النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الحرز الثمين للحصن الحصين
وقال الحنفي: ((اعلم أنه إذا ازداد العمر بالبر كصلة الرحم مثلًا،
فيكون رد القضاء بغير الدعاء أيضًا، فلا يصح أنه لا يرد القضاء إلا
الدعاء، فلا بد أن يكون [هذا](١) الحصر على سبيل المبالغة والادعاء)).
أقول: الظاهر أن المراد بالقضاء في قوله: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء))
قضاء البلاء لا مطلق القضاء، ويؤيده رواية أبي الشيخ في ((الثواب)) عن
أبي هريرة: ((الدعاء يرد البلاء))، مع أن البر بمعنى الطاعة يشمل الدعاء؛
فصح قوله: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)) من غير دعوى الادعاء، ولا ينافيه
حينئذٍ ما ورد من قوله: ((الصدقة ترد البلاء، وتزيد العمر)).
(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي وابن ماجه عن سلمان، وابن
حبان والحاكم في ((مستدركه)) عن ثوبان، لكن في روايتهما: ((لا يرد
القدر))، كما نقله صاحب ((السلاح)) عنهما، وفي ((الترغيب)) للمنذري
عن ثوبان قال: قال رسول اللّه 438: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في
العمر إلا البر، وإن الرجل لُيُحرمُ الرزق بالذنب يذنبه)). رواه ابن حبان،
والحاكم، واللفظ له، وقال: ((صحيح الإسناد))، وذكره السيوطي في
((الجامع الصغير))، وقال: ((رواه: الترمذي [وقال: حسن غريب](٢)
والحاكم عن سلمان(٣)، ورواه الحاكم عن ثوبان، ولفظه: ((الدعاء يرد
(١) من (هـ) فقط.
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٧/٥ و٢٨٠ و٢٨٢)، وابن ماجه (٩٠) و (٤٠٢٢)،
=

١٤٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد لُيُحرمُ الرزق بالذنب
یصیبه))(١).
(لا يغني) أي: لا ينفع ولا يدفع (حذر) أي: احتراز واحتراس (من
قدر) بفتح الدال ويسكن، أي: مما قدره الله وقضاه من أنواع بلاياه
(والدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل، ونفعه إما بالصبر، وإما بالرفع
(ومما لم ينزل) أي: ويريد النزول [إما](٢) بالتهوين، أو بالدفع.
(وإن البلاء لينزل) أي: ليريد النزول (فيتلقاه) وفي نسخة صحيحة:
(يتلقاه))، وفي نسخة: ((ثم يتلقاه)) (الدعاء) وفي إسناد الفعل إلى الدعاء دون
البلاء نكتة لطيفة دالة على أن الدعاء له غلبة منيفة، فإن الدعاء يستقبله في
الهواء ما بين الأرض والسماء ([فيعتلجان](٣)) أي: يتصارعان ويتدافعان،
ذكره في ((شرح السنة))، وقال المؤلف: ((أي: فيتعارضان)) (٤) (إلى يوم
القيامة) قال الغزالي في ((الإحياء)): ((اعلم أن من القضاء ردَّ البلاء بالدعاء،
والدعاء سبب رد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد
السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع
=
والطبراني في ((الكبير)) (١٤٤٢)، وفي ((الدعاء)) (٣١)، وابن حبان (٨٧٢)
انظر ((الأحاديث الصحيحة)) (١٥٤)، و((صحيح الترغيب)) (١٦٣٨).
(١) أخرجه الحاكم (٥٤٨/٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٠٦).
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((فيتعالجان)).
(٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ ب)، والذي فيه: ((أي: فيتصارعان)).

١٤٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان.
وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله عز وجل أن لا يحمل السلاح،
وقد قال عز وجل: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وأن لا يسقي
الأرض بعد بث البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت؛ بل ربط
الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب
تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر،
والذي قدر الخير قدره بسبب، وكذلك الشر قدر لرفعه سببًا، فلا تناقض
بين هذه الأمور عند من افتتحت [عين](١) بصيرته، ثم في الدعاء من
الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله عز وجل، وذلك منتهى
العبادات، والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة؛
ولذلك كان البلاء موكلا بالأنبياء، ثم الأولياء؛ لأنه يرد القلب بالافتقار
إلى الله عز وجل، ويمنع نسيانه (٢).
(مس، ر، طس) أي رواه: الحاكم، والبزار، والطبراني في ((الأوسط))؛
كلهم من حديث عائشة، وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد))(٣). وفي
(١) من (أ) فقط.
(٢) إحياء علوم الدين (١/ ٣٢٨).
(٣) أخرجه البزار (٢١٦٥)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٨٥٩) و(٨٦١)،
والطبراني في «الأوسط)) (٢٥١٩)، والحاكم (٤٩٢/١)، وفيه زكريا بن
منظور وهو ضعيف. انظر ((الأحاديث الضعيفة)) (٤٩٢). والحديث ضعيف
جدًّا كما في ((ضعيف الترغيب)) (١٠١٤).

١٤٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
((الجامع الصغير)): ((لا يغني حذر من قدر))، رواه الحاكم عن عائشة،
و((الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء))، رواه
الحاكم عن ابن عمر))(١).
(ليس شيء أكرم) بالنصب، أي: شيء أكثر كرامة (على اللّه) أي عنده
(من الدعاء) أي: لاشتماله على التضرع والثناء، والمعنى: ليس شيء من
أنواع العبادات القولية، فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، فاندفع ما
قال الحنفي: ((وهذا الحديث بظاهره ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَنِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣])).
(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان،
والحاكم؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)).
ورواه: أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد)) عن أبي هريرة أيضًا(٢).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٣) الترمذي (٣٥٤٨) وقال الترمذي:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي،
وهو المليكي، وهو ضعيف في الحديث ضعفه بعض أهل العلم من قبل
حفظه، وقد روى إسرائيل هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عن
موسى بن عقبة قال الحافظ ابن حجر: في سنده لين وقد صححه مع ذلك
الحاكم ((الفتح)) ٩٥/١١).
(٢) أخرجه الطيالسي (٣٥٨٥) والترمذي (٣٣٧٠٩)، وابن ماجه (٣٨٢٩)
وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٢) وابن حبان (٨٧٠).
والحاكم (١/ ٤٩٠)، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (٣).
=

١٤٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
(من لم يسأل الله) أي: بلسان القال أو الحال استغناء عن اللّه المتعال
(يغضَبْ) أي: اللّه، وهو بفتح الضاد مجزومًا، وفي نسخة بصيغة
المفعول، فنائب الفاعل قوله: (عليه). قال ميرك: ((أي: من لم يطلبه؛ لأن
السؤال بمعنی الطلب)»، انتهى.
والأولى أنه بمعنى الدعاء للرواية الآتية، وذلك أنَّ اللّه تعالى يحب أن
يُسْأل من فضله؛ ولذا قال في التنزيل: ﴿وَسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]،
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ﴾ [غافر: ٦٠] الآية. فمن لم يسأل يبغض، ويعد من
المستكبرين عن عبادته، والمبغوض مغضوب، ونعم ما قيل شعر:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَابْنَاءُ آدَمَ [حَيْثُ تُسْأَلُ](١) تَغْضَبُ
وقد ورد في حديث ابن مسعود: ((سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب
أن يسأل، فمن لم يسأل الله يبغضه)). وفي ((النهاية)): ((قد تكرر ذكر
=
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من رواية عمران القطان انتهى.
قال العقيلي في الضعفاء (٣٠١/٣) لايتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن
عمران وفي فضل الدعاء أحاديث بألفاظ مختلفة، من غير هذا الوجه.
وقال ابن القطان (الوهم والإبهام رقم (١٤٢٣): رواته ثقات ولا موضع في
الإسناد للنظر إلا عمران بن داور القطان، وهو رجل ما بحديثه بأس أه.
قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم (الفتح)) (١١/ ٩٤)، وفي
بلوغ المرام (١/ ٥٩٩).
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((حين تسأل تغضب)).

١٤٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
الغضب من الله تعالى ومن الناس، فأما غضب الله فهو إنكاره على من
عصاه، وسخطه عليه، وإعراضه عنه، ومعاقبته له، وأما من المخلوقين
فمنه محمودٌ، وهو ما کان في جانب الحق، ومنه مذمومٌ، وهو ما كان في
خلافه)).
(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة، وفي
((فتح الباري)): ((أخرجه: أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد))، وابن
ماجه، والحاكم؛ كلهم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة))، انتهى.
وقيل: ((في سنده أبو المليح الهذلي، وهو مجهول على ما في
((الميزان)))، فيكون الحديث ضعيفًا، لكن يعمل به في الفضائل، ويحمل
الغضب على المبالغة في العتب.
(من لم يدع اللّه غضب عليه) بكسر الضاد، وفي نسخة بصيغة المجهول.
(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من حديث أبي هريرة.
(لا تعجزوا في الدعاء) بكسر الجيم ويفتح، من العجز، وهو الضعف،
والفعل كضَرَبَ وَسَمِعَ على ما في ((القاموس)).
وأما ما ذكره المؤلف من قوله: ((لا تعجزوا: بكسر الجيم في
المستقبل، وفتحها في الماضي)) (١)، فمبني على الرواية، وهي لا تنافي
جواز فتحها من حيث اللغة والقواعد العربية، أو على كونه أفصح؛
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ ب).

١٤٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
لوروده في قوله: ﴿أُعَجَزْتُ﴾، وأما تفسير المؤلف العجز بترك ما يجب،
ففيه نظر ظاهر.
نَعَم، العجز بهذا المعنى يناسب ما ورد: ((أعوذ بك من العجز))،
فالمعنى: لا تقصروا ولا تَكْسَلُوا في تحصيل الدعاء، (فإنه) أي: الشأن
(لن يَهْلِكَ) بكسر اللام، أي: لا يضيع (مع الدعاء أحد. حب، مس) أي
رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أنس، وقال الحاكم: ((صحيح
الإسناد)).
(من سرَّه) بتشديد الراء، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن
يستجيب اللّه له) أي: دعاءه (عند الشدائد) أي: وقت حصول الأمور
الشديدة من المكروهات (والكُرَب) بضم ففتح جمع كُرْبة، وهي الغم
الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكَرْب بفتح فسكون على ما في نسخة.
والحاصل: أن من أرد استجابة الدعاء عند الفقر ونزول البلاء
(فليكثر الدعاء) أمر من الإكثار، أي: فليلازم الدعاء في الصباح والمساء
(في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدودًا، أي: في حال سعة
العيش، وحسن البال، وكثرة المال؛ لأن من شيمة المؤمن الصابر الشاكر
الحازم أن يريّش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلى اللّه قبل مس الاضطرار،
بخلاف الكفار والفجار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ
أُعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُ عَآءٍ عَريضٍ﴾ [فصلت: ٥١].

١٤٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وكذا الحاكم عنه على ما في
((الجامع))، وفي ((سلاح المؤمن)): ((عن سلمان مرفوعًا: ((من سرَّه أن
يستجاب له عند الكرب والشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء»، رواه
الحاكم، وقال: ((صحيح الإسناد))، وروى البيهقي والخطيب عن جابر
مرفوعًا: ((لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو
منعها)).
(الدعاء سلاح المؤمن) بكسر السين، أي: يدفع به البلاء عن نفسه
وغيره (وعماد الدين) بكسر العين، أي: مداره؛ فإنه إظهار العبودية عند
ظهور الربوبية، ولا ينافيه حديث: ((الصلاة عماد الدين))؛ لجواز تعدد
العمد، أو لأن الدعاء عماد الصلاة أيضًا؛ إذ المقصود منها هو دعاء
العبد للرب الموجب للقرب والحب؛ ولذا فرض أو وجب قراءة
الفاتحة المشتملة على دعاء ﴿أَهْدِنَا﴾ في كل ركعة، وقد سبق أن الدعاء
مخ العبادة، مع أن كل ذكر وتسبيح فيها دعاء، بل كل حركة وسكون فيها
ثناء يقصد به عطاء.
(ونور السماوات والأرض) أي: منوِّر أهلهما من ظلمة الغفلة وضيق
الحالة إلى فضاء الحضرة، وقيل: ((إضافة النور إليهما باعتبار أن الدعاء
نور لصاحبه في السماوات، حيث يحصل له بسببه بين الأرواح
والملائكة التي فيها شرف وعزة وظهور، وفي الأرض؛ لأنه يكون له
بسببه فيها بين أهل الأرض اعتبار وفضل.

١٤٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال: ((صحيح الإسناد))،
ورواه الطبراني في ((الدعاء)) له أيضًا، وفي ((الجامع)): ((رواه أبو يعلى
والحاكم عن علي))، انتهى(١).
وروي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: ((ألا أدلكم على ما ينجيكم من
عدوكم، ويَدِرُّ لكم أرزاقكم، تدعون اللّه في ليلكم ونهاركم؛ فإن الدعاء
سلاح المؤمن))، رواه أبو يعلى، وإسناده ضعيف(٢).
(مَرَّ صلى اللّه عليه وسلم بقوم مبتلَين) بفتح اللام والنون، اسم
مفعول من الابتلاء، وهو يحتمل أن يكون ابتلاؤهم بنوع أو أنواع من
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٣٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٣)، وابن عدي في
(الكامل)) (٦/ ١٧٢)، والمقدسي في ((الترغيب في الدعاء)) (١٠) عن محمد
بن الحسن عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده به. وجاء في الترغيب في
الدعاء (١/ ٤٠): محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني.
وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (١٤٧/٦): هذا إسناد ضعيف
لضعف محمد بن الحسن، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة رواه الحاكم
وقال: صحيح الإسناد.
قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٣١٥/٢): رواه الحاكم وقال صحيح
الإسناد ورواه أبو يعلى من حديث علي.
(٢) أخرجه أبو يعلى (١٨١٢).
قال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (١٤٧/٦): هذا إسناد ضعيف،
لضعف محمد بن أبي حميد المديني.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٤٧) رواه أبو يعلى وفيه محمد بن
أبي حميد وهو ضعيف.

١٥٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
البلاء (فقال: أمَا كان هؤلاء) باستفهام توبيخ، و((ما)) نافية، أي: ألم
يكونوا قبل الابتلاء حال الرخاء والنعماء (يسألون الله العافية) أي:
دوامها، ففيه إيماء إلى أن من التزم الدعاء عند الرخاء حفظ من البلاء،
ومن ترك الدعاء وغفل عن التضرع إلى رب السماء، يكون البلاء له
الجزاء. (ر) أي: رواه البزار عن أنس(١).
(ما من مسلم) ((مِن) زائدة لتأكيد النفي (ينصب وجهه) بكسر الصاد،
أي: يرفعه ويجعل توجهه (لله تعالى) أي: خالصًا له (في مسألة) أي:
مسئولة ودعوة مطلوبة (إلا أعطاها) أي: اللّه (إياه) أي: ذلك المسلم،
وفي حكمه المسلمة.
(إما أن يعجلها) بتشديد الجيم، أي: اللهُ تلك المسألةَ، بعينها، أو
بعوض أحسن، أو بدفع بلاء أعظم منها، فورًا أو متراخيًا في الدنيا، (له)
أي: لذلك المسلم، (وإما أن يدخرها) بتشديد الدال المبدلة عن
المعجمة، أي: يجعلها ذخيرة (له) أي: لذلك المسلم في العقبى بأن
یعطیه جزیل ثوابها، أو یغفر بعض ذنوبه بسببها.
والحاصل: أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فلا ينبغي للسالك
أن يترك عمله حيث لم يتعجل أمله، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىَّ أَن
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىِّ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرّلَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
(١) أخرجه البزار في المسند (٦٦٤٣) وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات ((مجمع
الزوائد» (١٤٧/١٠) وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٩٧).

١٥١
الحرز الثمين الحصن الحصين
وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فعلى العبد أن يقوم بحق العبودية،
ويفوض إلى اللّه أمر الربوبية.
وقد ألهم بعض العارفين: ((سلني، فقال: سبحان الله عالم بجميع
الوجوه، يسأل عن جاهل بجمیع الوجوه بیان مراده، وهو لا يعلم خيره من
شره))، وفي هذا المقام قيل لأبي يزيد: ((ما تريد؟ قال: أريد أن لا أريد)).
قال بعض المحققين: ((هذه أيضًا إرادة؛ لتضمنها معنى الزيادة على
التسليم الذي هو الحالة المرادة))(١).
(أ) أي: رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (٢).
قال المؤلف: ((فيه دليل على أن سؤال المسلم ربَّه مستجاب، بَيَّنَهُ
الحديث الذي رواه الحاكم في ((مستدركه الصحيح)) عن جابر بن عبد
عرفها قال: ((يدعو اللهُ المؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين
اللّه، عن النبي
يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني، ووعدت أن أستجيب لك،
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أي المراد المحبوب المرضي؛ وهو المراد
بالإرادة الدينية وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله
ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ ولا يحب إلا ما يحبه
افلان كالملائكة والأنبياء والصالحين ((مجموع الفتاوى)) (٢١٨/١٠).
(٢) أخرجه أحمد (٤٤٨/٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١١)، والترمذي
(٣٦٠٣).
قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٤٨/١٠): رواه أحمد ورجاله ثقات وفي
بعضهم خلاف.

١٥٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة
إلا استجبت لك، أليس قد دعوتني يوم كذا وكذا لِغَمِّ نزل بك أن أفرج
عنك، ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني عجلتها لك في
الدنيا، ودعوتني [في](١) يوم كذا وكذا لغم نزل أن أفرج عنك، فلم تَرَ
فَرَجًا؟ قال: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا،
ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا، فقضيتها؟ فيقول: نعم يا
رب، فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني في يوم كذا وكذا في
حاجة أقضيها لك، فلم تَرَ قضاءها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني
ادخرت لك في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله : ((فلا يدع اللّه دعوة
دعا بها عبده المؤمن إلا بيّن له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن
يكون ادخر له في الآخرة، قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام: ليته لم يكن
عجل [له](٢) بشيء من دعائه))(٣).
(١) من (أ) و ((مفتاح الحصن الحصين)) فقط.
(٢) في ((مفتاح الحصن الحصين)): ((لي)).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٩٤/١) وقال: هذا حديث تفرد بالفضل بن
عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، ومحل الفضل بن عيسى محل من
لا يتوهم بالوضع، وصححه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٣١٤/٢)
حيث صدره بقوله: وعن جابر. وقال الألباني: قلت: ولم يصنعا شيئًا، فإنه إن لم
يكن متهما فقد اتفقوا على تضعيفه، والذهبي نفسه أورده في ((الميزان)) وقال
فيه: ((ضعفوه)). ثم ساق أقول الأئمة في ترجيحه وقال في كتابه ((المغني)):
=

١٥٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
وروى أيضًا الحاكم في ((المستدرك)) من رواية عبادة بن الصامت (١)،
أن رسول اللّهَ ﴾ قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه اللّه
إيّاها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، فقال
رجل من القوم: إذن نكثر، من الإكثار، قال: اللّه أكثر))))، [أي: اللّه أكثر
إجابة من دعائكم](٢). ((ورواه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: «هذا حديث
حسن صحيح غريب من هذا الوجه))(٣). وروى الترمذي أيضًا من
حديث أبي هريرة(٤): ((فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في
الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا)))(٥).
=
مجمع على ضعفه. وقال فيه الحافظ في ((التقريب)): منكر الحديث ((السلسلة
الضعيفة)) (٨٨٦).
(١) أخرجه الحاكم من رواية أبي سعيد (٤٩٣/١).
(٢) هذه الجملة التفسيرية ليست من كلام ابن الجزري، بل هي من كلام مُلا علي
القاري.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٧٣) وعبد الله بن أحمد (٣٢٩/٥)، والطبراني في مسند
الشاميين (١٨٢) و(٣٥٢٤) من رواية عبادة بن الصامت.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٠٤) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من هذا
الوجه.
(٥) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ ب، ٣/ أ).

١٥٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
(الذَّكْرُ)
قال ميرك شاه: ((وقع هنا في أصل السماع بخط [المخدومي](١):
الحضرة [الأصلية](٢): ((كذا معلمًا بعلامة خ صح))، وفي بعض النسخ:
((فصل الذكر))، أي: بالصاد المهملة، وفي بعضها: ((فضل الذكر))، وفي
أكثر النسخ لم يذكر، يعني: الذكر مطلقًا، والمطابق لمقابلة هذه النسخ أن
يكون فيما تقدم الدعاء وحده [في](٣) نسخة أيضًا، لكن لم يوجد، واللّه
أعلم)).
(يقول اللّه) هذا حديث قدسي، والفرق بينه وبين القرآن أن الثاني
منزل بلفظه مع جبريل، والأول قد يكون بإلهام وهو مفوض إليه # في
التعبير عنه، وهنا أتى بلفظ المقول، حيث قال: (أنا عند ظن عبدي بي)
أي: عند يقينه بي، وعلمه بأن مصيره إليّ، وحسابه على، وأن ما قضيت له
من خير أو شر، فلا مردّله لدي.
وقال المؤلف: ((أي: في الرجاء، وأمل العفو)) (٤).
قلت: ويؤيده ما أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة،
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((المخذومي)).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): ((الأصيلية)).
(٣) من (ج) فقط.
(٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ).

١٥٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
قال: قال رسول الله : ((أمر الله تعالى بعيد إلى النار، فلما وقف على
شفيرها التفت، فقال: أما والله يا رب إن كان ظني بك لحسن، فقال الله
تعالى: ردوه، أنا عند ظن عبدي بي))(١)، ذكره السيوطي في ((بدور السافرة
في أحوال الآخرة».
(وأنا معه إذا ذكرني) ((أي: بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصرة))(٢)،
ذكره المؤلف (فإن ذكرني في نفسه) أي: في سره، وهو يحتمل أن يكون
ذكرًا قلبيًّا أو لسانيًّا إخفائيًّا (ذكرته في نفسي) أي: في ذاتي من غير إطلاع
حاله على غيري من مخلوقاتي، وقيل: ((المعنى: أُخْفِي ثوابه على منوال
عمله، وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلقي، ويؤيده قوله تعالى:
﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ تَهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ
يُنفِقُونَ ﴾َ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْبُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٦]، أي: جزاءً وفاقًا، حيث كانوا يُخفون
أعمالهم، فأخفى الله ما [خبِّئ](٣) لهم، وقد قرأ حمزة بسكون الياء في
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٧٩٩) قال المنذري (١٣٦/٤): رواه البيهقي
عن رجل من ولد عبادة بن الصامت لم يسمه عن أبي هريرة.
وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٦١٥٠) منکر.
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ).
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): ((عد))، وفي (د): ((عين))، وفي (هـ): ((أعد)).

١٥٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
﴿أُخْفِىَ﴾، وهو [أدل على المقصود](١).
ويؤيده الحديث القدسي: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ
رأت، ولا أذنٌّ سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، وفيه دليل على أن
الذكر القلبي أفضل، [ثم] (٢) اللساني الإخفائي؛ لما ورد من: ((أن الذكر
الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظَةُ سبعون ضعفًا))، وورد: ((خير الذكر
الخفيُّ))(٣).
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((أولى بالمقصود)).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((من)).
(٣) أخرجه وكيع في الزهد (٣٣٣)، وعنه ابن أبي شيبة (٣٤٣٧٧)، وأحمد في
((المسند)) (١٧٢/١)، وعبد بن حميد في المسند (١٣٧)، وأبو عوانة في
((الصحيح)) كما في («إتحاف المهرة)) (١٢٢/٥) وغيرهم.
وهذا إسناد ضعيف غريب منقطع! وابن أبي لبيبة: ضعفه الدار قطني، وقال
ابن معين: ((ليس حديثه بشيء))، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((ضعيف كثير
الإرسال)).
قال ابن أبي حاتم: «محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة ويقال ابن أبي لبيبة.
سمعت أبي يقول محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لم يدرك سعدًا المراسيل
(٣٣٦).
قال الذهبي: فيه انقطاع بين محمد وسعد ((معجم الشيوخ الكبير)) (٢٦٩).
قال النووي في: ((مسألة: في الحديث)) خير الذكر الخفي، وخير المال ما يكفي
هل هو ثابت وما معناه؟
الجواب: ليس بثابت، ومعناه؛ أن الذكر الخفي أبعد من الرياء والإعجاب
=

١٥٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
ثم فيه جواز إطلاق النفس على اللّه باعتبار ذاته، خلافًا لمن منع وحمله
على المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، لكن يرد عليه قوله: ((سبحانك لا أحصي ثناء
عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). ولعل وجه المنع أنه مأخوذ من
النّفَسِ، وهو تعالى منزه عن [التنفس](١)، والأظهر أنه مأخوذ من النَّفِيس،
فيجوز إطلاقه عليه بهذا المعنى، واللّه أعلم (٢).
قال المؤلف: ((قالوا: النفس تطلق على الذات، وهو المراد في
=
ونحوهما، وهذا محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء والإعجاب أو
نحوهما، فان كان خاليًا في برية أو غيرها، وأمن ذلك فالجهر أفضل. المسائل
المنثورة ((فتاوى النووي)) مسألة ٣٤٠ - جمع تلميذه علاء الدين بن العطار.
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): ((النَّفَس)).
(٢) عدَّ كثير من أهل السنة ((النفس)) من صفات الله تعالى. انظر الفقه الأكبر بشرح
القاري (ص٥٨)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (١١/١، ١٢)، وأقاويل
الثقات (ص١٨٦)، وقطف الثمر (ص٦٦)، وذهب شيخ الإسلام أن المراد
من النفس هو ذات اللّه وعينه لا صفة له. انظر مجموع الفتاوى (٩/ ١٩٢،
١٩٣، ١٩٧/٤، ١٩٦)، وكذا البخاري فإنه ذكر نصوص النفس بدون
التصريح أنها صفة، ومراده أنه يجوز إطلاق النفس على الله لورود النص
هكذا فسر مراده الهاشمي في شرحه لكتاب التوحيد (ص ٧٠)، وللشيخ عبد
اللّه الغنيمان كلام حسن وفق بين قولي أهل السنة في ((النفس)). انظر شرحه
لکتاب التوحید (٢٤٩/١، ٢٥٥).

١٥٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
الحديث والقرآن في حق الله تعالى))(١).
(وإن ذكرني في ملإ) بفتحتين، أي: في جماعة، وفي ((النهاية)): ((الملأ:
أشراف الناس ورؤَساؤُهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم)). وهو
يحتمل أن يكون ذكره خفية أيضًا، كما يشير إليه حديث: ((ذاكر اللّه في
الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين))، ويحتمل أن يكون المعنى: مع ملإٍ،
وهو لا يفيد الجهر الخارج عن الحد، فإنه # قال لبعض الصحابة حين
رفعوا أصواتهم بالذكر على وجه المبالغة: ((أربعوا أنفسكم، فإنكم لا
تدعون أصمَّ ولا غائبًا)).
(ذكرته في ملإ خير منه) أي: من ملئه، ولعله على حذف المضاف، أو على
إرادة لفظ الملا؛ فإنه مفرد اللفظ جمع المعنى ليس له مفرد من لفظه، لكن
قال ميرك: ((كذا وقع في أصل السماع وجميع النسخ الحاضرة ((منه)) بضمير
الواحد، والذي في الأصول من البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه
(منهم)) بضمير الجمع))، انتهى. ولعله لم يذكر ميرك النسائي نسيانًا، أو وجد
فيه بلفظ المفرد، لكن كان عليه [أن يقدم](٢) النسائي على البخاري.
قال المؤلف: ((فيه دليل على جواز [ذكر الجهر](٣)، خلافًا لمن منعه،
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((تقديم)).
(٣) في ((مفتاح الحصن الحصين)): ((الذكر جهرًا)).

=
١٥٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
واستدل به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ولا دليل فيه؛ لأن
الأنبياء لا يكونون غالبًا في الذاكرين، وقيل: ((لأن تفضيلهم بالنسبة إلى
من هو معهم سبحانه وتعالى))(١)، انتهى.
وقيل: ((المراد بالملإ الملائكة المقربون وأرواح الأنبياء والمرسلين،
فلا دلالة على كون الملك أفضل من البشر)).
(الحديث) بالنصب، ويجوز رفعه وجره كما سبق في الآية، وفيه إيماء
إلى أن الحديث له تتمة، وهو قوله: ((وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعاً،
وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة))(٢).
والباع والبوع بالضم والفتح بمعنى طول ذراعي الإنسان وعضديه
وعرض صدره.
والهرولة: ضرب من المشي بينه وبين العَدْو.
(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة (٣)، وسقط رمز الترمذي من
((نسخة الجلال)).
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٣/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٣٨٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٠٥) وفي ((خلق أفعال العباد)) (٥٥) ومسلم (٦٩٠٢)
وفي (٦٩٠٣ و٦٩٣٠) (٧٠٥٢) وابن ماجة (٣٨٢٢) والترمذي (٣٦٠٣).
والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٨٣).

١٦٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
(ألا أخبركم) يحتمل أن تكون ((ألا)) للتنبيه، و(أخبركم)) استئناف
بيان، والأظهر أنه مركب من ((لا)) النافية واستفهام التقرير، كما يدل عليه
قولهم الآتي: ((بلى)) (بخير أعمالكم) أي: بأفضلها (وأزكاها) أي: أطهرها
وأنماها (عند مليككم) مبالغة مالك، ومنه قوله تعالى: ﴿عِند مَلِيكٍ
مُقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥]، وهو ظرف لهما أو للأخير، والمعنى: عند ربكم
وفي حكمه؛ لأن العبرة بما عنده سبحانه، (وأرفعها) أي: أكثرها رفعة
بمقتضى السببية (في درجاتكم) أي(١): في الجنة العالية، (وخير لكم من
إنفاق الذهب والوَرِق) بكسر الراء ويسكن، أي: الفضة، أي: من
صرفهما في سبيله مع ابتغاء مرضاته، وهو تخصيص بعد تعميم الأعمال،
أو يخص الأعمال بما عدا إنفاقَ المال والقتال؛ لقوله: (وخير لكم من
أن تلقَوا عدوكم) أي: بأن تستقبلوا الكفار بالجهاد (فتضربوا أعناقهم)
أي: فتقتلوا بعضهم (ويضربوا) أي: بقيتهم (أعناقكم) أي: كلكم أو
بعضکم.
(قالوا) أي: بعض الصحابة (بلى) أي: أخبرنا، وزاد في نسخة: ((يا
رسول اللّن)» (قال: ذكر اللّه) أي: هو ذكركم له سبحانه؛ لما يترتب عليه
من ذكره إياكم، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال:
﴿فَاذْكُرُونِي أُذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
(١) بعدها في (هـ): ((في منازلكم)).