النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الحرز الثمين الحصن الحصين ثم اعلم أنّ في بعض النسخ المصححة وقع هنا (١) قوله: ((لا إله إلا اللّه عدة للقائه، ويدل كلام بعض المحشين على وجوده وبقائه، ففي كلمة التوحيد، وقضية التفريد إيماءٌ إلى ما روي من الحديث القدسي، [المستفيضِ](٢) من الكلام النفسي(٣)، بالطريق المسلسل عن الإمام علي الرضيّ، إلى آبائه الكرام، إلى جده، إلى جبريل الفنية: ((لا إله إلا اللّه حصني، فمن دخل حصني أمِن من عذابي)) (٤)، وقد شرحه الشيخ أحمد الغزالي، (١) كتب بجوارها في حاشية (أ): ((أي عقيب البسملة، على ما رأيته موشى)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ): ((المستفيض)). (٣) كأنه يشير إلى أنّ كلام اللّه معنى قائما بالنفس لايتعلق بالمشيئة فهو قولٌ باطل، وهو اعتقاد الأشاعرة وغيرهم، والاعتقاد الصحيح اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو: أنَّ كلام اللّه صفة من صفاته الذاتية والفعلية، فهو متصف بصفة الكلام أزلياً، وهو سبحانه يتكلم متى شاء، إذا شاء، كيف شاء، وكلامه حقيقة، بحرف وصوت، لا يشابه كلام المخلوقين، والقرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق. ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها. ينظر للتفصيل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٤١/١)، ومجموع الفتاوى (٣٧/١٢)، (٢٩٤/٦-٢٩٧) ومختصر الصواعق المرسلة (٢٧٧/٢). ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة تسمى (التسعينية) يرد فيه على بدعة الكلام النفسى من تسعين وجها لذلك سميت بالتسعينية وهي مطبوعة. (٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١٥/٧)، والرافعي في التدوين (٢١٤/٢)، والديلمي في الفردوس (٨٠٨٢)، وضعفه العراقي في تخريج ٨٢ الحرز الثمين الحصن الحصين أخو حجة الإسلام(١)، في غايةٍ من النظام على طريق السادة الكرام. ثم من جملة الكلام في هذا المقام مبنَى ومعنَّى هو أن الاسم الكريمَ مرفوعٌ على البدليّة من موضع ((لا إله)) المرفوع المحلّ بالابتدائية، ولا يجوز نصبُه حملاً على إبداله من اسم ((لا)) المنصوب؛ لأن ((لا)) لا تعمل إلا في نكرة منفيّةٍ، كذا في ((شرح دعاء الشيخ أبي حربة))(٢) أحد المشايخ اليمنية(٣). = الإحياء (١٦٧/١)، وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة (١٤٧/١). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٣٧). (١) أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتح، الغزالي الطوسي، أخو الغزالي حجة الإسلام أبي حامد، من كبار الوعاظ، جاءت عنه حكايات تدل على إخلاله وكان يضع، تُوفِّيَ سنة: (٥٢٠). راجع ترجمته في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي (٦/ ٦٠)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (ت ٨٠٥). (٢) دعاء ختم القرآن مشهور شرحه الحسين بن عبد الرحمن الأهدل في كتاب ضخم بعنوان كشف الكربة في شرح دعاء ابي حربة مخطوط بمكتبة الجامع ٨٨ مجاميع وشرحه ابن ص ٢٧٦ واختصر شرح الاهدل السابق حفيده الطاهر بن حسين الاهدل المتوفي ٩٩٨ بعنوان: مطالب اهل القربة النور السافر ص ٤٤٩. (٣) محمد بن يعقوب بن الكميت بن سود بن الكميت، أبو عبد الله، المعروف بأبي حربة، من بني قهب بن راشد، من قبائل عك بن عدنان، من فقهاء الشافعية باليمن، له ((رسالة في كيفية رياضة النفس))، و((دعاء)) جعله لختم القرآن، شرحه الفقيه حسين الأهدل في نحو مجلدين، ولعله الشرح المشار إليه، توفي سنة: ٧٢٤. راجع ترجمته في: ((الأعلام)) للزركلي (١٤٦/٧)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٣/ رقم: ١٦٤٢٥).، ومصادر الفكر الإسلامي في اليمن (ص: ٢٢). ٨٣ الحرز الثمين للحصن الحصين وقد حقق ابن كمال باشا (١) في حاشيته على التلويح، ما يفيد [للمبحث](٢) بعض التوضيح، حيث قال في مقام التنقيح: ((اعلم أن الاستثناء في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مفرغًا بأن يكون الخبرُ المحذوفُ عامًّا كموجودٍ أو في الوجود، ويكون ((إلا اللّه)) واقعًا موقعَه، كما وقع ((إلا زيد)) موقع الفاعل في نحو: ((ما جاءني إلا زيد))؛ لأن المعنى على نفي الوجود عن إلٍ سوى الله تعالى، وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلًا من اسم ((لا)) على المحل؛ إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقعَ اسم ((لا))، فيكون خبرُ ((لا)) خبرًا له، فينتفي الوجود عن إله سوى اللّه سبحانه كما هو المطلوب، لا على نفي مغايرة اللّه سبحانه عن كل إلٍ، وهو الذي يفيده الاستثناء المفرّغ؛ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفیه کالخبر، فیفید نفيَ مغايرته تعالى عن كلٍّ إلهِ، ولا يحصل به التوحيد کما لا يخفئ»، انتهى. وزدنا في ((شرح شرح النخبة)) فوائد يتحصل منها الزبدة التي عليها العمدة. (١) أحمد بن سليمان بن كمال باشا، المشهور بابن كمال باشا، شمس الدين، تركي الأصل، مستعرب، قاض من العلماء بالحديث ورجاله. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه، من مصنفاته: ((تغيير التنقيح)) في أصول الفقه، تُوفِّيَ سنة: ٩٤٠. راجع ترجمته في: ((الأعلام)) للزركلي (١/ ١٣٣)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (١١١٠). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): ((للبحث)). ٨٤ الحرز الثمين الحصن الحصين ثم قوله: ((عدة)) ضُبِط بالنصب على أنه مفعول [له] (١) بتقدير: ((أقولها))، وفي بعض النسخ بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدّم عليه، والأظهر أن يكون خبر المبتدأ، أي: ((كلمة لا إله إلا اللّه عدة للقائه))، والعُدّة - بالضم - على ما قاله المؤلف وغيره هو: ما أعدّه الإنسان لحوادث الدهر من السلاح والمال وغيرهما))(٢). ثم المراد بكلمة ((لا إله إلا الله)) كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة؛ ولذا قال بعض المحققين(٣): ((قول: ((لا إله إلا اللّه)) لقب جرى على النطق بالشهادتين في الشريعةِ))، وبه يتم ما ورد في الحديث: ((من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة))، وقيل: ((المراد بـ((لا إله إلا اللّه)) مجموع كلمتي الشهادةِ، فصار الجزء الأول عَلَمًا عليه، أو [اكتفاءً] (٤) بالإشارة إليه، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ أي: السورة)). (قال الفقير) اختلف صنيع المصنّفين، فبعضهم لم يذكر اسمه ولا نعته ورسمه خوفًا من السمعة والرياءِ، واكتفاءً بمن يعلمُ الجهر والخفاءَ، وبعضهم يبين ذِكْره، ويعين وصفه، لاسيما في العلوم النقلية؛ ليصلح (١) من (أ) و(ج) و(هـ) فقط. (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ أ). (٣) قال ابن المنير فيما نقله عنه ابن حجر في ((الفتح)) (١١٠/٣): «قول: لا إله إلا اللّه لقبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا)). (٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((اكتفى)). ٨٥ الحرز الثمين الحصن الحصين الاعتماد على أقواله الجليّة، وليكون وسيلةً إلى دعاء الأحباءِ في الأحوال الرضيّة، فسلك الشيخ - رحمه الله - هذا المسلك الشريف، وقال: ((قال الفقير)). (الضعيف) والفقير هو المحتاج، وهو شأنُ كل عبدٍ جليل أو حقيرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [محمد: ٣٨]، والضعيف ضد القوي، والله هو القوي القادر، والعبد هو الضعيف العاجز، لاسيما وقد قال سبحانه: ﴿وَخُلِقِ آلْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾. وفيه إشعار إلى كلام بعض الأكابر: ((من عَرَف نفسَهُ فقد عَرَف ربّه))، أي: من عرف نفسه بالفقر، فقد عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالعجز، فقد عرف ربّه بالقوة، ومن عرف نفسه بالفَناء، فقد عرف ربّه بالبقاء، وأمثال ذلك مما يطول عليه الكلام، ويخرجنا عن المقصود والمرام. (المسكين) وهو عندنا(١) أسوء حالًا من الفقير، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةٍ (﴾﴾، خلافًا للشافعي(٢) استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾، وأجيب بأنها كانت لهم عَمَلًا وكسبًا، لا ملكًا وتصرفًا، ويؤيد مذهبَنَا قولُه التَّئة: ((اللهم أحيني مسكينًا، (١) راجع: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (٢/ ٤٣ -٤٤)، و((فتح القدير)) لابن الهمام (٢٦٥/٢-٢٦٦). (٢) راجع: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٧٠/٢، ١٧٣). ٨٦ الحرز الثمين الحصن الحصين وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين)) (١)، مبالغةً في تعظيمهم، [وتحسین مقامهم](٢) وتکریمهم. وفي ((الْمُغْرِب)): ((قالوا: أراد التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارین)»(٣)، انتهى. وأما حديث: ((الفقر فَخْرِي))، فباطل لا أصل له، على ما صرّح به العسقلاني(٤) وغيره من الحفاظ. (١) إسناده ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه رقم (٤١٢٦) من طريق يزيد بن سنان عن أبي المبارك عن عطاء عن أبي سعيد به مرفوعا، وفي هذا السند يزيد بن سنان ضعيف، وأبو المبارك: مجهول. تنبيه: ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) مصححا له ووهم عفا الله عنه فقد ركب متن هذا الحديث على إسناد الحديث المتقدم الذي هو همام عن قتادة عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد به مرفوعا ثم إن الشيخ استدرك هذا فذكره في ((الإرواء)) بالسند الحقيقي الذي هو سند الحديث الذي بين أيدينا وضعفه هناك. وانظر ((السلسلة الصحيحة)) رقم (٣٠٨))، و((إرواء الغليل)) رقم (٨٦١)). (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((وتحسينًا لمقامهم)). (٣) ((المغرب)) للمطرزي (١ /٤٠٦) مادة (س ك ن). (٤) ((التلخيص الحبير)) (٢١٣٠/٤)، وقال هناك: ((وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية، فقال: هو كذب لا يعرف في شيء من کتب المسلمين المروية)»، ثم = ٨٧ الحرز الثمين الحصن الحصين (المنقطع) عن الخلق، المتوجه (إلى الله تعالى) عَمَلًا بقوله سبحانه: ﴿وَتَبَثَّل إِلَيْهِ تَبَتِيلاً﴾ [المزمل: ٨]، وبقوله: ﴿فَفِرُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠](١)، وبالحديث القدسي: ((أنا [بدك](٢) اللازم))(٣)، أي: فكن لبدك الملازم، وبقولهم: ((الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس)). (الراجي) أي: المتوقع (من كرمه) لاستواء وجود الغير وعدمه (أن ينجيه) من الإنجاء، وفي نسخة: من التنجية، أي: يخلصه اللّه (من القوم الظالمين) أي: من ظلمهم وتعديهم إليه وإلى غيره من المسلمين، وفيه إيماءٌ إلى ما سيذكره المؤلف في قضيته مع بعضِ أعداءِ الدين، أو من صحبتهم ومجالستهم في هذه الدار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] والركون أدنى الميل إلى مطلوبه، والظلمُ وضع الشيء في غير موضعه، واختصَّ عرفًا بالذنب المتعدي إلى الغير. (محمد بن محمد بن محمد بن الجزري) اشترك اسمه واسم أبيه وجده في = قال ابن حجر: ((وجزم الصغاني بأنه موضوع)). وانظر: ((موضوعات الصغاني)) (٧٧)، و((مجموع الفتاوى)) (١١٧/١١، و١٢٣/١٨) لابن تيمية. (١) بعدها في (هـ) زيادة: ﴿إِنِّ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. (٢) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): ((يدك))، وفي (ب): ((بدلك)). (٣) أخرجه الخطيب في تاريخه (٢٤٧/٢) وقال هذا الحديث موضوع المتن، وأخرجه ابن الجوزي من طريقه في الموضوعات (برقم ١٦١٣)، وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢٨٦/٢): فالحديث موضوع. ٨٨ الحرز الثمين الحصن الحصين هذا العلم الممجد كالغزالي، ثم الأول مرفوعٌ على البدل مما قبله، أو على أنه عطف بيانٍ له، و((ابن الجزري)) في المرتبة الثالثة مجرور بالإضافة في أكثر النسخ المصححة، وفي ((أصل السيد جمال الدين)) هكذا ((محمدٍ)) بالتنوين. وقوله: ((ابنُ الجزري)) بالرفع وثبوت الألف في ((ابن)) على أنه صفة لـ«محمد» الأول، فتأمل. ثم الجزريّ مجرور بلا خلاف، وهو نسبة إلى جزيرة ابن عمر رضي اللّه عنهما(١)، وهو على ما في ((القاموس)): ((بلدٌ شمالَي الموصل محيطٌ به دجلةُ مثلَ الهلالِ))(٢)، انتهى. والمعروف الآن بجزيرة الأكراد، حذف [منه](٣) الزوائد ثم نسب إليها، كالحنفية إلى أبي حنيفة، وفي ((جامع الأصول)): ((الجزيرةُ هي البلاد التي بين العراق ودجلة، وبها ديار بكر وديار ربيعة)) (٤). (١) كتب في حاشية (ج): ((قال الشارح في شرحه على ((المقدمة الجزرية)) ما نصه: ((والمراد بابن عمر الذي نسب إليه هو عبدالعزيز بن عمر، وهو رجل من أهل برقعيد من عمل الموصل، بناها فنسبت إليه)) إلى أن قال الشارح: ((فليس بصحابي كما توهمه بعضهم))، انتهى ما قال نفس الشارح، فحينئذٍ قوله: رضي الآن عنهما، من الناسخ)». (٢) ((القاموس)) للفيروزآبادي (٣٨٦/١) مادة (ج زر). (٣) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د) و(هـ): ((منها)). (٤) ((جامع الأصول)) لابن الأثير (٢٧٨/١٢)، وفيه: ((بين الفرات ودجلة)). ٨٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (لطف الله تعالى به في شدته) أي: في حال محنته، وفي نسخة: ((من شدته))، أي: من أجل بليّته، والجملة خبريةٌ مبنَى دعائيةٌ معنّى، وفي ((النهاية)): ((يقال: لطف به وله بالفتح يلطف لطفًا؛ إذا رفق به، وأما لطُف يلطُف بالضم فيهما، فمعناه صغر ودق)) (١). قلت: ومن الأول قوله: ﴿اَللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ [الشورى: ١٩]، ويمكن أن يكون من الثاني، بمعنى أنه خفيّ اللطف ودقیقه، بحيث إنه لا يظهر لكل أحد تحقيقه. (أما بعد حمد اللّه) بالإضافة مثل قولهم: بعد السلام، والمعنى: بعد كمال الثناء لصاحب البقاء (الذي جعل الدعاء لرد القضاءِ) أي: المعلق من البلاء، أو لتهوين المحتم في لازم الابتلاء، كما سيأتي في الحديث الآتي في الأثناء. (والصلاة) أي: وبعد إرسال الصلاة، (والسلام على محمد سيّد الأنبياء) بالجر، وجوِّز رفعه ونصبه، والأنبياء بالياء بعد الباء على النسخ المصححة، وعليه جمهور القراء، وفي نسخة: بالهمزة بعد الموحدة؛ على ما اختاره الإمام نافعٌ في هذه المادة، ثم المهموز مبنيٌّ على أنه فعيلٌ من النبأ بمعنى الفاعل أو المفعول، فإن النبيّ هو المخبر والمخبر له، وأما غير المهموز، فمختار المحققين أنه أبدل الهمزة ياء فأدغم، وقيل: (١) النهاية (٢٥١/٤). ٩٠ الحرز الثمين الحصن الحصين ((مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، فإنه رفيعُ القدرِ، فأبدل الواو ياءً لسبقها وسكونها)). والنبي أعم من الرسول، فإنه - على الصحيح -: رجلٌ أوحي إليه سواءٌ أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أمر بالتبليغ، فلإفادة التعميم خص إضافة السيادة إلى الأنبياء(١). ولما كان من المعلوم على قواعد أهل السنة أنّ خواصّ البشر أفضلُ من خواص [الملائكة] (٢)، علم حال غيرِ الأنبياء بالأولى. (وعلى آله) أي: أقاربه وأهل بيته، (وصحبه) اسم جمع لـ((صاحب))، مؤمنًا، ومات على وهو في اصطلاح المحدثين: ((من لقي النبي الإسلام))(٣). وفي نسخة: ((وأصحابه). (١) قال ابن حجر: كانت ردا على اعتراض على قول ابن الصلاح (على نبينا) بأن النبي أعم من الرسول البشري فلم عدل عن الوصف بالرسالة؟ أجاب الحافظ ابن حجر وقال: إن المقام مقام تعريف يحصل الاكتفاء فيه بأي صفة كانت (النكت على كتاب ابن الصلاح ١ / ٥٧). (٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): ((الملك)). (٣) ما عليه عامة أهل الحديث وهو: من لقي النبي ﴾ مؤمناً به، ومات على الإسلام. قال ابن الصلاح: ((اختلف أهل العلم في أنّ الصحابي منْ؟ فالمعروف من طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول اللّه ﴾ فهو من الصحابة)) وبهذا القول قال شعبة وعلي بن المديني وأحمد وأصحابه والبخاري والخطيب البغدادي وغيرهم من أهل الحديث = ٩١ الحرز الثمين الحصن الحصين (الأتقياء) جمع تقيّ، والمراد به: المتقي عن المعاصي (الأصفياء) جمع صفيّ، وهو من صَفَا له الحال، وحصل له مراتب الكمال في الأقوال والأفعال، والوصفان لكل منهما، أو على طريق اللف والنشر المناسب ءِ لقوله : ((آل محمدٍ كل تقي))، فالمراد به: المتقي عن الشرك، ويمكن أن يراد بآله أتباعُه، فالعطف من باب التخصيص بعد التعميم؛ لزيادة التشريف والتعظيم. (فإنّ هذا الحصنَ الحصينَ) أي: القلعة (١) المحكمة على طريق الاستعارة، فالحصن بمعنى الحصار، والحصين فعيل بمعنى المفعول، أي: محصون ومضبوط، صفة احترازية؛ إذ ليس كل حصن حصينًا، فاندفع به ما توهم مولانا الحنفيّ حيث جعله من قبيل ((ظل ظليل)) لإفادة المبالغة. ثم الإشارة إلى المحسوس البصري أو إلى المدرك الذهني، بناءً على تأخير الخطبة وتقديمها الرسميّ، وقال بعضهم: ((أشير إلى تسمية الكتاب تيمّنًا وتحصنًا، ووجه التسمية أنه كان محتاجًا إلى حصنٍ كما قال: ((فتحصنت بهذا الحصن))، فسماه حصنًا فنجاه الله تعالى. (من كلام سيّد المرسلين) فيه تفننُ العبارةِ كما سبق إليه الإشارة، فقيل: انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب ص (٥٠ - ٥١)، وعلوم الحديث لابن الصلاح ص٢٩٣، والإصابة في تمييز الصحابة (٥/١)، وفتح المغيث (٩٣/٣)، وتدريب الرواي (١ / ٦٦٧). (١) بعدها في (هـ) زيادة: ((الحصينة)). ٩٢ الحرز الثمين الحصن الحصين ((هذا الحصن اسم إن، والجار والمجرور خبرُها، وكذا ما بعدهما من المتعاطفين إلى قوله: ((بذلت))، فإنه جملة مستأنفةٌ، أو خبرٌ آخرُ))، وهو الأظهر. وقال ميرك شاه (١): ((والأولى أن يجعل ((بذلت)) خبر ((إنّ))، وجملة ما قبله من المعطوف والمعطوف عليه اسمها، ولا محذور، فإن الممتنع هو العطف على محل اسم ((إنّ)) قبل مضيّ الخبر))، انتهى. ولا يخفى أن هذا الإعراب بشرطِهِ المذكورِ جائزٌ عند أرباب العربيّة، بل هو مرجح عند القراءِ؛ حيث قرأ جمهورُهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] برفع الساعة عطفًا على محلّ ((إنّ)) واسمها، بناءً على تقدَّم الخبر، وهو ((حق))، أو [على](٢) جعلها مبتدأ وخبره ﴿لا رَيْبَفِيهَا﴾، كما اختاره الجعبري(٣). (١) هو: نسيم الدين محمد بن ميرك شاه الحنفي من علماء القرن العاشر، له اهتمام بعلم الحديث. توفي والده - فيما ذكره سزكين - سنة ٩٣٥ هـ له شرح على شمائل الترمذي وآخر على مشكاة المصابيح. وكتابه من أهم مواردالقاري (٢) من (ج) و(د) و(هـ) فقط. (٣) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل، أبو إسحاق، الجعبري، يقال له: ((شيخ الخليل))، وقد يعرف بـ(ابن السراج))، وكنيته في بغداد (تقي الدين))، وفي غيرها ((برهان الدين))، له نحو مئة كتاب، أكثرها مختصر، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له ((شرح الشاطبية)) المسمى ((كنز المعاني شرح حرز الأماني - خ))، ولد سنة: (٦٤٠)، وتُوفِّيَ سنة: (٧٣٢). راجع ترجمته في: ((الأعلام)) للزركلي (١ / ٥٥)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (١ / رقم: ٣٦٦). ٩٣ الحرز الثمين للحصن الحصين لكن إذا جعل فيما نحن فيه ما قبل ((بذلت))، من المعطوف والمعطوف عليه اسمها بالعطف المحلّي يقع المحذور المذكور من العطف قبل مضي الخبر، إلا أن يجعل قوله: ((من كلام سيد المرسلين)) هو الخبر، وكذا المجرورات فيما بعدَه، وإذا جعل خبرًا، فيكون قوله: ((بذلت)) خبرًا بعد خبرٍ. نَعَم، لو [جعل](١) المجروراتِ أوصافًا لما قبلها، بأن يقال: التقدير: فإن هذا الحصن الحصين الصادرَ من كلام سيد المرسلين ... إلى آخره، بذلت فيه النصيحةَ؛ لكان الكلام على الجادة الفصيحةِ. (وسلاح المؤمنین) بكسر السین، وهو ما يدفع به المؤمن عن نفسه ودينه الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهو معطوف على ((الحصن الحصين)). (من خِزانة النبي) بكسر الخاء، وهي ما يخزن فيه الأمتعة النفيسة، ومن اللطائف في باب اللغة: ((لا تفتح الخِزانة والجِراب، ولا تكسر القنديل(٢))(٣). (١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): ((جعلت)). (٢) جاء في حاشية (ب): ((صوابه القَصْعَة، وإلا فالقِنْدِيل بالكسر لا غير كما في كتب اللغة)). وفي (تصحيح التصحيف)) للصفدي (صـ ٤٢٤): ((يقولون: قِصْعة لواحدة القِصاع، والصواب: قَصْعة، بالفتح، ولو كانت مكسورة الأول، لجمعت على قِصَع، وذلك غیر معروف)). (٣) قاله الطيبي (تحفة الأحوذي ٨/ ١٥١). ٩٤ الحرز الثمين الحصن الحصين وقوله: (الأمين) أي: صاحب الأمانةِ من كمال الدیانةِ، وهو مشهورًا بمحمدِ الأمينِ قبل البعثة والرسالة. کان (والهيكل العظيم) ففي (الصحاح)): ((الهيكل: الفرس الضخم، والبناء المشرف))(١)، أي: العالي، وفي ((المفتاح)) للمصنف: ((الهيكل: ذو الضخامة والشرف، ثم استعمل فيما يكتب من الأسماء الإلهية، والأدعية الربانية، ونحو ذلك))(٢)، انتهى. وفي ((القاموس)): ((هو الضخم من كل شيء)) (٣)، فوصفه بالعظيم للمبالغة في التعظيم. (من قولِ الرسول الكريم) أي: المكرم، صفة للرسول أو للقول، وهو أبلغ وأنسبُ، والأول أشهرُ وأقربُ، وقرئ قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ اُلْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالرفع شاذًّا. (والحِرِزِ المكنونِ) أي: المصون عن الغبار، وعن تصرف الأغيار، والحِرز بكسر الحاء: الموضع الحصين، والتعويذ والتوقي، على ما في ((الصحاح)) (٤)، والمراد هنا التعويذ، على ما اقتصر عليه في ((المهذب))، وهو ما يتعوذ به من أنواع البلاءِ؛ لقوله: (من لفظ المعصوم) أي: المحفوظ عن المعصية حفظًا بالغًا؛ ولهذا اختصّ العصمة في عرفٍ (١) ((الصحاح)) (٥/ ١٨٥١) مادة (هـ ك ل). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢ / أ). (٣) ((القاموس)) (٤ /٦٩) (٤) ((الصحاح)) (٨٧٣/٣) ٩٥ الحرز الثمين الحصن الحصين العلماء بالأنبياءِ، والحفظَ بالأولياءِ. (المأمون) أي: عن وقوع المعصية، [وتقريرها](١) على فرض تقديرها، وفي نسخة: ((من لفظه))، فالمعصوم المأمون نعت ((لفظه)، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٤) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى [النجم: ٣-٤]. (بذلت) أي: أعطيتُ (فيه) أي: في تصنيف ((الحصن)) (النصيحة) أي: التي هي الواجبة على مقتضى الروايات الصحيحة: ((ألا إن الدين النصيحةُ))(٢)، كررها ثلاثًا ﴿ّ، وهي كلمةٌ جامعةٌ يعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، ويقال لها بالفارسية: (([نيك](٣) خواهي))، ومجمله ما ورد في حديث صحيح: ((لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه))(٤)، ويمكن أن يقال: المراد بها هنا النفع المتعدي، كما أن الظلم هو الضرر المتعدّي، فإن الشيخَ - نفعنا الله بعلومه - أراد نفع المسلمین بتأليفه. (وأخرجته) أي: رويت ما في ((الحصن)) ونقلته (من الأحاديث (١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): ((في تقريرها))، وفي (هـ): ((وتقديرها)). (٢) أخرجه مسلم في (الصحيح)) (٩٥)، وابن حبان في ((الصحيح)) (٤٥٧٥) واللفظ له، من حدیث تميم الداري به مرفوعًا. (٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): «نبك))، وفي (هـ): ((ينك)). (٤) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (١٣) من حديث أنس بن مالك به مرفوعًا. ٩٦ الحرز الثمين الحصن الحصين الصحيحة) أي: غالبًا، أو ادّعاءً أن المراد بها الثابتة احترازًا عن الموضوعة، فإنّ العمل بالحديث الضعيف جائزٌ في فضائل الأعمال اتفاقًا (١). (أبرزته) استئنافُ بيانٍ، أي: أظهرته (عُدَّةً) مفعول له أو حالٌ، وهي بالضم: ما أعده الإنسان للحاجة، أي: قوةً (عند كل شدة) أي: بلية، (وجّدته) بتشديد الراء، أي: أفردته من الأسانيد، أو أخلصته من جملة الأحاديث مما ليس بدعاءٍ، أو مما ليس بصحيح [و](٢) ثابت، كذا قيل، ففيه تأكيدٌ [لقوله](٣): ((أخرجته))، (جُنّة) بضم الجيم، أي: حال كونه كالْجُنة، وقايةً عن الآفة والمحنة، قال المؤلف: ((الجُنة بالضم: السترة، واستعمل فيما استتربه من سلاح، ومنه: المِجَن بالكسر، وهو: الترس)) (٤). (تَقِي) صفة لـ((جُنّة))، أي: تحفظني ومن يتستر بها (من شرّ النّاس) أي: شرارهم، (والجِنة) بكسر الجيم بمعنى الجنّ الشامل للشياطين؛ لتَسَتَّرهم عن أعينِ النّاس؛ إذ مادة الجيم والنونين هي الستر، ومنها: الجنون، وجنّ عليه الليل، والجنة [مثله](٥)، وقدّم ((الناس)) هنا مراعاةً للسّجع، كما أخر ((الناس)) في سورة الناس محافظة على الفواصل. (١) دعوى الاتفاق غير صحيح وسيأتى بيان ذلك. (٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): ((أو)). (٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((بقوله)). (٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢ / أ). (٥) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و(هـ): ((مثلثة)). ٩٧ الحرز الثمين الحصن الحصين (تحصنت به) يقال: تحصن بكذا، أي: جعله حصنًا له، أي: امتنعت بهذا الحصن [عن](١) شرّ الإنس والجن (فيما دهِمَ) ((بكسر الھاء، وحكى أبو عبيدة(٢) فيه الفتحَ أيضًا(٣)، وهو ما أتى بغتةً من مكروهٍ))(٤)، ذكره المؤلف، (من المصيبة) بيان لـ((ما))، ((وهي واحدةُ المصائبِ، وهي الأمر المكروه ينزل بالإنسان، والمصيبة أيضًا السهام تصيب الغرض، وهو الهدف، وبذلك وردت التورية تامّة في البيت الآتي على أحسن الوجوه، ولعلي لم أسبق إليه))(٥)، ذكره المؤلف. (واعتصمت) أي: طلبت العصمة والحفظ (من كل ظالم بما حوى) (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): ((من)). (٢) هو: معمر بن المثنى، أبو عبيدة، التَّيْمي، البصري، النحوي، العلامة، صاحب التصانيف، كان متوسعًا في علم اللسان وأيام الناس، وكان يرى رأي الخوارج، قال المُبَّرِّد: ((كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وكان الأَصْمَعِي يشركه في الغريب والشعر والمعاني، وكان الأَصْمَعِي أعلم بالنحو منه))، ولد في سنة: ١١٠، قيل: مات سنة ٢٠٩، وقيل: مات ٢١٠. راجع ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٨ / رقم: ٦١٠٧)، و(سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٤٥/٩). (٣) حكى عنه الفتحَ في هذا الفعل الجوهري في ((الصحاح)) (١٩٢٤/٥) ولفظه: ((قال أبو عبيدة: ودَهَمْتُهم بالفتح لغة)). (٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ أ). (٥) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ أ). ٩٨ الحرز الثمين الحصن الحصين أي: بسبب ماجمعه هذا ((الحصن)) (من السهام المصيبة) أي: من الدعوات التي هي كالسهام التي تصيب الغرض غير [مخطئة](١). (وقلت شعرًا: ألا قولوا لشخصٍ قد تقوى) ألا بالتخفيف للتنبيه، وأخطأ من قال هنا: إن الهمز للاستفهام، و((لا)) للنفي، إذْ لا يصلح أن يكون ((قولوا)) مدخولًا لها، وقوله: ((تقوى))، أي: أظهر قوته الحسّية وشوكته [الجاهية](٢) (على ضعفي ولم يخشى رقيبه) أي: على ضعف بنيتي، أو وهن [رتبتي](٣)، أو استولى عليّ لأجل ضعفي، والحال أنه لم يخف رقيبه، أي: حافظه، وناظر أعماله، وحاضر أحواله، ومطلع أقواله، والضمير في ((رقيبه)) راجعٌ إلى الشخص، ومن أسمائه سبحانه الرقيب، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيءٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَان ◌ٌللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. ثم اعلم أنه جاء في نسخة: ((لا يخشى)) على صيغة النفي، وهو ظاهر لا يخفى، لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة على إثبات الألف في: ((لم يخشى))، قال المصنف: ((إثبات الألف فيه ورد على لغة: أَلَمْ يَأْتِيكَ (١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((مخطئته)). (٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): ((الجاهلية)). (٣) كذا في (أ) و(ج) و(هـ)، وفي (ب): ((رقبتي))، وفي (د): ((مرتبتي)). ٩٩ الحرز الثمين الحصن الحصين وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي(١)، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: (أرسله معنا غدًا [نرتعي](٢) ونلعب)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّه مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرٌ﴾ [يوسف: ٩٠]. وكان يمكن أن يقال: ولن [يخشى](٣)، أو: وما يخشى، ولكن لا يقوم مقام ((ولم يخشى))؛ ولهذا يقال: هذه لغة الشعراء؛ لأن لهم مقاصدَ ومبانيَ على معانٍ لا يدركها أكثر علماء النحو)) (٤)، ذكره المؤلف، وبه ظهر بطلان النسخة المتقدمة. (خَبَأْتُ له سهامًا في الليالي) أي: أخفيت لذلك الشخص الظالم المتقوي على الضعيف دعواتٍ مشابهة بالسهام الواقعة في أجواف الليالي التي هي أقرب إلى الإجابة؛ ولذا قال: (وأرجو أن تكون له مصيبه) أي: أن تصير سهام الدعوات مصيبةً لذلك الشخص، ومدركة لحاله ومآله، فـ((له)) صفة ((مصيبة)) قُدِّمت عليها فصارت حالًا، فلا ضرورة إلى ما قاله الحنفي من أن تقديم الظرف لرعاية الوزن. ثم قوله: ((مصيبه)) منصوبة على أنها خبر ((تكون))، والاسم هو الضمير الراجع إلى السهام، وفي نسخة بالرفع على أن ((تكون)) تامّةً، فالمعنى: (١) صدر بيت من الوافر، وهو لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِیادٍ، وهو من شواهد ((الكتاب)) لسيبويه (٣١٦/٣). (٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): ((نرتع)). (٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): ((أخشى)). (٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢ / أ). ١٠٠ الحرز الثمين الحصن الحصين أرجو أن تقع له مصيبة عظيمةٌ، وبليةٌ جسيمةٌ، على أن البيت ما يتزن إلا بالوقف، لا على النصب ولا على الرفع، وإنما الإعرابُ المذكورُ على فرض الوصل، أو بيانِ الفصل. (أسأل الله العظيم أن ينفع) أي: اللّه المسلمين في عموم أحوالهم (به) أي: بسبب هذا (الحصن))، وما فيه من الدعوات المأثورة، ومواظبتهم إياها، (وأن يُفرِّج) بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بفتح فسكون فضم، ففي ((القاموس)): ((فَرَجَ اللهُ الغَمَّ يَفْرِجُهُ: كَشَفَه، كفرَّجَه)»(١)، فالمعنى: يدفع المكروه من الظلم وغيره (عن كل مسلم بسببه) أي: بموجب تصنيفه وكتابته، أو بمقتضى العمل بما فيه وقراءته (على أنه) قيل: ((متعلق بقوله: ((فإن هذا الحصن))، أو: بقوله: ((بذلت))، فـ((على)) بمعنى ((مع))))، والأظهر الأقرب كما قال ميرك: ((إنه متعلقٌ بقوله: ((أسأل اللّه)))، وحينئذٍ على أنه للتعليل، أي: بناءً على أنه، أي: الحصن (مع اقتصاره) وهو ما إذا كان اللفظ والمعنى قليلًا (واختصاره) وهو ما إذا كان اللفظ قليلًا والمعنى كثيرًا، ذكره ميرك، وقيل: ((هما بمعنَّى واحدٍ، جمع بينهما تأكيدًا)). (لم يدع) بفتح الدال أي: لم يترك (حديثًا صحيحًا في بابه) في باب الدعاء، وطريق التحصن من البلاء (إلا استحضره) أي: جمعه (وأتى به) أي: أحاط (١) ((القاموس)) (١/ ٢٠١)