النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الحرز الثمين الحصن الحصين درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا، قلت: يا رسول اللّه، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟! قال: لو ضربَ بسيفه في الكفار وفي المشركين، حتى ينكسِر ويختَضِبَ دمًا، لكان الذاكر الله أفضلَ درجةً))(١). والحاصل: أنّ الذكر المجرّد أفضل من جميع العبادات المجرّدة عن الذكر، وأما إذا انضمّ الذكر مع عملٍ فلا شك أنه أفضلُ حينئذٍ من الذكر المجرد، ثم ينظر في نسبة الأعمال المنضمة باعتبار تفاوتٍ مراتبها، والعلم عند الله تعالى. (ط، مص، طس، صط) [أي](٢) رواه: الطبراني في ((الكبير))، وابن أبي شيبة؛ كلاهما من حديث معاذٍ، والطبراني في ((الأوسط))، وكذا في ((الصغير)) من حديث جابر (٣)، قيل: ((ورجال الطبراني في الكتابين رجال (١) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، والترمذي (٣٣٧٦) وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث درَّاج. قلت: ودراج عن أبي الهيثم ضعيف. (٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((يعني). (٣) ورواية جابر أخرجه الطبراني في ((معجمه الأوسط)) (٢٣١٧)، وفي ((معجمه الصغير)» (٢٠٩) ثنا إبراهيم قال ثنا محمد بن يوسف الفريابي قال ثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي الزبير عن جابر رفعه إلى النبي ◌َ﴾ قال: «ما عمل آدمي عملاً أنجى له من العذاب من ذكر اللّه)) قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد إلا أن تضرب بسيفك حتی ینقطع)). = ١٨٢ الحرز الثمين الحصن الحصين الصحيح))، لكن لا يخفى أنه يتحصل من مجموع الرمز السابق واللاحق أنّ الحديث الأول بانفراده لأحمد عن معاذ، وبانضمامه إلى ما بعده للطبراني في ((الكبير))، وابن أبي شيبة عن معاذٍ أيضًا. وأن الحديث الآخر للطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) من حديث جابر، [وهو لا](١) يُتصور أن يكون كلامًا مستقلًا، فيحمل على أنّه مع انضمامه للسابق روايةٌ جابرٍ، فكان [حقّ الشيخ](٢) أن يذكر رمز ((طس)) و((صط)) في الرموز السابقة أيضًا، أو يكتفي بأحمد في الأول، وبالبواقي في الآخر مرةً واحدةً، فتأمّل فإنه موضع زلل. (لو أن رجلًا في حجره) بفتح الحاء، وفي نسخة بكسرها، قال المؤلف: ((هو بفتح الحاء، ويجوز الكسر، وهو: طرف الثوب))(٣)، فالمعنى لو ثبت أن شخصًا في ثوبه (دراهم) أي: مثلًا، وكذا دنانير وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا أبو خالد تفرد به الفريابي. وقال الهيثمي: وقد عزاه للطبراني فيهما: رجالهما رجال الصحيح. ((مجمع الزوائد)) (٧٤/١٠). قال ابن حجر: وهي رواية شاذة. ((نتائج الأفكار)) (١ / ٩٧). قلت: وهو غير محفوظ: فقد رواه ابن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى ابن سعيد عن أبي الزبير عن طاوس عن معاذ به. (١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((ولا)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج): ((للشيخ)). (٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ). ١٨٣ الحرز الثمين الحصن الحصين وغيرها (يقسمها) بفتح الياء وكسر السين، وفي نسخة بضم الياء وفتح القاف وتشديد السين، أي: ينفقها ويفرقها على مستحقّيها من غير [ذكره](١) سبحانه، (وآخر) بالنصب ويرفع، أي: وأنّ رجلًا آخرَ، أو هناك رجل آخر، [أو وثبت](٢) رجل آخر (يذكر الله) أي: من غير إنفاق دراهم تكون له أولًا، (كان الذاكر لله) أي: له خالصًا (أفضلَ) وفي نسخة صحيحة، وهي ((أصل الأصيل)): ((كان الذاكر الله)) بنصب الجلالة على المفعولية، أو على نزع الخافض. قال المؤلف: ((وإنّما كان الذاكر للّه أفضلَ؛ لأن ذاكر اللّهِ يذكره اللّهُ، وذكر اللّه تعالى للعبدِ أفضلُ من كل شيءٍ، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرىّ﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَخْشَآءِ وَالْمُنكَرْ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قيل: ((أي ذكر اللّه تعالى لعبده أعظمُ، والله أعلم))(٣). (ط) أي: رواه الطبراني في ((الكبير)) عن أبي موسى، وفي ((الجامع)): ((رواه في ((الأوسط)))، ويمكن الجمع إن لم يكن هناك وهم(٤). (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((ذكر اللّ)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((أو ثبت)). (٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ). (٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٩٦٩) وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسی إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمر بن موسى. جديد ١٨٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (إذا مررتم برياض الجنة) أي: بساتينِها الموضوعةِ في الدنيا، الْمُورِثَة للجنانِ العاليةِ في العقبى (فارتعوا) أي: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، ونحوها؛ لما جاء أن الجنة قيعان، وغراسها أذكاره تعالى، فالرتع كناية عن أخذ الحظّ الأوفر. (قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟) أي: سببُها أو مكانُ حصولها (قال: حِلَقُّ الذّكر) ((بكسر حاء وفتح لام، جمع حَلقة بفتح، كقَصعة وقِصَع، وهو: جماعة من الناس يستديرون كحَلّقة الباب، كذا في ((النهاية))، وقال الجوهري: ((جمع الحَلقة على الحَلَق بفتح الحاء على غير قياسٍ، وحكي عن أبي عمرٍو أنّ الواحدَ حَلَقَةٌ بالتحريك، والجمع حَلَق بالفتح))))(١)، ذكره المؤلف. وفي الحواشي عن ((الكشاف)): ((الحلق بفتح الحاء في الدرع، وبكسرها في الناس)). قال صاحب ((الكشف)): ((ذكر الجوهري وابن الحاجب أن كلًّا في كل، وهما لغتان)). أقول: يمكن أن يكون كل في معنَى أشهر أو أكثر دون الآخرِ، فتدبر، وقال الهيثمي: رجاله وثقوا («مجمع الزوائد» (١٠ / ٧٤). وقال ابن رجب: قلت الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله خرجه جعفر الفريابي ((جامع العلوم والحكم)). في الإسناد عمر بن موسى ضعيف، قال عنه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٩/٦): ضعيف يسرق الحديث ويخالف في الأسانيد انظر ((الأحاديث الضعيفة)) (٤٣٤٨). (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ، ب). ١٨٥ الحرز الثمين الحصن الحصين والمعنى: إذا مررتم بجماعةٍ يذكرون الله تعالى في مكانٍ، فاذكروا اللّه أيضًا أنتم موافقةً لهم، [أو اسمعوا](١) أذكارهم متابعةً لهم؛ فإنّهم في رياض الجنة حالاً [ومالاً](٢)، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قيل: «جنّةٌ في الدنيا، وجنّةٌ في العقبى)). (ت) أي: رواه الترمذي عن أنس، وكذا أحمد، والبيهقي عنه(٣)، قال ميرك [شاه](٤): ((وأخرج [الترمذيّ](٥) من حديثٍ أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان اللّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلا اللّهُ، واللهُ أكبرُ))(٦). قال بعض شراح الحديث: ((حديث البابِ مطلقٌ في المكان والذكر، فيحمل المطلق على المقيد في الحديث)). (١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): ((واسمعوا))، وفي (هـ): ((أو استمعوا)). (٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((أو مالًا)). (٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٠) والترمذي (٣٥١٠) والبيهقي في الشعب (٥٢٩) وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٩) وفي السلسلة الضعيفة (١١٥٠). (٤) من (أ) فقط. (٥) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((أيضًا)). (٦) أخرجه الترمذي (٣٥٠٩)، وإسناده ضعيف. حميد المكي قال الحافظ في ((التقريب)) مجهول، (١٥٥٩) وذكر ابن عدي في الكامل (٢ /٦٨٩) أنه لا یتابع على حديثه هذا. ١٨٦ الحرز الثمين الحصن الحصين أقول: الأظهر أن المطلق محمول على عمومه، والمقید محمول على الفردِ الأكمل، أو أريد به المثال فتأمل، وقد روى الطبراني عن ابن عباسٍ مرفوعًا: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالسُ العلمِ))(١). قال المؤلف: «أراد برياض الجنة ذكر الله، وشبه الخوض فيه بالرتع في الخصب، والرتع: الاتساع في الخصب))(٢)، وقال الحنفي: ((وضع الرتع موضع القول لأن هذا القولَ سببٌ لنيل الثواب الجزيل، وجعل المساجد رياضَ الجنةِ بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة))، ثم الرياض: جمع روضة كالروضات، وأغرب الحنفي في جعله ((الروضات)) جمع الجمع، والله أعلم. وعن أنس قال: ((كان عبدالله بن رواحة إذا لقي الرجلَ من أصحاب رسول الله ۵﴾ قال: تعالَ نؤمن بربنا ساعةً، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل، فجاء إلى النّبي ﴿﴾، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة *: يرحم اللهُ ابنَ يرغبُ عن إيمانك إلى إيمانِ ساعةٍ؟! فقال النبي رواحةَ؛ إنه يحبّ المجالسَ التي تَتَباهى بها الملائكةُ))(٣). (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩٥/١١) رقم (١١١٥٨) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٠١). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/أ). (٣) أحمد ٣/ ٢٦٥، وإسناده حسن كما في ((المجمع (٧٦/١٠). = ١٨٧ الحرز الثمين الحصن الحصين ولعلّ قولَه هذا إيماءٌ إلى قولِهِ سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وإشارةٌ إلى ما روى أحمدُ، والحاكمُ، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((جدّدوا إيمانَكم؛ أكثروا من قولِ: لا إله إلا اللَّ)(١). (يقول الله عز وجل: سيعلم أهل الجمع) أي: الجمع الأكبر، وهو يوم القيامة (اليومَ) أي: في ذلك اليوم، وهو يوم الجمع يوم التغابنٍ، ولعل العدول عن ((يومئذٍ)) لاستحضار الحال الآتية (مَنْ أَهْلَ الكَرَم؟) أي: من أهلٌ أن يكرم، أو من أَصْحَابُ الْكَرَم المشتغلون بذكر ربهم الكريم، قال المصنف: ((أراد بأهل الجمع أهل يوم القيامة الذي يجمع اللّه فيه الأولين والآخرين، وأهلُ الكرمِ: الذين يَحْبُوهُم الله تعالى بكرامته) (٢). (قيل) وفي نسخة: ((فقيل)): (مَن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر من المساجد) بيان المجالس، وفي نسخة: ((في المساجد)»، أي: أهل المجالس الواقعة في المساجد؛ حيث إنّهم تركوا الدنيا قلت: في إسناده عمارة بن زاذان وزياد بن عبد الله النميري متكلم فيهما، وقد تفرَدا بهذا الحديث بهذه السياقة، ولم يتابعهما علیه أحد. والحديث في ((ضعيف الترغيب)) (٩١٥). (١) أخرجه أحمد (٣٥٩/٢)، والحاكم (٢٥٦/٤) وقال: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي في المجمع (٥٢/١، ٨٢/١٠)، قال الهيثمي (٥٢/١): إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٢٦)، والضعيفة (٨٩٦). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). ١٨٨ الحرز الثمين الحصن الحصين وأسواقها، واشتغلوا بالذكر المكرم في المساجد المكرمة والأماكن المعظمة، كما قال تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ـارِجَالٌ لَّا تُلِهِمْ تِكَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَآلْأَصَالِ ( اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوَةِ تَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بغير حساب﴾ [النور: ٣٦-٣٨]. وفي الحديث إيماءٌ - كما في الآيات - إلى أن الذكر في المساجد أفضلُ من الذكر في غيرِها، وقد ورد في الحديث، على ما رواه الطبراني، والحاكم، عن ابن عمر مرفوعًا: ((خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق))(١). (حب، ط، ص) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في ((الكبير))، وأبو يعلى الموصلي، عن أبي سعيد الخدري، وصحّحه ابن حبان، ورواه أحمد، والبيهقي أيضًا(٢). (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧١٤٠)، والحاكم في المستدرك (١٦٧/١، ٩/٢)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧١). (٢) أخرجه أحمد (٦٨/٣ و٧٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٨٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٣٥)، وأبو يعلى (١٠٤٦) وابن حبان (٨١٦)، في إسناده دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وهي رواية ضعيفة. والحديث في ((ضعيف الترغيب)) (٩١٤). ١٨٩ الحرز الثمين للحصن الحصين (ما من آدميٌّ) زيادة ((مِنْ)) لإفادة تعميم النفي (إلا لقلبه) وفي نسخة: ((إلا ولقلبه)) (بيتان) أي: مكانان (في أحدهما المَلَكُ) أي: يُلهم الخير والذكر، (وفي الآخر الشيطان) أي: يوسوس الشرّ والغفلة، (فإذا ذكر اللَّ) أي: الآدميُّ بقبول لُمَّةِ المَلَك (خَنَس) بفتح النون، قال المصنف: ((أي: انقبض وتأخّر))(١)، يعني: الشيطان، ولكثرة هذا الوصف فيه سمّي الخناسّ في سورة الناس. (وإذا لم يذكر) أي: ((الله))، كما في نسخة صحيحة، وفي نسخة زيادة ((تعالى))، والمعنى: إذا لم يذكر الآدميّ ربّه بالإعراض عن الإلهام الملكيّ الإلهيّ (وضع الشيطان منقاره في قلبه) قال المؤلف: ((هو بكسر الميم يريد فمَه، شبهه بمنقارِ الطّائر في لقط الحبّةِ بسرعةٍ من ها هنا وها هنا))(٢). (ووسوس له) أي: للآدميّ بما يؤدي للغفلة إلى أن يذكر ربّه، وهكذا حال الآدمي معه على الدوام، والحديث بظاهره يدل على شمول الأنبياءِ عليهم السلام، ولكن عصمهم الله تعالى بدوام ذكره، وحفظهم عن وسوسة الشيطانِ وشرّه، ويؤيّده حديثُ ابن مسعود مرفوعًا: ((ما منكم أحدا إلا وقد وكل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). ١٩٠ الحرز الثمين الحصن الحصين بخير))(١)، والرواية بفتح الميم وضمها في ((أسلم)) على أنه فعل ماض، أو مضارع متكلم. هذا، وقد قال الحنفي: ((الوسوسة تعدى بـ((إلى))، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ هُمَا الشَّيْطَنُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، أي: يريد إليهما، ذكره البيهقي. والوسوسة حديث النفس))، انتهى. والصواب ما في ((القاموس)): ((الوسوسة: حديثُ النّفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خیر، کالوسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه)). (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عبدالله بن شقيق، قال ميرك: ((ظاهر إيراد الشيخ - قدس سره - يقتضي أن يكون الحديث في ((مصنف ابن أبي شيبة)) مرفوعًا، لكن أورده صاحبُ ((السلاح)) من قول عبداللّه بن شقيق موقوفًا عليه، وقال في آخره: ((رواه ابن أبي شيبة في كتاب ((فضائل القرآن))، ورواه في ((مصنفه))، ورجاله رجال الصحيح))(٢)، انتهى. فيحتمل على بُعد أن الحديث يكون في ((مصنفه)) مرفوعًا، وفي ((فضائل القرآن)) له موقوفًا، وله شاهدٌ من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: ((إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله تعالى خنس، وإن (١) أخرجه مسلم (٢٨١٤). (٢) قال ابن دقيق الإمام في سلاح الدعاء (٥٨): رواه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب فضائل القرآن وثوابه تصنيفه ورجاله رجال الصحيح. ١٩١ الحرز الثمين الحصن الحصين نسي التقم قلبه))، أخرجه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبيهقي بأسانيدَ ضعيفةٍ(١). قال المنذري: ((الخَطْم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، هو الفَمُ))(٢)، وقال في ((الحقائق)): ((الخطم: مقدّم الأنفِ والمنقارُ)). (من صلى الفجر) أي: صلاة الصبح (في جماعةٍ، ثم قعد) أي: استمرّ على حال ذكره، سواءٌ يكونُ قائمًا أو قاعداً أو مضطجعًا، والجلوس أفضلُ إلا إذا عارضه أمر كالقيام لطواف، أو الصلاة جنازة، أو لحضور درسٍ ونحوها (يذكر اللّه) حالٌ، (حتى تطلع الشمس) بضم اللام، أي: حتى ترتفع قدر رمح، حتى يخرجَ وقتُ الكراھَةِ، (ثمّ صلّى ركعتين) وتسمى هذه [الصلاة](٣) صلاةَ الإشراقِ، وهيَ أولُ صلاةِ الضّحى (كانت) أي: مثوبة فعله ذلك (له كأجر حجة) لقيامه بالفرض جماعة، (وعمرة) لأداءِ تلك السّنّة. وفيه لمذهبنا تقويةٌ، ولم أَرَ من تعرض لهذه النكتة، مع أنّ العلماء (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (٩٢)، وأبو يعلى (٤٣٠١)، والبيهقي في الشعب (٥٤٠)، وابن عدي في الكامل (١٨٦/٣)، وقال ابن كثير في التفسير (٥٣٩/٨): غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٨٠)، والضعيفة (١٣٦٧). (٢) الترغيب والترهيب (٢٥٧/٢). (٣) من (أ) فقط. ١٩٢ الحرز الثمين الحصن الحصين اتّفقوا على أن الصلاة أفضلُ من سائر العباداتِ، لكن الحج أشقّ وأصعب على النّفس، ثمّ العمرة سنّة مؤكدة، وقيل: ((فريضة))، وتلك الصلاة إنما هي سنة مستحبّة، لكن يكفي في التشبيه قدرُ هذه المناسبة. وقال الطيبي: ((التشبيه في هذا الحديث وأمثاله ليس للتّسوية، بل من باب إلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيبًا للعامل))(١). وفيه أنه لا يلائمه قوله: (تامة تامة تامة) أي: كاملةً، وذكرها ثلاثًا للمبالغةِ في تأكيد وصفِ كلٍّ من الحجة والعمرة، بأنها في مرتبتها غير ناقصة، ولا يبعد أن تكون الثلاثةُ وصفًا لـ((عمرة))؛ حيث وقعت في مقابلةِ ثلاث سننٍ من الجماعة والاستمرار وصلاة الإشراق، والله أعلمُ. قال المؤلف: ((تأكيد لتحقق ذلك وهذا وأشباهه ورد كثيرًا في الحديث، مثل قوله: ((من صام ثلاثةَ أيام من كل شهرٍ، فكأنّما صام الدهر))، وفيمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ (﴾﴾ تعدل ثلث القرآن، وهذا الأجر بغير مضاعفةٍ، بخلاف من فعل حسنةً، فإن له الأجر بالمضاعفةِ: الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفًا، إلى سبع مئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ کثیرةٍ»(٢). (ت) أي: رواه الترمذي عن أنس(٣). (١) ذكره في المرقاة (٧٧٠/٢). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). (٣) أخرجه الترمذي (٨٥٦) وقال: حسن غريب، وسألت محمد بن إسماعيل = S ١٩٣ الحرز الثمين الحصن الحصين (انقلب) بدلٌ من الجملة الجزائية الأولى، وهي (كانت له ... )) إلى آخره؛ بدليل عدم العطفِ، والمعنى: رجع ذلك الشخصُ (بأجر حجة وعمرة. ط) أي: رواه الطبراني في ((الكبير)) عن أبي أمامة(١). وروى: أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن جابر بن سمرة: ((أنه * كان إذا صلى الغدوة جلس في مصلاه، حتى تطلع الشمس))(٢). وفي ((التنبيه)) للفقيه: ((عن عمر أنه عليه الصلاة والسلام بعثَ سريةً، فتعجلت الكرة وأعظمت الغنيمةَ، فقالوا: يا رسول اللّه، ما رأينا سريةً قطّ أعجلَ كَرّة، ولا أعظم غنيمةً، من سريتك! قال: أفلا أخبركم بأعجل كرةً = عن أبي ظلال فقال: هو مقارب الحديث. لكن الحديث قد ذكره المنذري في الترغيب (١٦٤/١ -١٦٥) وذكر له شواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن - إن شاء الله -. وأبو ظلال: قال الحافظ: بكسر الظاء وتخفيف اللام اسمه هلال، ضعفوه، ولم أر فيه أحسن مما نقل الترمذي عن البخاري أنه سأل عنه؟ فقال: مقارب الحديث. نتائج الأفكار (٢/ ٣٠٢)، وقال في التقريب: ضعيف (٧٣٩٩). (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٧٥٧٨)، وفي ((الشاميين)) (١٥٤٨) و(٣٤١٢) قال الهيثمي في المجمع (١٠٤/١٠): رواه الطبراني وإسناده جيد. وأورده الألباني الصحيحة (١١٩٦). وانظر ما بعده. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) وأبو داود (١٢٩٤) والترمذي (٥٨٥)، والنسائي (٨٠/٣). ١٩٤ الحرز الثمين للحصن الحصين منهم، وأعظمَ غنيمةً؟ قالوا: نعم، قال: أقوامٌ يصلون الصبح، ثم يجلسون في مجالسهم، فيذكرون الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتين، ثم يرجعون إلى أهاليهم، فهؤلاء أعجلُ كرةً وأعظمُ غنيمةً))(١). قلت: ذلك الفضل من اللّه، وكفى بالله عليمًا، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزمه أن يقعد في مكانه الذي صلى فيه، بل له أن يتحوّل عن الصفّ إلى الموضع الذي أراد أن يجلس فيه لذكرٍ أو تلاوةٍ، أو تعلم أو تعليم، فإنّ المقصود الأصليّ إنما هو إشغال الوقت بالذكر الإلهي، ولو في بيته أو دكانه. نعم، في محلّه أكمل، وفي مسجده أفضلُ، وفيه إيماءٌ إلى أنّ المسجد كلّه مكانٌ واحدٌ، وموضعٌ [واحد](٢) متحدٌ حكمًا. (ذاكر اللّه في الغافلين) أي: فيما بينهم من المشتغلين عن اللّه بالبيع ونحوه في الأسواق وغيرها (بمنزلة الصابر) أي: الغازي المجاهد (في الفارين) أي: في الجمع الذين فرُّوا من الكفّار، ولو كان فرارُهم جائزًا لهم في بعض الصور، فإن الصبر أعلى مرتبةً؛ لأنّ اللّه مع الصابرين، والنصر مع الصبر. فالذاكر قاهر لجندِ الشيطان، وغالبٌ على المطلوب، والفارّ مقهورٌ ومغلوبٌ، قال المؤلف: ((هو بتشديد الراء، أي: الفارين من الزحف إذا (١) أخرجه أبو الليث السمر قندي في ((تنبيه الغافلين)) (٨٥٩). (٢) من (هـ) فقط. ١٩٥ الحرز الثمين الحصن الحصين التحم الحرب في قتال الكفار))(١). (ر، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في ((الأوسط))، عن ابن مسعود(٢)، وروي عن مالك قال: ((بلغني أن رسول اللّه ﴿3﴾ كان يقول: ذاكر اللّه في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين))، أورده رزين في كتابه، ذكره ميرك، ورواه الطبراني في ((الكبير) عن ابن مسعود أيضًا بلفظ الأصل. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) عن ابن عمر مرفوعًا: ((ذاكر اللّهَ في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين، وذاكر اللّه في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر اللّه في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٦/١٠) رقم (٩٧٩٧)، وفي الأوسط (٢٧١)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (٨٠/١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٣٦)، وقال في الضعيفة (٦٧٢): ضعيف جدًّا. في الإسناد محصن بن علي الفهري: روى عنه ابن طحلاء وعمرو بن أبي عمرو، وذكره ابن حبان في الثقات، واستغرب له أبو نعيم في الحلية حديث: ((ذاكر اللّه في الغافلين))، ولا يصح عنه، وقد روى عن محصن جماعة غير هذين لكن لا يصح الإسناد إليهم، وهو قليل الرواية جداً، وقال ابن القطان: ((ولا يُعرف محصن إلا به، وهو مجهول))، ولم يحكِ فيه الذهبي في الميزان غير قول ابن القطان ((التاريخ الكبير)) (٤٦/٨). ((الجرح والتعديل)) (٤٣٢/٨). ((الثقات)) (٤٥٨/٥). ((الحلية)) (٢٦٨/٤). ((بيان الوهم)) (١٤٣/٤/ ١٥٨٥) ((الميزان)) (٤٤٤/٣). ((التهذيب)) (٣٣/٤). ١٩٦ الحرز الثمين الحصن الحصين الشجر الذي قد تحات من الصريد -يعني: البرد الشديد- وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة، وذاكر اللّه في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيحِ وأعجم))، كذا في ((الجامع)) (١). وأقول: وذاكر اللّه في الغافلين بمنزلة العالم في الجاهلين، وبمنزلة الشبعان بين الجائعين، وبمنزلة الحيّ بين الأموات -أي: في المقابر- وبمنزلة السلطان بين العساكر، وبمنزلة الجوهر بين الحجر والمدر. (ما من قوم جلسوا مجلسًا) ظرف أو مفعول مطلق، أي: جلوسًا، ويؤيد الأول قوله: (وتفرقوا منه) أي: من ذلك المجلس (ولم يذكروا اللّه فيه) وهو بالواو في ((أصل الجلال)) وفي نسخة ((للأصيل))، فيحتمل العطفَ والحالَ، وأمّا على نسخة ترك الواو، فيتعين وقوعه للحال، (إلا كأنّما تفرقوا عن جيفة حمارٍ) استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي: لم يجتمع ما ذكر في حالٍ من الأحوال إلا في حالٍ تشبههم في غفلتهم بحال تفرقهم عن جيفة حمارٍ منتنة، فإنهم حيث اشتغلوا بغير ذكر الله، لا سيما إذا كان الكلام في جيفة الدنيا، فكأنهم استعملوا من أكل الحمار الميت. وفيه تنفير عن الغفلة وترهيبٌ منه، وترغيبٌ في الذكر، فإن الذاكرين يشبهون حينئذٍ بمن أكل الطيبات، واستعمل [الملذات](٢)، ثم تخصيص (١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ١٨١) وقال الألباني في الضعيفة (٦٧١): ضعيف جداً. (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): ((المستلذات)). = ١٩٧ الحرز الثمين الحصن الحصين الحمار لأنه أبلد الحيوانات، قال المصنّف: ((أي: عن نتنها وقبحها، والجيفة جثة الميت))(١)، زاد في ((النهاية)): ((إذا أنتن))، ومجمله أنه شبه مجلس الغفلة بالجيفة، والتفرقَ عنه بالتفرق عنها في الجملة، قيل: ((وضمن ((تفرقوا)) معنى ((تجاوزوا)) أي: بعدوا، فَعُدِّيَ بـ(عن)). (وكان) أي: ما ذكر من الجلوس والتفرق وعدم الذكر، أو ذلك المجلس، كما في رواية، قيل: وكان الأمر (عليهم حسرةً يوم القيامة) وفي نسخة برفع ((حسرة)) على أن ((كان)) تامة، أي: وقع عليهم حسرة وندامة حين لا تنفع الندامة. : (مس، د، ت، حب، أ، س) أي رواه: الحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وأحمد، والنسائي، عن أبي هريرة (٢)، وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم))، وقال الترمذي: ((حسن صحيح))، وفي تقديم الحاكم إشارةٌ إلى أنّ لفظ الحديث له، لكن تأخير النسائيّ عن الكلّ لا يظهر له وجهٌ؛ إذ مقتضى الترتيبِ السابقِ أن يُذْكَرَ بعد الترمذي. قال ميرك: ((ولفظ الترمذي: ((ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم)»، وقال: ((حسن صحیح)))). (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). (٢) أخرجه أحمد (٣٨٩/٢ و٥١٥/٢ و٥٢٧/٢)، وأبو داود (٤٨٥٥) ومن طريقه البيهقي في ((الآداب)) (٢٥٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٦٩)، وابن حبان (٥٩٠) والحاكم في المستدرك (١ / ٤٩٢). ١٩٨ الحرز الثمين الحصن الحصين أقول: وكذا رواه ابن ماجه (١) عن أبي هريرة وأبي سعيد، والمعنى: إن شاء عذبهم على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بالمعصية، ولفظ أبي داود، والحاكم - على ما في ((الجامع)) -: ((ما من قوم يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة)). وروى الطبراني والبيهقي والضياء عن [سهيل](٢) بن حنظلةَ مرفوعًا: «ما جلس قوم يذكرون الله تعالی، فیقومون حتی یقال لهم: قوموا، قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدّلت سيئاتكم حسناتٍ)) (٣). (١) قوله ابن ماجه فيه نظر وإنما هو الترمذي (٣٣٨٠ - نسخة بشار) وذكره المزي في التحفة (١٢١٩٨). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((سهل)). وسهل بن الحنظلیة وهو سهل بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة، وأمه من بني تميم، ثم من بني حنظلة، فنسب إلى أمه، فقيل ابن الحنظلية، شهد أحدًا والخندق والمشاهد مع رسول الله ﴾، ثم تحول إلى الشام، فنزل دمشق حتى مات بها. انظر: الطبقات الكبرى (٧/ ٤٠١) معجم الصحابة للبغوي (٩٦/٣)، أسد الغابة (٣٨٧/٢)، تهذيب الكمال (١٢ / ١٨١)، الإصابة (٨٦/٢)، التقريب (٢٦٥٥). (٣) أخرجه الطبراني (٢١٢/٦) رقم (٦٠٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٦/١٠): فيه المتوكل بن عبد الرحمن والد محمد بن أبي السري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. ١٩٩ الحرز الثمين الحصن الحصين ورواه الحاكم والضياء عن أنس، ولفظه: ((ما جلس قوم يذكرون اللّآن تعالى إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم»(١). (وما مشى أحدٌ) عطفٌ على قوله: ((ما من قوم))، فهو من جملة الحديث السابق باعتبار بعض الرموز الآتية، فكأنه قال: زاد النسائي، وأحمد، وابن حبان: ((وما مشى أحد))، (تَمْشَى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية، أي: مشيًا أو مكانه أو زمانه (لم يذكر) أي: ذلك الأحد (اللَّ فيه) أي: في ممشاه (إلا كان عليه تِرَة) بكسر الفوقية وتخفيف الراء منصوبة، وفي نسخة بالرفع، وفي نسخة: ((تَبْعة)) بفتح فسكون، وهي: معنى ترة، أو معناها: حسرة أو نقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٥]، أي: لن ينقصَكم من أعمالكم. وقال المصنف: ((الترة: النقص، وقيل: التبعة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، مثل: وعدته عدة، ويجوز رفع ((ترة)) ونصبها على اسم كان وخبرها))(٢). (وما أوى أحدٌ) بفتح الهمزة، وفي نسخة بمدّها، ففي ((النهاية)): ((يقال: (١) وعزوه للحاكم والضياء فقط قصور منه رحمه الله فقد أخرجه. أحمد في المسند (١٤٢/٣). وأبو يعلى (٤١٤١) والبزار (٦٤٦٧). وقال الحافظ العراقي: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف من حديث أنس. ((المغني عن حمل الأسفار)) (٩٣١). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ ب). ٢٠٠ الحرز الثمين الحصن الحصين أَوَى وآوَى بمعنَّى واحدٍ، والمقصور منه لازم ومتعدّ))، يعني: والممدود لا يكون إلا متعديًا، فيحتاج إلى تقدير مفعولٍ في الحديث؛ بأن [يقال](١). ما آوى أحد نفسه؛ ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في: ((إذا أوى))، (إلى فراشه) بكسر الفاء، أي: إذا جاءه (لم يذكر اللّه فيه) صفة لـ(أحد))، وقيل: ((حال))، أي: حال كونه لم يكن ذاكرًا للّه في حال مأواه، وفي منقلبه إلى مثواه (إلا كان عليه تِرَة) وكان يقول الصديق الأكبر: ((ليتني كنت أخرسَ إلا عن ذكر اللّه)). (س، أ، حب) أي رواه: النسائي، وأحمد، وابن حبان، عن أبي هريرة(٢) أيضًا هذه الزيادة المتقدمة المتأخرة عن الحديث الأول، فتأمل. وقدّم (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((يقدر)). (٢) أخرجه أحمد (٤٣٢/٢)، والحاكم (١ / ٥٥٠) النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٠٦)، والطبراني في «الدعاء)) (١٩٢٧). وأخرجه ابن حبان (٨٥٣) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فأسقط منه أبا إسحاق، والمحفوظ من حديث ابن أبي ذئب وجوده في الإسناد، ولعل الوليد دلسه، فقد كان يدلس تدليس التسوية. وليس عند النسائي: ((وما من رجل أوى إلى فراشه)). قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن، أخرجه النسائي في الكبرى وجعفر الفريابي في الذكر جميعاً عن عمرو بن علي الفلاس. وأخرجه الطبراني في الدعاء من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي نتائج الأفكار (٩٥/٣).