونه وظيفته، أو بلال بأمره العليا لما
سيأتي، (عليه) أي: على النبي الشَّيْئا خوفًا للازدحام عليه، (ومكث) بفتح
الكاف وضمها، أي: توقف، (فيها) أي: في الكعبة.
(ثم خرج، فسألت بلالاً) السائل: ابن عمر الراوي للحديث، (حين
خرج) أي: بلال أو رسول اللّهِ ﴿٣ وهو معه، (ماذا صنع رسول الله ﴾؟)
يحتمل أن يكون ((ما)) استفهامية، و((ذا)) بمعنى الذي، وما بعده صلته،
والمجموع خبر ((ما))، وأن يكون ((ما)) مع ((ذا) اسمًا واحدًا بمعنى ((أي
شيء)) منصوب المحل على المفعولية مثل ما صنع رسول الله ﴿﴾.
(فقال) أي: أسامة، (جعل) أي: النبي ﴿، (عمودًا عن يساره،
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٣٨٩٢)، وابن عباس
ثبت في السنن الكبرى ولم يثبت في المجتبى (٢١٨/٥)، ورجح الحافظ في
الفتح (١ / ٥٠١) أن الحديث عن أسامة.
انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٣٨٠/١ - ٣٨١)، وشرح
السنة للبغوي (٣٣٤/٢)، وفتح الباري (٤٦٨/٣ - ٤٦٩) وفيه تفصیل جید.
٩٨٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) وفي بعض الروايات: ((جعل
عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه))، فالجمع على ثبوت تعدد
الدخول ظاهر، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر
على موقف الدعاء، والله أعلم.
(وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) أي: بخلاف اليوم، فإنه حينئذٍ
على ثلاثة أعمدة، (ثم صلى) أي: وهو متوجه إلى الجهة التي فيها
المستجار محاذيًا للباب قريبًا من الجدار تخمينا: ثلاثة أذرع. (خ، م) أي
رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر (١).
( البيت أمر بلالًا فأجاف) أي: أغلق أو رد بلال
(ولما دخل النبي
(الباب) أي: باب الكعبة؛ مخافة الزحمة المانعة من الحضور الموجب
لزيادة الرحمة، (والبيت إذ ذاك) أي: وقتئذٍ، (على ستة أعمدة، فمضى) أي:
ذهب من جهة الباب، أي: محاذيه من الجدار، (حتى إذا كان بين
الاصطوانتين) وفي نسخة: ((الاسطوانتين)) كما هو الأصل، لكن أبدل السين
صادًا [لقرب] (٢) الطاء الملائم للصاد في موافقة صفة الإطباق، كما حُقُّقَ
في صِرَاطٍ، (اللتين تليان) أي: تقربان، (باب الكعبة) [أي: المسدود](٣).
(جلس) أي: بعد الصلاة، أو قبلها، وهو المتبادر من العبارة الظاهرة
(١) أخرجه البخاري (٥٠٥)، ومسلم (١٣٢٩) وأبو داود (٢٠٢٣) و(٢٠٢٤)،
والنسائي في ((المجتبى)) (٢/ ٦٣).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((للقرب من)).
(٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): ((أي: المردود))، وهي ساقطة من (د).
٩٩٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
من كلام الراوي، (فحمد اللّه) أي: شكره على ما منح عليه، وفتح لديه،
وأحسن إليه جزيلاً، (وأثنى عليه) أي: ثناءً جميلاً، (وسأله) أي: المزيد
من فضله، (واستغفره) أي: [من](١) التقصير في فعله، (ثم قام، حتى إذا
أتى ما استقبل) أي: ما واجه قبالته، (من دبر الكعبة) أي: بالنسبة إلى باب
المواجهة، (فوضع وجهه) أي: كله أو جبينه، (وخدّه عليه) أي: تبركًا
منه وتواضعًا لدیه، (وحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف
إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير) أي: مصحوبًا به،
(والتهليل والتسبيح، والثناء على الله، والمسألة) أي: السؤال للمنال،
(والاستغفار) أي: طلب المغفرة للأفعال.
(ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجه الكعبة) أي: كما تقدم، (ثم
انصرف) أي: إلى محله. (س) أي: رواه النسائي من حديث ابن عباس
عن أسامة (٢).
(وإذا شرب ماء زمزم) قيل: سمي به لأنه لما رأت هاجر نبع الماء من
تحت قدم إسماعيل القائ وأراد أن يجري، قالت بلسان القبط: ((زم زم))،
أي: قف قف. والمعنى: إذا أراد أن يشرب من ماء زمزم، (فليستقبل
[الكعبة](٣)، وليذكر اسم الله، وليتنفس ثلاثًا) أي: ليشرب منه بثلاثة
أنفاس خارج الإناء، (وليتضلع) قال المصنّف: ((أي: يكثر من الشرب
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((عن)).
(٢) أخرجه النسائي (٢٥٤/٥).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): ((القبلة)).
٩٩١
الحرز الثمين الحصن الحصين
حتى يمتلئ جنبه وأضلاعه))(١) (منها) أي: من ماء [بئر](٢) زمزم.
(فإذا فرغ) أي: من الشرب، (فليحمد الله؛ إن آية ما بيننا) أي: العلامة
الواقعة الفارقة بيننا، (وبين المنافقين لا يتضلعون) أي: هي أن لا
يتضلعوا، (من زمزم) وحاصله: إن آية الإيمان التضلع منه، وآية المنافق
عدم التضلع منه. (ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن ابن
عباس(٣).
روي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: «كنت عند ابن
عباس جالسًا، فجاءه رجل؛ فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال:
فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ينبغي؟ قال: إذا شربت منها
فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا من زمزم، وتضلع منها،
فإذا فرغت فاحمد الله؛ قال رسول الله: ﴿﴾: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢/ ب).
(٢) من (أ) و(ج) فقط.
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١٥٧/١) وابن ماجه (٣٠٦١)، قال
البوصيري (٢٠٨/٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال المناوي
(٦١/١): قال الحافظ: حديث حسن والحاصل أن بعض أسانيده رجالها
ثقات لكن فيه انقطاع وهذا الانقطاع بين عثمان بن الأسود وابن عباس عند
الحاكم فقط أما عند الباقين فالحديث متصل. والحاكم في المستدرك
(٤٧٢/١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وضعفه الألباني في ضعيف
الجامع (٢٢) والإرواء (١١٢٥).
٩٩٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
يتضلعون من ماء زمزم))، رواه ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في
((المستدرك))، وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)).
وبهذا يتبين أن صدر الحديث موقوف وآخره مرفوع، وأن المصنّف
رواه بالمعنى، ولفظ ((الجامع)): ((آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا
يتضلعون من زمزم))، رواه البخاري في ((تاريخه))، وابن ماجه، والحاكم،
عن ابن عباس.
(وماء زمزم لما شرب له) بصيغة المجهول، أي: معتبر لأي قصد
شرب له، (فإن شربته) أي: أيها الشارب، (تستشفي به) أي: ((لتستشفي
به)) كما في نسخة، أو مستشفيًا به، (شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا) أي:
مستجيرًا من أحد أو من بلاء، (أعاذك الله) أي: أجارك منه.
(وإن شربته لتقطع ظمأك) بصيغة [المخاطب](١) المعلوم، وهو
المناسب لما قبله، ويجوز أن يكون على صيغة الغائب للفاعل، ويؤيده
قوله: (قطعه) والفاعل هو الله أو زمزم مجازًا.
وفي ((أصل الجلال)) بصيغة المذكر المجهول وَرَفْع ((ظمأك))، وفي
((أصل الأصيل)) (٢) غير مقيد بالفاعل والمفعول، ثم الظمأً: بفتحتين
مهموز الآخر مقصورًا، وهو العطش، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا
يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ﴾ [التوبة: ١٢٠].
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): ((الخطاب)).
(٢) بعدها في (أ) زيادة: ((بالياء التحتية)).
٩٩٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
قال ميرك - نقلًا عن الشيخ -: ((وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا؛
لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا».
قلت: قد ذكر مولانا سنان الرومي في ((حاشية البيضاوي)): ((في الآية
أن الظمأ يمد ويقصر وقرئ بهما، وهو شدة العطش))، ثم إني رأيت في
كتاب ((الشواذ)): ((أن الظمأ بالمد قراءة [ابن أبي عمير](١)).
(وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم) أي: إذا أراد شربه، (قال) أي:
بعد البسملة أو قبلها، وهو الأظهر، (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: لي
ولغيري، وهو [عِلْم](٢) الكتاب والسنة، (ورزقًا واسعًا) أي: حلالًا
يسعني أن أتناوله شرعًا، أو قدرًا كافيًا، (وشفاءً من كل داء) أي: ظاهرًا
وباطنًا.
(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، أخرجه من طريق مجاهد،
عنه، قال العسقلاني: ((رجاله موثوقون إلا أنه اختلف في وصله
وإرساله))(٣).
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): ((ابن عمر)).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((عِلمَي)).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٣) وقال هذا حديث صحيح الإسناد إن
سلم من الجارودي ولم يخرجاه.
قول الحاكم: إن سلم من الجارودي، قال ابن القطان: سلم من الجارودي
فهو صدوق.
لكن الراوي عنه مجهول. وقال ابن حجر في الفتح ٣: ٤٩٣ رجاله موثوقون
=
٩٩٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
لكن اختلف في وصله وإرساله. وإرساله أصح. والجارودي صدوق إلا أن
روایته شاذة.
وقال في الإتحاف (٨٨١٦): وهم الجارودي في رفعه، والمحفوظ عن ابن
عيينة وقفه على مجاهد كذا رواه الحميدي وابن أبي عمر وعبد الرزاق،
وغيرهم ...
محمد بن حبيب بن محمد الجارودي بصري، وقال الخطيب في تاريخه:
صدوق. انظر: تاريخ بغداد (٢٧٧/٢)، والثقات لابن حبان (١١٠/٩).
وفي المغني في الضعفاء (٥٣٨٠) غمزه الحاكم.
وقال الذهبي في الميزان: (٥٠٨/٣): ((أتى بخبر باطل اتهم بسنده).
وقال الحافظ في لسان الميزان (١١٥/٥): ((والحديث المذكور في
المستدرك ... وذكر كلام الخطيب فيحتمل ان يكون هو هذا، وجزم أبو
الحسن القطان بأنه هو وتبعه علي ذلك ابن دقيق العيد، والدمياطي وقد اخرج
الدار قطني والحاكم ...
فهذا خطأ الجارودي وصله وانما رواه ابن عيينة موقوفا على مجاهد كذلك حدث
به عنه حفاظ أصحابه کالحمیدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغیرهم.
وقال الحافظ ابن حجر: ((ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق
يصلح للاحتجاج به)) وانظر المقاصد الحسنة (ص ٥٦٨).
وقال مرة: ((غريب، حسن بشواهده)) فيض القدير: (٤٠٤/٥).
قال الحافظ في ((الفتح)) (٤٩٣/٣): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله
ووصله، وأرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه
الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد اللّه بن المؤمل المكي، فذكر
العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن
طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في
٩٩٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
قلت: ويؤيد وصله ما سيجيء في ((الجامع الصغير)) من الطرق
الموصولة، على أن الإرسال حجة عندنا وعند جمهور العلماء، مع أن
الضعيف يجوز به العمل في فضائل الأعمال إجماعًا.
ثم فيه أن ذيل الحديث موقوف، وصدره مرفوع، ولفظ ((الجامع)):
((ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته
مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه اللّه، وإن شربته
لشبعك أشبعك اللّه، وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل)) رواه
الدارقطني، والحاكم، عن ابن عباس مرفوعًا))(١). [وهزمها](٢): أي:
ضربها برجله فنبع الماء، وهو لا ينافي ما روي عن إسماعيل بمثله.
وروى المستغفري في ((الطب)) عن جابر مرفوعًا، ولفظه: ((ماء زمزم
لما شرب له، من شرب لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة
قضاها اللّ)) وروى الديلمي في ((الفردوس)) عن صفية مرفوعًا: «ماء زمزم
شفاء من كل داء))(٣).
=
((فوائد ابن المقري)) من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي
الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح
وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط
وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.
(١) أخرجه الدار قطني (٢٨٩/٢).
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((وهزمتها)).
(٣) أخرجه الديلمي (٤ / ١٥٢) رقم (٦٤٧١).
١
٩٩٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
(ولما أتى الإمام) أي: مقتدى الأنام، (الحجة) أي: حجة الإسلام،
(عبدالله بن المبارك) وهو من أجلاء التابعين وزهادهم وعبَّادهم،
الجامع بين الحديث والفقه، وهو من أصحاب إمامنا الأعظم، والمعنى:
لما جاء (زمزم واستقى) أي: أراد أن يشرب (منه) أي: من ماء زمزم
(شربة، ثم استقبل القبلة قال: اللهم إن ابن أبي الموالي) بفتح الميم
(حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول اللّه ﴿﴿ قال: ((ماء
زمزم لما شرب له)) وهذا) أي: هذا الماء (أشربه) أو: هذا أنا أشرب ماء
زمزم (العطش يوم القيامة) أي: لدفع العطش فيه (ثم شرب).
(قلت: هذا سندٌ صحيحٌ، والراوي عن ابن المبارك ذلك سويد)
بالتصغير (بن سعيد، ثقة، روى له مسلم في (صحيحه))، وابن أبي
الموالي) أي: الراوي عنه ابن المبارك (ثقة روى له البخاري في
((صحيحه))) أي: وابن المنكدر جلالته أظهر من أن يقال في حقه: ثقة
(فصح الحديث) أي: لصحة سنده (والحمد للّه).
قال الحنفي: ((فيه تأمل؛ لأنه لا يثبت صحته بمجرد توثيق شيخ ابن
المبارك، وتوثيق الراوي عنه، بل لا بد من توثيق من بعده أيضًا حتى
یثبت)).
قلت: وتوجيهه يظهر بما ذكره ابن القيم الجوزي في ((زاد المعاد))،
حيث قال: ((قد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل [راويه](١)
(١) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: ((رواية)).
٩٩٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبدالله بن المبارك أنه لما حج
أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر،
[عن جابر](١)، عن نبيك أنه قال: ((ماء زمزم لما شرب له))، وإني أشربه
لظمأ يوم القيامة.
وابن أبي الموالي ثقة؛ فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم،
وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة (٢).
(١) خلت جميع النسخ من هذه الزيادة، واستدركناها من ((زاد المعاد)).
(٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨٣٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد)
(١٦٦/١٠) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٧٩/١٣) و(٤٣٦/٣٢) عن
سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة
فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي ﴿4﴾ قال:
ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة ثم شربه ثم قال
البيهقي غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن
ابن المبارك من هذا الوجه عنه.
وأشار إلى علته ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣٦/٣٢) فقال: كذا قالا ابن
أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير
ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في ((معجمه)) ٣٦١) - قال:
حدثني محمد بن عبد الرحيم الخويي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد
اللّه النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم
فاستقى دلوا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل ... الحديث
وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٢٨١) قال ابن خراش ابن المبارك
=
٩٩٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة،
واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله تعالى، وشاهدت من
=
مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول رأيت
ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن ابي
الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي # أنه قال ماء زمزم
لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه.
كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبدالله المكي والحديث به
يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال
خبر ابن المبارك فرد منکر ما أتى به سوی سوید.
وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣٠٥/٢): سويد بن سعيد ضعيف
والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه
الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم.
وانظر أيضًا: فتح الباري (٤٩٣/٣) وقال: ((غريب، تفرد به سويد)) ونقل ذلك
عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير) (٢٦٨/٢) ثم قال عن سويد: ((وهو
ضعيف جدًّا، وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات ... إلى أن قال: وقد
خلط في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن
ابن المؤمل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من
طريق صحيحة، فجعله سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغتر
الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم
الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاري، وسويدا انفرد به مسلم، وغفل
عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خولف
فیه.
٩٩٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد
جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين
يوما، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارًا)).
ثم قال ابن القيم: ((وماء زمزم سيد المياه وأشرفها، وأجلها قدرًا،
وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمنًا، وأنفسها عند الناس، وهو هزمة
جبريل، وسقيا إسماعيل عليهما السلام.
وثبت في الصحيح عن النبي العلّها: ((قال لأبي ذر، وقد أقام بين الكعبة
وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، ليس له طعام غيره؛ فقال : ((إنها
طعام طعم))، وزاد غير مسلم بإسناده: ((وشفاء سقم)) انتهى(١).
وفي ((منتخب المقاصد)) لابن الديبع: ((إن حديث ((ماء زمزم لما شرب
له)): رواه ابن ماجه من حديث جابر [به](٢) مرفوعًا، وسنده ضعيف، وقد
رواه الحاكم، وقال: ((إنه صحيح الإسناد))، وقد صحح هذا الحديث ابن
عيينة من المتقدمين، والدمياطي من المتأخرين، والمنذري، وضعفه
النووي)) انتهى. وقال الزركشي: ((رواه ابن ماجه مرفوعًا بسند جيد،
والخطيب في ((التاريخ)) بسند صححه الدمياطي)).
قال السيوطي: ((وصححه أيضًا المنذري، وضعفه النووي، وحسنه
(١) زاد المعاد (٣٥٩/٤).
(٢) من (أ) و(ج) فقط.
١٠٠٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
ابن حجر - يعني العسقلاني -؛ لوروده من طرق عن جابر. (١) ووروده
(١) حديث جابر ظه. أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (٣٥٧/٣، ٣٧٢)، والطبراني
في (الأوسط) (٨٥٣)، والبيهقي (١٤٨/٥)، والعقيلي في (الضعفاء) (٣٠٣/٢)،
والخطيب في (تاريخ بغداد) (١٧٩/٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٣٦/٤) من
طرق، عن: عبد اللّه بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر ظه به.
قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير.
وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد اللّه بن المؤمل، وبه ضعَّفه ابن القطان في
بيان الوهم والإيهام: (٤٧٨/٣) (ح ١٢٤٣).
وضعفه - أيضًا - النووي في (المجموع) (١٩٨/٨).
وقال العقيلي: ((لا يتابع عليه)). وكذا قال ابن حبان في (المجروحين) (٢٨/٢).
وقال الطبراني: ((لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المؤمل)).
وقال البيهقي عقب إخراجه: ((تفرد به عبد الله بن المؤمل)).
قلت: أما تضعيفه بابن المؤمل: فنعم، وأما القول بأنه تفرد به: فلا؛ فقد تابعه
إبراهيم بن طهمان، كما نبه على ذلك صاحب (الجوهر النقي) (١٤٨/٥).
فقال - متعقبًا البيهقي -: ((قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن
أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، والحديث في (سنن البيهقي) من
طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خلاد بن يحيى،
قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بنظ﴾ه، وفيه قصة.
وأعل الحافظ ابن حجر - رحمه الله - هذه المتابعة لابن المؤمل، فقال في
التلخيص الحبير: (٢٦٨/٢): ((ولا يصح عن إبراهيم ... إنما سمعه إبراهيم
من ابن المؤمل)).
وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول.
وانظر: التلخيص الحبير (٢٦٨/٢).