النص المفهرس
صفحات 161-180
= ١٦١ الحرز الثمين الحصن الحصين وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب ((القواعد)): ((هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر التعب في جميع العبادات، بل قد يأجر الله تعالى على قليل من الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإن الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف». قال الحنفي: ((ولا يناسبه ما وقع من حديث ابن عباس: ((سئل رسول الثَّ ﴾: أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((أحمزها))(١) - أي: أشدها وأقواها - وهذا الحديث مذكور في الكتب الكلامية في بحث تفضيل الأنبياء على الملائكة». قلت: هو منسوب في ((النهاية)) إلى ابن عباس موقوفًا، وضبطه بالمهملة والزاي، وذكره الجلال السيوطي في ((الدرر المنتثرة)) بلفظ: ((أفضل العبادات أشدها))، وقال: ((لا يعرف))، وكذا ذكره الزركشي أنه لا یعرف، أي: عن النبي څ﴾، أو عن ابن عباس موقوفًا بسند معروف، وعلى تقدير صحته يحمل على ما لم يكن فيه نصٌّ من الشارع. ثم اعلم أن خيرية الذكر وأرفعيته لأجل أن سائر العبادات المالية والبدنية الشاقة؛ من إنفاق الذهب والفضة، وملاقاة العدو والمقاتلة، (١) قال الزركشي في ((الأحاديث المشتهرة)): «لا يُعرف له أصل)). وقال المزي: ((هو من غرائب الأحاديث، ولم يرو في شيء من الكتب الستة)). وقال ابن القيم في ((مدارج السالكين)): ((لا أصل له)). انظر: مدارج السالكين (١٠٦/١)، و((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) (ص ٧٠)، ((المقاصد الحسنة)) (ص ١٣٠). ١٦٢ الحرز الثمين الحصن الحصين إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى، والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرىّ﴾ [طه: ١٤]، و ((أنا جليس من ذكرني)). فالذكر لب العبادات والطاعات، وأفضل أنواعها القرآن؛ لما ورد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : (يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه(١)). ففيه إيماء إلى أن ذكره بكلامه القديم أفضل من ذكره بكلام [الحادث](٢)، وأيضًا القرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه، وحسن معانيه، والعمل بما فيه، فلا شك أنه يكون حينئذٍ أفضل من مجرد الذكر، ولو ورد: «أفضل الذكر لا إله إلا اللّن)(٣)، مع أنه من جملة القرآن؛ ولذا جاء في كثير من الأحاديث ما يدل (١) أخرجه الترمذي (٢٩١٣)، والحاكم في المستدرك (١ /٥٥٤) وقال صحيح الإسناد ورده الذهبي في التلخيص قال: قابوس لين. و قابوس بن أبي ظبيان قال عنه الحافظ في ((التقريب)): وفيه لين ((التقريب)) (٥٤٨٠). (٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((حادث)). (٣) أخرجه ابن ماجة (٣٨٠٠) والترمذي (٣٣٨٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣١) وقال قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى علي بن المديني، وغير = ١٦٣ الحرز الثمين الحصن الحصين على أن تعلم العلم وتعليمه أفضل من الذكر المجرد، بل من سائر الطاعات والعبادات: منها: حديث ابن عباس: ((تدارس العلم ساعة من الليل [خير](١) من إحيائها))(٢)، وحديث عائشة: ((فضل في علم خير من فضل في عبادة))(٣)، واحد، عن موسى بن إبراهيم هذا الحديث. قال ابن عبد البر في «التمهید» (٦/ ٤٣) ربما وقفه على جابر وقد روی من غیر هذا الوجه عن جابر مرفوعاً. والحديث احتج به: ابن رجب في ((كلمة الإخلاص)) (ص ٦٢) قال المنذري: رواه ابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم كلهم من طريق طلحة بن خراش عنه وقال الحاكم صحيح الإسناد ((الترغيب والترهيب)) (٢/ ٢٦٧). والحافظ في ((الفتح)) (٢٠٧/١١): صححه ابن حبان والحاكم. وفي ((نتائج الأفكار» (٥٨/١) قال: حسن. وقال الحافظ في ((النتائج)) (٥٩/١): ولم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات. قال يخطئ وهذا عجيب منه لأن موسی مقل فإذا كان يخطئ من قلة روايته فكيف يوثق و يصحح حديثه فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث من فضائل الإعمال. (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ): ((أفضل)). (٢) أخرجه الدارمي (٢٧١) وضعفه الألباني في المشكاة (٢٥٦). (٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٣٦٧). وأخرجه أيضًا: ابن حبان في الضعفاء (٢٦٩/٢، ترجمة ٩٥٥) محمد بن عبد الملك أبو عبد الله الأنصاري، وقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات. وابن عدي ١٦٤ الحرز الثمين الحصن الحصين وحديث عبد الله بن عمرو: ((أن رسول الله ﴾ مر بمجلسين في مسجده، فقال: كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون اللّه ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم))(١). ومنها: ما رواه الحسن البصري مرسلًا، قال: ((سئل رسول اللَّهُ لَّ عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالمًا يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول اللّه : فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على الذي يصوم النهار ويقوم الليل؛ كفضلي على أدناكم))(٢)، = (٦/ ١٦٠ ترجمة ١٦٤٩) محمد بن عبد الملك الأنصاري، وقال بعد أن ذكر الحديث وغيره: هذه الأحاديث عن الزهري عن عروة عن عائشة بهذا الإسناد مناکیر. (١) أخرجه الطيالسي (٢٢٥١)، والبزار (٢٤٥٨)، والحارث كما في البغية (٤٠) وابن ماجه (٢٢٩)، قال البوصيري (٣٢/١): هذا إسناد فيه بكر وداود، وعبد الرحمن، وهم ضعفاء. وفي الحديث أن النبي ﴾ دخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون ... فذكره. (٢) أخرجه الدارمي (٣٥٢) قال: أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن = ١٦٥ الحرز الثمين الحصن الحصين وفيه غاية من المبالغة؛ لأنه لو قال: على أعلاكم، لكان كفئ به فضلًا، والخطاب إلى الصحابة، ولو جُعِلَ للأمة فهو أبلغ في مزية الرتبة. (ت، ق، مس، أ) أي أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد عن أبي الدرداء(١). (ما صدقة أفضل من ذكر الله) ((ما)) نافية، بمعنى ((ليس))، و((أفضل)) منصوب على أنه خبرها، و((مِن ذِكْرِ اللَّ)) صلة [((أفضل))](٢)، ثم الصدقة: العطية التي يراد بها المثوبة من عند اللّه، سميت بها لأنه يظهر بها صدق رغبة صاحب الصدقة في تلك المثوبة، ولعله 8# جعل الذكر صدقة غير متعارفة، ثم رجحه على الصدقة المتعارفة، فكأن الذاكر بذكره يحسن إلى نفسه، ویرید المثوبة من ربه. وقيل: ((المراد بالصدقة هنا مطلق الأعمال الصالحة، ففي الجملة فيه = الحسن وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع: ما عرفنا للأوزاعي رواية عن الحسن وهو مرسل أيضًا. (١) أخرجه أحمد (١٩٥/٥)، وابن ماجة (٣٧٩٠)، والترمذي (٣٣٧٧) والحاكم (٤٩٦/١) قال أبو عيسى الترمذي: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد اللّه بن سعید مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله. قال الحاکم: صحيح الإسناد. وقال ابن عبد البر: وهو مسند جيد، عن أبي الدرداء، وعن النبي ﴿﴾. وحسنه البغوي في شرح السنة، والمنذري في الترغيب والترهيب. (٢) كذا في (أ) و(هـ)، وفي (ب) و(ج) و(د): ((أفعل)). ١٦٦ الحرز الثمين الحصن الحصين تسلية للذاكرين من الفقراء الصابرين)). (طس) أي: رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عباس(١). (إن الله ملائكة) أي: جماعة من المقربين، قال المؤلف: ((هؤلاء الملائكة غير الحَفَظة المراقبين مع الخلائق، بل هم سيّارة لا وظيفة لهم، ومقصودهم حِلَقُ الذُّكْر))(٢). (يطوفون) أي: يدورون (في الطرق) أي: طرق تحصيل الذكر، (يلتمسون أهل الذكر) أي: يطلبونهم؛ ليزوروهم ويدعوا لهم، (فإذا وجدوا) أي: بعضهم (قومًا يذكرون الله عز وجل تنادوا) أي: نادى بعضهم بعضًا (هلمّوا) أي: تعالوا (إلى حاجتكم) وفي رواية الترمذي: (بغيتكم))، أي: مبتغاكم ومطلوبكم، قال العسقلاني: ((هلموا - في هذا الحديث - ورد على لغة أهل نجد))، انتهى(٣). يعني: والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، فأهل نجد يصرفونها على ما في ((الصحاح))، وفي ((النهاية)): ((أهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظٍ واحدٍ، وبنو تميم تثني، وتجمع، وتؤنث، وتذكر)) (٤). (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٧٣) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد ٧٤/١٠). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ). (٣) فتح الباري (١١ / ٢١٢). (٤) النهاية (٥/ ٢٧٢). ١٦٧ الحرز الثمين الحصن الحصين وأصل ((هلمّ)) هَا لُمَّ، أي: من ◌َّ اللهَ شعثك، أي: جمع تفرقك، كأنه أراد: لُمَّ نفسك إلينا، أي: اقرب لدينا، و((ها)) للتنبيه، وإنما حذف ألفها للتخفيف وكثرة الاستعمال، فجعلا اسمًا واحدًا. (قال) أي: النبي ﴾ (فيحفونهم) بضم الحاء [المهملة](١) وتشديد الفاء، أي: يحيطونهم (بأجنحتهم) فالباء للاستعانة، أو للتعدية، فالمعنى: يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال المؤلف: ((أي: يطوفون بهم، ويستديرون حولهم))(٢). (إلى السماء الدنيا) أي: إلى نهاية غايتها، فيكونون متشبهين بالملائكة الحافّین من حول العرش؛ يسبحون بحمد ربهم. (الحديث) [بالتثليث](٣)، وتمامه على ما رواه البخاري: ((فيسألهم ربهم -وهو أعلم منهم -: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول عز وجل: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: (١) من (أ) فقط. (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/أ). (٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((بالمثلثة)). ١٦٨ الحرز الثمين الحصن الحصين فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها](١) كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: يقول: فمم يتعوذون؟ [قالوا](٢): يتعوذون من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، واللّه [يا رب](٣) ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها](٤) كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة! قال: [يقول](٥): هم القوم لا يشقى بهم جلیسهم)). (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة (٦)، ولفظه للبخاري. ولفظ مسلم: ((إن لله ملائكة سيارة فُضْلًا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ، قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا)). ولفظ الترمذي: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن الناس)). (١) من (هـ) فقط. (٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): ((قال))، وفي (هـ): ((قال: فيقولون)). (٣) من (هـ) فقط. (٤) من (هـ) فقط. (٥) من (ج) فقط. (٦) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩) والترمذي (٣٦٠٠) ١٦٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (مثل الذي يذكر ربه) أي: دائمًا أو أحيانًا (والذي لا يذكر ربه) أي: مطلقًا أو أحيانًا، في حال ذكرهما وغفلتهما (مثل الحي والميت). والحاصل: أن الذكر حياة [قلب](١) السالك، والغفلة [موته](٢)، ويمكن أن يراد بهما المؤمن والكافر، وكان [النبي](٣) ﴾ إذا رأى عكرمة بن أبي جهل قرأ: ﴿ُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ﴾ [يونس: ٣١](٤)، فيفيد الحديث أن الذكر شكر وإيمان، والغفلة كفر وكفران. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ولفظه للبخاري(٥). ولمسلم: (([مثل](٦) البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)»، أي: مثل قلبهما، أو مثل مكانهما؛ ولذا ورد: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا)) (٧)، أي: خالية عن الذكر. وقيل: ((الحي ظاهره مزين بنور الحياة، والتصرف التام فيما يريد، (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((لقلب)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((موت)). (٣) من (د) فقط. (٤) لم أقف عليه وأورده الشارح في المرقاة (٢٩٦٦/٧) (٥) أخرجه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩). (٦) من (هـ) و((صحيح مسلم)) فقط. (٧) أخرجه أحمد (٣٦٧/٢)، وأبو داود (٢٠٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٦٢). صححه النووي في ((الأذكار)) (ص٩٣)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٧٢٢٦). ١٧٠ الحرز الثمين الحصن الحصين وباطنه منور بنور العلم والإدراك. وكذا الذاكر [مزين ظاهره](١) بنور الطاعة، وباطنه بنور المعرفة [والعلم](٢)، وغير الذاكر ظاهره عاطل، وباطنه باطل، كالميت)). وقيل: ((موقع التشيبه النفع لمن يواليه، والضر لمن يعادیه، وليس ذلك في الميت)). وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرفوعًا: ((مثل المؤمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مونقًا -أي: معجبًا- ومثل الفاجر كمثل القبر المشرف المجصص، يعجب من [رآه](٣) وجوفه ممتلئ نَتْنَا))(٤). (لا يقعد قوم يذكرون الله) وفي نسخة: ((تعالى)) (إلا حفتهم) بتشديد الفاء، أي: طافت بهم (الملائكة) اللام للعهد، والمراد بهم الملتمسون، (وغشيتهم) بكسر الشين، أي: غطتهم (الرحمة، ونزلت عليهم السكينة) أي: السكون، والوقار، والطمأنينة. وقال المؤلف: ((أي: الرحمة، وقيل: ((الوقار والسكون والخشية))، وقيل غير ذلك))(٥). ثم يجوز أن يُقْرَأَ: ((عليهم السكينة)) بكسر الهاء والميم، وبضمهما، (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((ظاهره مزين)). (٢) من (هـ) فقط. (٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((يراه)). (٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٥٤٠) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٣٠) قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، إبراهيم هذا هو ابن محمد بن أبي یحین الأسلمي، وهو متروك. (٥) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ). ١٧١ الحرز الثمين الحصن الحصين وبکسر فضم، وهو الأشهر. (وذكرهم اللَّ) أي: للمباهاة (فيمن عنده) أي: [من](١) الملائكة المقربين الذين قالوا: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. [وجه](٢) المفاخرة بهم أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق = لا يغفلون عن ذكره، ويقومون بوظيفة شكره. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا (٣). (يا رسول الله) وفي رواية الترمذي: ((أن رجلًا قال: يا رسول اللّن)» (إن شرائع الإسلام) بهمز قبل العين، أي: شعائره وعلاماته من النوافل الدالة على صدق إسلام المسلم (قد كثرت عليّ) بفتح المثلثة، أي: غلبت عليّ لكثرتها، وفي نسخة بضمها، أي: تعددت وبلغت حَدَّ الكثرة التي عجزت عن عهدة جميعها، وتحيرت في اختيار بعض أفرادها، حيث لم أعرف [منها] (٤) ما أفضلها. (فأنبئني) و[معناه](٥) لفظ الترمذي: ((فأخبرني)» (بشيء) أي: معتبر (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((في). (٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): ((ووجه)). (٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٠)، والترمذي (٣٣٧٨)، وابن ماجه (٣٧٩١٩). (٤) من (أ) فقط. (٥) من (ج) و(د) فقط. ١٧٢ الحرز الثمين الحصن الحصين من الشرائع، وقيل: ((معناه: بعمل قليل له ثواب جزيل))، وفيه: أنه لا يطابق الجواب الجميل (أتشبّث) بتشديد الباء الموحدة ورفع المثلثة، أي: أتعلق [وأتمسك](١) (به) فهو صفة لـ ((شيء)، وفي نسخة بالجزم على أنه جواب الأمر (قال: لا يزال لسانك) أي: [القلبي] (٢) الملائم لقوله: ((لا يزال))، أو [اللساني](٣) مبالغة، أو بحسب الوسع والطاقة، أو الجمع بينهما؛ فهو نور على نور، وسرور على سرور (رطبًا) أي: لينًا ملازمًا قريبًا للعهد (من ذكر الله)، وهذا المعنى هو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ آُذْكُرُواْاللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (جَ﴾﴾ [الأحزاب: ٤١]. (ت، ق، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة من حديث عبدالله بن بُسْر، بضم موحدة وسكون مهملة (٤). (آخر كلام فارقت عليه رسول اللّه ﴿1) أي: حين أرسلني إلى اليمن (١) من (هـ) فقط. (٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((القلب)). (٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((اللسان)). (٤) أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٣)، والترمذي (٢٣٢٩) و(٣٣٧٥)، (١٣٥٧)، وابن حبان (٨١٤)، والحاكم (٤٩٥/١). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. قال النووي في ((الرياض)) (٤١٣/١) وفي ((الأذكار)) (١٤/١): قال الترمذي: حديث حسن. قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) (١: ٩٠) حسن. ١٧٣ الحرز الثمين الحصن الحصين (أن قلت) ((أن)) مصدرية، أي: قولي هذا: (أيّ الأعمال) أي: أي نوع من أنواعها (أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللّة تعالى) الواو للحال، والمعنى: هو موتك بعد دوام حياتك حال ملازمتك [ذكر](١) الله تعالى. قال المؤلف: ((قوله: رطب، أي: لين ملازم، يريد: قرب العهد))، انتهى. وفيه إيماء إلى أن زبدة الأعمال هو ذكر الله تعالى، وأن مداره على حسن الخاتمة، كما يدل عليه ما ورد: ((ما من عبد قال: لا إله إلا اللّهَ، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة))، = وإشعارٌ بأن ملازمة الذكر في حال الحياة سبب لحصوله وقت الممات؛ لما روي: ((كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون)). (حب، ر، ط) أي رواه: ابن حبان، والبزار، والطبراني في ((الكبير)) عن معاذ بن جبل (٢). (قلت) أي: وقت توجهي إلى اليمن، والظاهر أن هذا قاله أولًا ليقع ما سبق آخرًا: (يا رسول اللّه، أوصني، قال: عليك بتقوى الله) ((علیك)) اسم (١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((لذكر)). (٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٠٦/٢٠) رقم (٢٠٨) وابن حبان (٨١٨). قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة الدمشقي وغيره، وبقية رجاله ثقات. («مجمع الزوائد» (٧٤/١٠). ١٧٤ الحرز الثمين الحصن الحصين فعل بمعنى خذ، أي: الزمها ودم عليها (ما استطعت) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأما قوله سبحانه: ﴿آَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقيل: ((منسوخ، والمحققون على أن حق [تقاته] (١) تقواه هو ما يجب منها من استفراغ الوسع في القيام بالواجب، والاجتناب عن المحارم، فيرجع إلى قوله: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾)). وأما ما روي عن ابن مسعود في تفسيره: «هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى))، فقد رواه الحاكم مرفوعًا، وكذا ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وصححه المحدثون(٢)، فيكون محمولاً على (١) من (هـ) فقط. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٧٢٢/٣) رقم (٣٩٠٨). رواه الطبري في ((التفسير)) (٢٨/٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٥٠١/٩٢/٩)، وعنه: رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٣٨/٧)، وابن المنذر في ((التفسير)) (٧٦٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٩٤/٢). وقد روي هذا الحديث عن زبيد بن الحارث واختلف عنه. فقيل: زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود موقوفاً ومرفوعاً. قال ابن رجب: ((والموقوف أصح))، وقال: ((المشهور وقفه))، والدار قطني في (العلل)) (٢٧٤/٥ س ٨٧٦) وسئل عن حديث مرة الطيب، عن عبد اللّه في قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ویذکر فلا ينسى. فقال: يرويه زبيد، عن مرة، عن عبد الآن. = ١٧٥ الحرز الثمين الحصن الحصين حال الكمال، وقال بعض العارفين: ((هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها)). (واذكر الله عند كل حَجَر وشَجَر) إيماء إلى ما قيل في مقام المشاهدة: وفي كلِّ شيءٍ له شاهدٌ دليلٌ على أنَّهُ واحدُ (وما عملتَ من سوء) أي: معصية أو غفلة، فـ((ما)) موصولة متضمنة للشرط، و((من)) بيانية، أو شرطية، و((من)) زائدة أو تبعيضية (فأحدث) أي: جدِّد (الله) أي: خالصًا (فيه) أي: في حق ذلك السوء أو لأجله (توبة) أي: رجوعًا بالندامة. (السر بالسر) أي: الرجوع المخفي في السوء المخفي، فـ((السر)) منصوب على أنه بَدَلُ كُلَّ مِنَ ((التوبة)) وتفصيل لها، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: السوء المخفي يقابل [بالرجوع](١) المخفي. وكذا قوله: (والعلانية بالعلانية) بتخفيف الياء خلاف السر، ويستفاد = وخالفه عمرو بن مرة، فرواه عن مرة، عن الربيع بن خثيم قوله، قيل للشيخ مرة الهمداني، قال: نعم هو مرة بن شرحبيل الطيب الهمداني نبيل جليل. وقال ابن كثير: ((وهذا إسناد صحيح موقوف))، والله أعلم ((التفسير)) (٢/ ٧١). وقال الزيلعي روي موقوفا ومرفوعا كما قاله المصنف والأكثر على وقفه ((تخريج الكشاف)) (١/ ٢١٠). (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((الرجوع)). ١٧٦ الحرز الثمين الحصن الحصين منه أنه ينبغي أن تقع التوبة على منوال المعصية؛ إن سرًّا فسرًّا، وإن جهرًا فجهرًا، والظاهر أنه أمر استحباب، والسر فيه ظاهر. (ط) أي: رواه الطبراني في ((الكبير)) عن معاذ(١). (ما عَمِلَ آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر اللّة) ((ما)) نافية، و((عملًا)) مفعول مطلق، أو مفعول به، على أن ((عَمِلَ)) بمعنى كسب، أي: فعل عملا من أعمال البر. و((أنجى)) أفعل تفضيل من الإنجاء، لا من النجاة؛ لأن النجاة بمعنى الخلاص، والمعنى هنا على التخليص، وهو معنى الإنجاء، وبناء أفعل التفضيل -على هذا الوزن- من باب الإفعال قياسي عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع، کقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأنت أكرم لي من فلان، وهو عند غيره سماعي مع كثرته. ونقل عن المبرّد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من جميع المزيد فيه، كـ((أفعل)) و((استفعل)) وغيرهما، [كذا](٢) أفاده الشيخ الرضيّ. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٥٩/٢٠) رقم (٣٣١) ((معجمه الصغیر» (٩٤٩)، وفي ((الدعاء)) (١٨٥٨). وقال الطبراني: لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد تفرد به يعقوب القمي. قال الهيثمي (١٠/ ٣٠١): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد وثق هو وبقية رجاله. (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((كما)). ١٧٧ الحرز الثمين الحصن الحصين ثم ((من)) الأولى للتعدية، والثانية تفضيلية، و((آدمي)) منسوب إلى آدم، والمعنى: ما عَمِلَ ولا يعمل فرد من أفراد بني آدم من الأنبياء، والأصفياء، وغيرهم من الأولياء والصلحاء = عملًا يكون أكثر إنجاءً من عذاب الله له يوم القيامة من ذكر اللّه. قال الحنفي: ((ولا شك أن آدم الشَّيْئ أبا البشر داخل في هذا الحكم)). قلت: فالمراد بالآدمي النوع الإنساني، أو يحمل على التغليب، أو على دخوله بالأولى. (ط، أ، مص) أي: رواه الطبراني في ((الكبير))، وأحمد، وابن أبي شيبة، [عن معاذ](١)، فأما أحمد فقد انتهى حديثه، وأما حديثهما فله تتمة (٢)، (١) من (أ) فقط. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٧٣٣) وأحمد (١٩٥/٥) والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٥٦)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦/ ٥٧) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن معاذ، قال: قال رسول اللّه ﴿﴾. ((ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله)) قالوا: يا رسول اللّه، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل اللّه، إلا أن تضرب. بسیفك حتى ينقطع ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ینقطع) واقتصر الطبراني على أوله. وطاووس لم يسمع من معاذ. وروي مرة أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: عن أبي الزبير أنه بلغه عن معاذ، فذكره موقوفاً، وهو عند جعفر الفريابي في ((الذكر)) كما في ((نتائج الأفكار)) لابن حجر (١ / ٩٧). ١٧٨ الحرز الثمين الحصن الحصين وهي (قالوا: ولا الجهاد في سبيل اللّه) بنصب الجهاد في الأصول المصححة عطفًا على ((عملًا))، أي: ولا عَمِلَ الآدمي الجهادَ حال كونه أنجى له ... إلى آخره، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: وليس الجهاد في [سبیله](١) أنجی له. (قال: ولا الجهاد في سبيل اللّه) بالوجهين (إلا أن يضرب) أي: إلا أن يجاهد الكفار (بسيفه) أي: ونحوه من سلاحه (حتى ينقطع) من باب الانفعال، وفي نسخة صحيحة: ((حتى يقتطع)) من باب الافتعال، أي: [ينكسر](٢) السيف، وهو أقرب، وبالرواية الآتية أنسب، أو ينقطع الجهاد أو الكافر أو الضارب، وهو كناية عن الشهادة، وهو أظهر في مقام المبالغة في حصول السعادة. وقال الحنفي: ((حتى ينقطع المجاهد أو الكافر، أو الضرب أو السيف)). كذا قاله في ((أصل الأصيل))، وسائر الأصول المعتمدة خلافًا ((لنسخة الجلال))، أي: قال # هذا القول، وهو ((ولا الجهاد ... )) إلى آخره، أو ((إلا أن يضرب))، أو ((حتى ينقطع)) (ثلاث مرات)، وأما على ((نسخة الجلال)) ((فثلاث مرات)) ظرف لـ((قال: ولا الجهاد ... )) إلى آخره، والمراد بالإعادة زيادة المبالغة. قال المؤلف رحمه الله: ((قوله ((ولا الجهاد))، يعني - والله أعلم -: (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((سبيل اللَّ)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((يتكسر). ١٧٩ الحرز الثمين الحصن الحصين الجهاد المجرد عن الذكر، [يبينه](١) قوله :﴿﴾(٢): ((إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَهُ»، أي: حال القتال، والقِرْن: بكسر القاف وإسكان الراء، هو الكفء في الشجاعة، فهذا المجاهد الذاكر أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، [والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل](٣)، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاکرون»(٤)، انتھی. وكذا الحال في سائر الأعمال، قال الحنفي: ((الاستثناء يدل على أن الجهاد الخاص - وهو أن يضرب بسيفه - أنجى من الذكر، وهذا لا يلائم ما سبق من قوله : ((ألا أخبركم بخير أعمالكم ... )) الحديث، وكذا لا يناسب ما ذكره المصنف آنفًا من أن المراد: الجهاد المجرد من الذکر؛ إذ لا شك في أنه لا جهاد مجردًا أصلًا أنجی من الذكر)). قلت: ليس مراد المصنف أن الجهادَ المجرّد أنجى من الذكر؛ إذ صرَّح بضده حيث قال: ((والذاكر بلا جهادٍ أفضل من المجاهدِ الغافل))، وإنما أراد أنّ قوله: ((ولا الجهاد)) محمول على الجهاد المجرد، والمراد بالمستثنى: الجهاد المنضمّ إلى الذکر، کما بينه بأنه الأفضل. (١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((ببينة))، وفي (هـ): ((بينه)). (٢) يعني: في الحديث القدسي. (٣) من (أ) و(ج) و(هـ) و ((مفتاح الحصن الحصين)) فقط. (٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ). ١٨٠ الحرز الثمين الحصن الحصين والأظهر أن يراد بقوله: ((الجهاد)) أعم من المجرد والمنضمّ، والمراد بالمستثنى: الأخير، بقرينة ما سبق من الحديث، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، ويرتفع الإشكال الوارد من حديثٍ يعارض الحديث المذكور بحسب الظاهر، حتى قال الحنفي: ((بينه وبين ما ذكره المصنف تدافعٌ، ولا بد فيه من القول بترجيح أحدهما على الآخر، أو من القول بوهم راوٍ من رواة أحدهما، وهو أنه روى ابن أبي الدنيا، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((إنّ لكل شيءٍ صقالةً، وصقالة القلوب ذكر اللّه، وما من شيءٍ أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع))، واللفظ للبيهقي، وفي رواية: ((ولا أن يضرب ... )) إلى آخره(١). وروى الترمذي عن أبي سعيد: ((أن رسول اللّهَ ﴿ سئل: أيّ العباد أفضلُ (١) أخرجه البيهقي في الدعوات (١٩). وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٩٨٧) موضوع وقال: سكت عنه البيهقي، وليس له ذلك؛ فقد ذكر في ((المقدمة)) أنه اقتصر على ما لا يغلب كونه كذباً؛ وليس هذا من هذا القبيل؛ فإن سعيد بن سنان - وهو أبو مهدي الحمصي - ضعيف جداً؛ كما يشعر بذلك قول البخاري: ((منكر الحديث)). والنسائي: ((متروك الحديث)). وقال الحافظ: متروك. ورماه الدار قطني وغيره بالوضع. ومن طريقه: رواه ابن أبي الدنيا أيضاً؛ كما في ((الترغيب)) (٢٢٨/٢)، وصدره بلفظة: (عن))؛ فما أصاب ولا أحسن!