النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
الحرز الثمين الحصن الحصين
((من قال يوم الجمعة: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن
سواك، سبعين مرة، لم تمرَّ به جمعتان حتى يُغنيه اللّه تعالى))(١)، وأصل
الحديث أخرجه أحمد والترمذي(٢).
(إلى هنا) أي: من أول العنوان إلى هذا المكان (يقال في الصباح
والمساء جميعًا) تأكيد لدفع توهم أن يكون الواو بمعنى ((أو)).
(ولكن يقال في المساء مكان أصبح) أي: في مكانه، أو بدله (أمسى)،
وكذا مكان ((أصبحت)) ((أمسيت))، ومكان ((أصبحنا)) ((أمسينا))، (ومكان
(هذا اليوم)) ((هذه الليلة))(٣)) بالرفع على نيابة الفاعل، وفي نسخة: بالجر
على الحكاية.
(ومكان التذكير) أي: تذكير الضمير (التأنيث) بالرفع، أي: تأنيث
الضمير، (ومكان ((النشور)) ((المصير)) كما كتبنا) أي: ((كتبناه)) كما في
نسخة (بالحمرة)، كذا في: ((أصل الأصيل))، وهو الأصح الواضح، وفي
(١) أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (: ١٩٠٧)، ولكن من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٣/١)، والترمذي (٣٥٦٣)؛ كلاهما من حديث علي بن أبي
طالب به مرفوعًا. قال الترمذي: ((حسن غريب))، وقال الألباني: ((حسن
الأسناد)».
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): ((يقال: المعنى المراد باليوم في ذكر الصباح،
وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء من
الغروب إلى الفجر)).

٤٨٢
الحرز الثمين للحصن الحصين
((أصل الجلال)): ((في الحمرة))، فهي بمعنى الباء كما عدها صاحب
((القاموس)) من معانيها(١)، (فوق كل كلمة).
(ويزاد في المساء فقط):
(أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله)، وهذه الجملة سبقت في
أذكار الصباح أيضًا، ولكن خصت هنا بالمساء باعتبار ما بعدها، وهو
(أعوذ بالله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها ويمنعها (أن تقع) أي: من
أن تقع، أو كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا
بإذنه) أي: إلا مقرونًا بإرادته وأمره وقدرته، وهو استثناء مفرغ من أعم
الأحوال (من شر ما خلق) أي: أوجده على وفق التقدير، وهو شامل
لجميع الموجودات (وذرأ) تخصيص بعد تعميم، وكأن الذرء مختص
بخلق الذرية، وهي نسل الثقلين على ما في ((الصحاح)) (٢).
(وبرأ) [البرء](٣) مخصوص بخلق النسمة، وهي ذات الرُّوح؛ إذ قلما
تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برء اللّه النسمة.
هذا، ولعل وجه تخصيص هذا الدعاء بوقت المساء، [بحيث](٤) إِن
(١) ((القاموس)) (٣٦٨/٤).
(٢) ((الصحاح)) (١/ ٥١)
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((والبرء)).
(٤) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((حيث)).

٤٨٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
الليل أدهى بالويل، وهو وقت تحرك الحشرات، وانتشار الجن في
الظلمات، وتردد الفسقة والسرقة في تلك الأوقات.
(ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود(١).
(ويزاد في الصباح فقط: أصبحنا وأصبح الملك لله والكبرياء) أي:
الذاتية (والعظمة) أي: الصفاتية، ويشير إلى المعنيين حديث: ((الكبرياء
ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته)) (٢) أي: أهلكته.
(والخلق) أي: الموجود التدريجي، (والأمر) أي: المخلوق الآن
الموجود بـ ((کن))، (والليل والنهار وما يضحى) قال المصنف: ((هو بفتح
الياء وإسكان الضاد المعجمة وفتح الحاء، أي: يبرز ويظهر))(٢)، انتهى.
وفي نسخة بضم الياء وكسر الحاء، أي: وما يدخل في وقت الضحوة،
لكنه غير مناسب لقوله: (فيهما) أي: في الليل والنهار، اللهم إلا أن
يتكلف أنه فيهما في الجملة، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿يَخْرُج مِنْهُمَا اللَّؤْلُؤُ
(١) لم أجده في ((الكبير))، ولكنه في ((الأوسط)) (٤٢٩١) من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص به مرفوعًا. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٠ / رقم:
١٧٠١٨): ((رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف)).
(٢) أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٢٧٩) بهذا اللفظ، وهو عند مسلم
(٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا، ولكن بلفظ: ((الغز إزاره
والكبرياء رداؤه فمن ینازعنی عذبته)).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٦/ ب).

٤٨٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أي: من البحرين، مع أن اللؤلؤ لا يخرج إلا
من المالح، فالمعنى من مجموعهما لا من جميعهما، ثم قوله: (لكن) خبر
عن المبتدإ السابق، وهو ((الكبرياء)) وما عطف عليه، فالكل للّه (وحده)
أي: منفردًا (لا شريك له).
(اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا) أي: بصرفه في الطاعات،
(وأوسطه فلاحًا) أي: ظَفَرًا على حصول الحاجات، (وآخره نجاحًا) أي:
نجاة من الآفات، وقال الطيبي(١) ((أي صلاحًا في ديننا، بأن يصدر منا ما
ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء ما ينافي دنيانا
لما هو صلاح في ديننا، فأنجحها واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو سبب
لدخول الجنة، فندرج في سلك من قيل في حقهم: ﴿أُوْلَئِك عَلَى هُدَى مِّن
رَّيِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]))(٢).
(أسألك خير الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. مص) أي: رواه
ابن أبي شيبة(٣) عن عبدالرحمن بن أبي أوفى (٤) بلفظ: ((كان
(١) أورد قول الطيبي الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (١٦٧٥/٤).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) للطيبي (٦/ ١٨٩٠ رقم: ٢٤١٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٢٧٨) عن عبد الرحمن بن أبزئ وليس من طريق أبي
الورقاء عن عبد اللّه بن أبي أوفى؛ والطبراني في الدعاء من طريق أبي الورقاء
عن عبد الله بن أبي أوفى (٢٩٦).
(٤) الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى وليس عن عبد الرحمن بن أبي أوفى.

٤٨٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
يقول :... ))(١)، ونقله الإمام النووي في ((الأذكار)) عن ابن السني(٢)، وزاد
بعد قوله: ((أصبح الملك لله)) كلمة ((والحمد [8](٣))، وفيه ((وما سكن
فيهما))، وفيه أيضًا ((وأوسطه نجاحًا، وآخره فلاحًا))، ذكره ميرك، وهو
المناسب لما شرحه الطيبي، فتدبر.
(لبيك اللهم لبيك) هذه الكلمة وردت بلفظ التثنية المضافة، والمراد
بها تكثير الإجابة مرة بعد أخرى، وهي مأخوذة من: لب بالمكان، إذا
أقام به، فمعناها أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٨٨) من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي
أوفى به مرفوعًا. قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٢٠٤٨): ((ضعيف جدًا؛
أبو الورقاء: اسمه فائد بن عبد الرحمن الكوفي، قال الحافظ: متروك، اتهموه)).
(٢) ((الأذكار النووية)) (صـ ٦٨)، والحديث أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم
والليلة)) (٣٨) من طريق أبي الورقاء به مرفوعًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٨٨)، والطبراني في الدعاء (٢٩٦).
ونسبه في المطالب (٣٣٩٩)، والإتحاف (٦٠٨٥/٦٨١٦) عبد بن حميد
(٥٣١).
وقال في المجمع (١١٥/١٠): رواه الطبراني وفيه فائد أبوالورقاء وهو
متروك.
قال العراقي أخرجه عبد بن حميد في المنتخب والطبراني من حديث ابن أوفى
بالشطر الأول فقط إلى قوله ((نجاحا)) وإسناده ضعيف (المغني عن حمل
الأسفار ١/ ٣٢٠). وقال الألباني في الضعيفة (٢٠٤٨): ضعيف جداً.
(٣) من (أ) و((الأذكار)) فقط.

٤٨٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
إجابة بعد إجابة(١).
(لبيك وسعديك) قال المصنف(٢): ((لبيك من التلبية، وهي: إجابة
المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، ولم يُستعمل إلا بلفظ التثنية في معنى
التكرير، أي: إجابة بعد إجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا
يظهر، قالوا معناه: أنا مقيم على طاعتك، وقوله: ((وسعديك))، أي:
ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادًا بعد إسعاد، ومتابعة بعد
متابعة؛ ولهذا ثني، وهو أيضًا من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في
الاستعمال))(٣)، انتهى.
(والخير) أي: ((كله)) كما في رواية، والمراد به ضد الشر، والاقتصار
من باب الاكتفاء، أو من حسن الأدب في الثناء (في يديك) أي: في
تصرفك، وتحت قدرتك، ولعل التثنية للإيماء إلى صفتي الجلال
والجمال من القبض والبسط في المآل والحال، على ما هو ظاهر عند
أرباب الكمال.
وفي ((النهاية))(٤): (( اليد وقعت في كلام الله تعالى وحديث رسوله
مضافة إلى اللّه على صيغة الواحد والتثنية والجمع، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ
(١) أوردها بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (٥١٤/٢).
(٢) أورد قول المصنف بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٧٣).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٦/ ب).
(٤) النهاية (٥/ ٢٩٣)

٤٨٧
الحرز الثمين للحصن الحصين
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص:
٧٥]، ﴿أَوَلَمِ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمًا﴾ [يس: ٧١].
ووقع في الحديث: ((قال موسى: أنت آدم الذي خلقك اللّه بيده))(١)،
فالأكثر من العلماء(٢) على أن اليد هنا مجاز عن القدرة(٣)، والعلاقة أن
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) بعدها في (أ) زيادة: ((المتأخرين)).
(٣) مشى المؤلف على طريقة أهل التأويل والتفويض، وهما مذهبان باطلان،
ومذهب السلف إثبات صفات الله كما دلّ عليها الكتاب والسنة وأنها على
ظاهرها ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوّضونها، فلا يجعلون
نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا
یعلمون معاني هذه النصوص ویفسّرونها، وإنما یفوّضون علم کیفیتھا إلی الله،
فمذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو إثباتها كما جاءت في الكتاب
والسنة من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل
إثبات بلا تشبيه وتنزيه للّه بلا تعطيل. كما قال مالك: (الإستواء غير مجهول
والكيف غير معقول والإيمان به واجب)، فالسلف متفقون على الإقرار
والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير
تعرض لتأويله.
لقد وصف الله تعالى نفسه بأكمل وأجمل الأوصاف، كما يليق بجلاله وعظمته
في كتابه وعلى لسان نبيه ﴿®، وعقيدة السلف الذين كانوا أعلم الأمة وأعرفها
باللّه رب العالمين: الإيمان بجميع ذلك على وجه الإجمال فيما جاء مجملاً،
وعلى وجه التفصيل فيما جاء مفصلاً، من غير زيادة ولا نقصان، من غير

٤٨٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وتثنيته عبارة عن القدرة الكاملة،
فالغرض من التثنية التنبيه على الكمال، فإن في إعمال اليدين في الأثر
زيادةً ليست في واحدة.
وتخصيص خلق آدم بذلك مع أن الكل مخلوق بقدرته تعالى تشريف
وتكريم له، كما أضاف الكعبة إلى نفسه في قوله: ﴿أَن طَهْرَا بَيْتِىَ﴾ [البقرة: ١٢٥]
للتشريف، مع أنه تعالى مالك للمخلوقات كلها، والحديث من هذا القبيل،
صرف له إلى معنى آخر غير الظاهر من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا
تکییف، وأن السلف کانوا یعلمون معاني الصفات، ویفرّقون بينها، بحسب ما
دلّت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والاتيان غير
الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فكيفية
الصفات مجهولة للعباد، ومعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها،
والإيمان بالصفة كما أخبر الله بها واجب، وفي هذا الحديث إثبات اليد
والأصابع للّه حقيقة، وإن تأويلها بالنعمة أو القدرة ونحوها باطل.
ومن تأمل جواب الإمام مالك بن أنس رحمه الله لمن سأله عن كيفية الاستواء
على العرش، فقال: «الکیف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به
واجب، والسؤال عنه بدعة))، تبينت له حقيقة ما ذكرت.
إن الله خاطبنا بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام
أن يجرى على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم
كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون
كلمة الإمام مالك هذه قاعدة، لأهل السنة في سائر صفات الباري تعالى. والثان
أعلم.

٤٨٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
ومنه تخصيص المؤمنين [بالعبودية](١) في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ﴾ [الحجر: ٤٢]))(٢)، انتهى.
وذهب بعض السلف إلى أنها من المتشابهات التي يجب الاعتقاد بها
مع إثبات التنزیه، وعدم ارتكاب التأويل.
(ومنك) أي: الخير واصل إلينا [منك](٣)، (وإليك) أي: راجع حالنا
ومآلنا، وقال ميرك: ((أي: منك التوفيق على الطاعات، وإليك الالتجاء
عن السيئات، أو منك البدء والخلق، وإليك المرجع والمآب)).
(اللهم ما قلتُ) أي: أنا (من قول) أي: مقول أَيَّ مقول، و((من)) بيانية
لـ((ما)) الموصولة (أو حلفت) بفتح اللام، أي: أقسمت (من حَلِفٍ)
بكسر اللام، وفي نسخة بسكونها، ويجوز حينئذٍ فتح الحاء وكسرها، ففي
((القاموس)): ((حَلَفَ يَحْلِفُ حَلْفاً ويكسر، وحلف ككَتِفٍ ومَحْلوفاً))(٤).
(أو نذرت من نَذْرٍ) بسكون الذال، أي: منذور، ((يقال: نذرت نذرًا،
إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وقد
تكرر في الحديث ذكر النهي عن النذر، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن
التهاون به بعد إيجابه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((بالعبودة)).
(٢) بتصرف من كتاب ((المواقف)) لعضد الدين الأيجي (١٥٣/٣).
(٣) زيادة من (أ) فقط.
(٤) ((القاموس المحيط)) (١٢٥/٣).

٤٩٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفْعَل لكان في ذلك إبطال حكمه
وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وقد مدح
اللّهَ الأبرار بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وإنما وجه الحديث في
النهي أنه قد أعلمهم أن ذلك أَمْرٌ لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف
عنهم ضرًّا، ولا يرد قضاء، فقال(١): ((لا تَنْذِروا علی أنکم تدركون بالنذر
شيئًا لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم،
فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه
لازم [عليكم](٢))(٣)، هذا خلاصة ما في ((النهاية))، و((أو)) للتنويع.
(فمشيئتك) بالهمز، ويجوز التشديد، أي: فإرادتك (بين يدي ذلك)
أي: قدام ما ذكر، (كله) تأكيد له، والمعنى: أن كله [متعلق] (٤) بمشيئتك
ومقرون بإرادتك وقدرتك مسبوق بقضائك وقدرك.
(ما شئت) أي: مما ذكر وغيره (كان) أي: وقع، (وما لم تشأ لا يكون)
أي: أبدًا، (ولا حول ولا قوة إلا بك) كالتأكيد لما قبله، (إنك على كل
(١) بتصرف من كتاب ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (٢٢٤٦/٦).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و((النهاية في غريب الحديث)): ((لكم)).
(٣) ((النهاية)) (٣٩/٥).
(٤) زيادة من (أ) و(د) فقط، وفي (ج): ((معلق)).

٤٩١
الحرز الثمين الحصن الحصين
شيء) [أَيُّ شيءٍ](١) (قدير).
(اللهم ما صليتُ(٢) من صلاة) أي: ما دعوت من دعوة خير لأحد
ممن يستحق، أو لا يستحق (فعلى من صليتَ) أي: فاجعله على من
جعلته مستحقًا لها.
(وما لعنت من لعن) أي: وما دعوت من دعوة شر بالبعد عن الرحمة
وغيره (فعلى من لعنت) أي: فاجعله على من لعنته أنت، وفي ((النهاية)):
((اللعن الطرد والإبعاد من اللّه تعالى، ومن الخلق السب والدعاء
بالسوء)»(٣)، انتهى.
ويحتمل أن يكون معناه: إنما صليت على من صليت، ولعنت على من
لعنت موافقًا لأمرك، ومطابقًا لحكمك، لكن المعنى الأول هو المعول؛
لما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا: ((اللهم إني أتخذ عندك عهدًا أن
لا تخلفنیه، فإنما أنا بشر، فأیما مؤمن آذیته، أو شتمته، أو جلدته، أو
لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة))(٤).
(١) زيادة من (أ) و(ج) و(د) فقط.
(٢) كتب بجوارها في حاشية (ب): ((التاء الأولى مضمومة، وفي الثانية مفتوحة في هذا
وما بعده، والظاهر أن هذا كلام يراد به ... لا الإخبار، أي: أنا تابع لما يرضيك،
أحب بحبك، وأبغض ببغضك، وأولي بولايتك، وأعادي بعداوتك)).
(٣) ((النهاية)) (٢٥٥/٤)
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١) من حديث أبي هريرة. ورواية
=

٤٩٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
وفيه دلالة على أن صاحب الحق إذا كان غير معلوم يكتفى بالدعاء
والاستغفار له، قال الحنفي: ((هذه الجملة دعائية طلبية، كأنه يطلب أن يقع
دعاؤه تعالى على من وقع عليه صلاته، وكذا ما بعده))، انتهى. والظاهر أن
الأمر بالعكس، على ما هو المتبادر من العبارة، وقدمنا إليه الإشارة.
(﴿أنت ولي﴾) أي: ربي ومالكي ومنعمي وناصري (﴿فِي الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]) يقال(١): توفي فلان وتوفى، إذا
مات، فمن قال: توفي، فمعناه قبض وأخذ، ومن قال: توفى فمعناه توفى
أجله واستوفى أكله وعمره، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: (يتوفون)
بفتح الياء، كذا في ((تاج البيهقي))، والمعنى: أمتني مسلمًا كاملًا.
(﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]) أي: بالأنبياء والمرسلين،
وقد ذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر : ((رب توفني مسلمًا،
وألحقني بالصالحين))(٢)، قال المصنف: «هذا حديث جليل جمع أمورًا
مهمة، وقد أفرده بعض أصحابنا [الأئمة الحفاظ](٣)، وتكلم عليه كلامًا
عائشة أخرجها مسلم (٢٦٠٠). ورواية جابر بن عبداللّه أخرجها مسلم
(٢٦٠٢). ورواية أنس بن مالك أخرجها مسلم (٢٦٠٣).
(١) أورده الرازي في تفسيره (٦/ ٤٦٥).
(٢) ((الدرة الثمينة في أخبار المدينة)) لابن النجار (ص ٢٠٧).
(٣) كذا في ((مفتاح الحصن الحصين)) وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ، وفي:
(بهذه الألفاظ)).

٤٩٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
حسنًا، وقال: ((إنه استثناء لما [يبدو من](١) قائله لما يقع منه في ذلك اليوم
من حلف، أو نذر، أو غيره إلا الطلاق))، انتهى، وقد يقال: إنه إذا صح
الاستثناء في حلف ونذر فبأيّ دليل يخرج الحلف بالطلاق))(٢)، انتهى كلام
المصنف.
قلت: لعله أراد بقوله: ((إلا الطلاق)) التعليق به، فإنه لا يرفعه مثل هذا
الاستثناء، فمتى وجد الشرط بعد الحلف به يقع الطلاق اتفاقًا، وكذا
العتاق ونحوه، وكذا النذر وسائر الأيمانات ملزمة، ولعل الاستثناء
الوارد في الدعاء فيما [يقع](٣) له الحنث من غير اختيار؛ فيرتفع عنه الإثم
دون الحكم المتعلق به؛ لأن شرط اعتبار الاستثناء الشرعي أن يكون
متصلًا بالكلام، كما هو مقرر في أصول الفقه وفروعه (٤).
فلو قال: أنت طالق إن شاء اللّه، بطل، ولا يقع شيء، وهذا لأنه علقه
بمشيئة الله تعالى، وهي مما [يتوقف](٥) عليه، وأما [لو](٦) قال: أنت
(١) كذا في ((مفتاح الحصن الحصين))، وفي (أ) و(ب) و(ج): ((يبدأ))، وفي (د):
((يبدد)).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٦/ ب، ٧ / أ).
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): ((وقع)).
(٤) أورده بتصرف الالشارح في مرقاة المفاتيح (١٧٣٥/٥).
:
(٥) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): ((لا توقف))، وفي (د): ((لا یوقف)).
(٦) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((إن)).

٤٩٤
الحرز الثمين للحصن الحصين
طالق إن شئتِ، فشرط وقوع الطلاق مشيئة منجزة موجودة في الحال،
نحو إن قالت: ((شئتُ)) في جواب ((أنت طالق إن شئتِ))، أو معلقة بما قد
علم وجوده، نحو: إن قالت: ((شئت إن [كان](١) السماء فوق الأرض))؛
لأن التعليق بشرط واقع منجز لا بما يعلم بعد، كما لو قالت: ((شئتُ إن
شئتَ))، فقال: ((شئتُ))، لأنه علّق طلاقها بمشيئتها الموجودة المتحققة،
وهي علّقت وجود مشيئتها بوجود مشيئته، ولا علم لها بذلك، فمشيئتها
لم توجد، فلم يتحقق الشرط.
هذا، وورد في حدیثٍ رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي
هريرة: (ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ،
وَالرَّجْعَةُ))(٢) وفي رواية: ((والعتاق))(٢).
(ي) أي: رواه ابن السني، وفي نسخة بدله رمز الحاكم، وأحمد،
والطبراني، عن زيد بن ثابت (٤).
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): ((كانت)).
(٢) أخرج أبو داود (٢١٨٨)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)؛ كلهم
من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي: ((حسن غريب))، وقال الألباني
في ((الإرواء)) (١٨٢٦): ((حسن).
(٣) أخرجها ابن عدي في ((الكامل)) (٥/٦) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال
ابن حجر في «بلوغ المرام» (٩٩٧): ((ضعيف)».
(٤) أخرجه أحمد (١٩١/٥) وابن خزيمة في ((التوحيد)) (١٧) والطبراني في

٤٩٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
(اللهم إني أسالك الرضا) بالألف كتابة ولفظًا، ويجوز مده، ففي
((الصحاح)): ((أنه مقصور مصدر محض، والاسم الرضاء الممدود))(١)
(بعد القضاء) أي: بعد وقوعه، قال المؤلف(٢): ((وهذا هو الرضا، وما
يكون قبل القضاء فذاك عزم على الرضا، والتوكل يكون قبل القضاء،
ولكن الرضا يكون بعد القضاء، وليس المراد [الرضا](٣) بالذنوب التي
قضاها الله تعالى على العبد، بل الرضا بما قضاه الله تعالى به من المصائب
وما يبتلى العبد به)»(٤)، انتهى.
وفي عبارته قصور كما لا يخفى، فإن حقه أن يقول: وليس المراد
بالرضا الرضا بالذنوب ... إلى آخره، لكن الصحيح أن المراد [بالرضا](6)
. الرضا بالقضاء لا بالمقضي، أو الرضا بالذنوب المقضية من حيث
قضاها، لا من حيث كسبها، وتوضيحه أن المنهي هو الرضا بالذنوب
(معجمه الكبير)) (١٢٠/٥) رقم (٤٨٠٣) ابن السني في ((عمل اليوم والليلة))
(٤٧) واللفظ له، والحاكم (٥١٦/١) في إسناده أبو بكر بن أبي مريم الغساني
ضعيف قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٦٧٣٣): ((ضعيف)).
(١) ((الصحاح)) (٦/ ٢٣٥٧)
(٢) أورده الرازي في تفسيره (٤٦٥/٦).
(٣) زيادة من (ج) فقط.
(٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٧ / أ).
(٥) زيادة من (ج) فقط.

٤٩٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
أنفسها، وأما الرضا بقضائها أو بها من حيث إنها مقضية فلا، بل يجب
الرضا [به و](١) بها من حيث إنها مقضية، والرضا فيه أيضًا حقيقة
بالقضاء، فيرجع إلى الأول، فتدبر وتأمل.
وبه يزول الإشكال المشهور، وهو أن الرضا بالقضاء فرض وإيمان،
وأن الرضا بالكفر مع أنه من القضاء كفر وعصيان، ثم لا شك أن الرضا
قبل القضاء لازم أيضًا، ويطلب منه تعالى التوفيق له، والثبات عليه.
لكن الفرد الأكمل لما كان هو الرضا بعد تحقق القضاء، اقتصر في
السؤال عليه كما ورد في الحديث: ((إن الصبر عند الصدمة الأولى))(٢)،
وإلا فالصبر لازم في كل حال من أحوال [بلاء] (٣) المولى.
(وبرد العيش بعد الموت) البرد ضد الحر، ولكثرة الحرارة في بلاد
العرب جعلوا كل محبوب عندهم باردًا، والعيش هو الحياة، فالمراد
بـ(برد العيش بعد الموت)) حسن الحياة وطيبها بعده، وإنما قيده بما
بعده لأن ما قبله حياة فانية لا عبرة بطيبها وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
الدَّارَ الْأَخِرَةَ لَهِىَ الْخَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ
(١) زيادة من (ج) و(د) فقط.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٣، ١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦)؛ كلاهما من حديث أنس
به مرفوعًا.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): ((الإبلاء)).

٤٩٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
اُلْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ونِعْم ما قال بعض أرباب الحال:
أضغاثُ نَومٍ أو كظل زائلٍ إِنَّ الَّبيب بمثلها لا يخدعُ(١)
وقد قال # مرة في حال كمال الضيق والهم والقلق - وهو يوم
الخندق -، ومرة في حال كمال الكثرة والفرح والاتساع - وهو يوم عرفة
في حجة الوداع -: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة))(٢)، إيماء إلى عدم
(١) أورده ابن حبان في ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) (صـ ٣٠١) من قول
عمران بن حطان.
(٢) اللفظ الذي ذكره الشارح هو لحديث يوم الخندق، وقد أخرجه البخاري
(٢٩٦١) و(٣٧٩٦) و(٦٤١٣)، ومسلم (١٨٠٥)؛ كلاهما من حديث أنس
به مرفوعًا. وأخرجه أيضا البخاري (٣٧٩٧، ٤٠٩٨) و(٦٤١٤)، ومسلم
(١٨٠٤)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد به مرفوعًا.
وأما حديث يوم عرفة فأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٤٧٠)، وابن
خزيمة (٢٨٣١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٤١٩)، والحاكم في
(المستدرك)) (٤٦٥/١)؛ كلهم من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((إِنَّمَا
الْخَيْرِ خير الْآخِرَة)). قال الحاكم: ((صحيح، لم يخرجاه))، وحسنه الألباني في
((السلسلة الصحيحة)) (٢١٤٦).
وأخرجه الشافعي (٥٨٧) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥/٥) و(٤٨/٧)
من حديث مجاهد، وأخرجه أحمد في ((الزهد)) (ص ٣٧) وابن أبي شيبة في
((مصنفه)) (١٦٠٥٤) و(٣٥٥٠٤) من حديث عبد الله بن الحارث؛ كلاهما
مرسلاً بلفظ: «لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة)».

٤٩٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
اعتبار محنة الدنيا ونعمتها، فإن الدنيا كما ورد: ((سجن المؤمن))(١).
(ولذة النظر إلى وجهك) أي: إلى ذاتك يوم لقائك، وقيد النظر باللذة؛
لأن النظر إلى الله تعالى، إما نظر هيبة وجلال في عَرَصات القيامة، وإما
نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المطلوب هذا (٢)، قيل: ((ويمكن أن
يقال: النظر إلى الله تعالى إما مقارن للندامة والاستحياء عن المعاصي
الواقعة عن [النظر](٣) في الدنيا، وإما غير مقارن لها، بل هو مقارن
للانشراح والابتهاج، واللذة إنما هي في الثاني، [فالتقييد](٤) بها لإفادة
ذلك)».
(وشوقًا إلى لقائك) أي: إلى وصولك، أو إلى رؤيتك (في غير ضراء
مضرة) بصيغة الفاعل، والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء،
والجار والمجرور متعلق بقوله: ((وشوقًا))، أي: أسألك شوقًا لا يؤثر في
سيري وسلوكي؛ بحيث يمنعني عن ذلك، وإن ضرني مضرةً ما، كذا
قيل، فالنفي متوجه إلى القيد، والأظهر أن المعنى: وشوقًا إلى لقائك في
حالة غير ضراء مضرة لي أو لأتباعي، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيد
جميعًا، (ولا فتنة مضلة) أي: ولا محنة وبلية تصير سبب إضلالي، أو
(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) أورده الالشارح في مرقاة المفاتيح (١٧٣٥/٥)، وعزى هذا القول للطيبي.
(٣) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): ((الناظر)).
(٤) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): ((فالتقيد))، وفي (ج): ((فالتقدير)).

٤٩٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
إضلال غيري.
(وأعوذ بك أن أَظْلِمَ) بصيغة المعلوم (أو أُظْلَمَ) على بناء المفعول،
كقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقدم
المعلوم على المجهول، فإن من المعلوم أن التعوذ به أهم؛ ولذا قال:
((كن عبدالله المظلوم، ولا تكن عبدالله الظالم))(١)، و((أو)) للتنويع كما فيما
بعده.
(أو أعتدي) أي: أتجاوز عن الحد في حق نفسي، أو حق غيري، (أو
يعتدى علي)، فهو تأكيد لما قبله؛ لأن الظلم أيضًا يكون قاصرًا [و](٢)
متعديًا، ويمكن حمل أحدهما على النفس، والآخر على العَرَض.
(أو [أكسب](٣) خطيئة) بالهمز، ويجوز تشديدها، والمراد بها هنا ضد
العمد؛ لقوله: (أو [ذنبًا](٤))، ويمكن أن تكون الخطيئة كل معصية لتقييد
الذنب بقوله: (لا تغفره)، وهو الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد به غير
الكفر من الذنب الذي تعلق به المشيئة أن لا يغفره، وفي نسخة: ((أو
(١) أورده السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٨٤٦)، وقال أحمد بن عبد الكريم
الغزي في ((الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث)) (٣٦٥): ((لم يرد)).
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): ((أو)).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): ((أَكُبَّ عَلَى)).
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): ((ذنبٍ)).

٥٠٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
أكسب خطيئة محبطة)) (١) وهي إما الكفر، فإنه يحبط الأعمال ولو حصل
الرجوع بالإيمان عندنا، حتى يجب عليه إعادة فرض العمر كالحج، وإما
المعصية المحبطة لثواب الأعمال السابقة، كالندامة على فعل الطاعة
والعبادة، وكالمن والأذى بعد الصدقة والعطية.
والحاصل: أن كلمة ((أو)) تفيد أن العوذ من كل واحدٍ من هذه الأمور
[يعني)](٢) أن المطلوب هو أن لا يقع شيء منها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ ءَاثِمًا أُوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: لا تطع أحدًا منهما، وهذا
المقصود لا يحصل من كلمة الواو في الآية [خلاف](٣) الحدیث، فإنه لو
أُتي بالواو الدالة على إفادة الجمعية، لحصل المراد، لكن الإتيان بـ((أو))
أدق، حيث يدل على أن كل واحد من هذه الأمور يستحق أن يعاذ بالله
منه، وينبغي أن يلاذ به منه جمعًا أو انفرادًا.
(اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما، (عالم الغيب
والشهادة) أي: السر والعلانية، [و](٤) نصبه كما قبله على أنه صفة
المنادى، أو منادى حذف حرف ندائه، وكذا قوله: (ذا الجلال والإكرام)
أي: صاحب العظمة والكرامة.
(١) وهي موافقة لرواية أحمد، والطبراني.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((بمعنى)).
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((بخلاف)).
(٤) زيادة من (أ) و(ب).