النص المفهرس

صفحات 601-620

١١٠٦ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: «الْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ
بَعْدَهَا) [خ ٥٤٧-م٦٤٧/ ٢٣٧] .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ بِالتَّْخِيصِ فِي الْكَلاَمِ لِلْأُمُورِ الَّتِي قَدَّمْتُهَا .. فَكَثِيرَةً (١) .
١١٠٧ - فَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ أَبْنِ عُمَرَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ .. قَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ
لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسٍ مِنَةٍ سَنَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَلْيَوْمَ
أَحَدٌ )) [خ١١٦ - م٢٥٣٧].
١١٠٨ - وَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي
((صَحِيحَيْهِمَا)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَمَ بِالصَّلاَةِ حَتَّى أَبْهَازَّ
اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّىُ بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَىْ
صَلاَتَهُ .. قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: ((عَلَىْ رِسْلِكُمْ أُعَلِّمْكُمْ، وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اُللهِ
عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ - أَوْ قَالَ - : مَا صَلَّى
أَحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ )) [خ ٥٦٧_ م٦٤١].
١١٠٩ - وَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)): أَنَّهُمُ أَنْتُظَرُوا النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُمْ قَرِيباً مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ ، فَصَلَّى بِهِمْ - يَغْنِي الْعِشَاءَ -
قَالَ: ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ((أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي
صَلاَةٍ مَا أَنْتُظَرْتُمُ الصَّلاَةَ)) [خ٦٠٠].
١١١٠ - وَمِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَبِيتِهِ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ
مَيْمُونَةَ وَقَوْلُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ دَخَلَ فَحَدَّثَ
أَهْلَهُ، وَقَوْلُهُ: ((نَامَ الْغُلَيِّمُ ؟)) [خ ١١٧].
(١) كذا في (ج) و( د) بزيادة: (أرمز إِلى أطراف منها، فمن ذلك ... ).
٦٠١

وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قِصَّةٍ أَضْيَافِهِ
وَأَحْتِبَاسِهِ عَنْهُمْ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ وَكَلَّمَهُمْ، وَكَلَّمَ أَمْرَأَتَهُ وَأَبْنَهُ ،
وَتَكَرَّرَ كَلَامُهُمْ (١)، وَهَذَانِ أَلْحَدِيثَانِ فِي « الصَّحِيحَیْنِ )) [حديث ابن عباس في خ١١٧ -
م٧٦٣/ ١٩٠، وحديث عبد الرحمن في خ ٦٠٢ - م٢٠٥٧] .
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ لاَ تَنْحَصِرُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَبْلَغُ كِفَايَةٍ ، وَللهِ الْحَمْدُ .
فَضَك [في حكم تسمية العشاء الآخرة العتمة، والمغرب عشاء، والصبح غداة] :
يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءُ الآخِرَةُ الْعَتَمَةَ؛ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ اٌلْمَشْهُورَةِ فِي
ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ أَيْضاً أَنْ تُسَمَّى الْمَغْرِبُ عِشَاءً .
١١١١ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ
تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى أَسْمِ صَلاَتِكُمُ الْمَغْرِبُ))، قَالَ: وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ : هِيَ
الْعِشَاءُ [خ ٥٦٣].
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِتَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً ؛
١١١٢ - كَحَدِيثٍ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعَتَمَةِ .. لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً))
[خ ٦١٥ - م٤٣٧] .. فَأَلْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا وَقَعَتْ بَيَاناً لِكَوْنِ النَّهْي لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ ، بَلْ لِلَّنْزِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خُوطِبَ بِهَا مَنْ يَخَافُ أَنَّهُ يَلْتَبَسُ عَلَيْهِ الْمُرَادُ لَوْ سَمَّاهَا عِشَاءً .
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الصُّبْحِ غَدَاةً . . فَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ كَثُرَتِ
اُلْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي أَسْتِعْمَالِ الْغَدَاةِ(٢) ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَرَاهَةً
(١) تقدم برقم (٨٣٥) .
(٢) من ذلك : ما أخرجه البخاري ( ٥٤٧)، ومسلم ( ٦٤٧) عن أبي بَرْزة الأسلمي رضي الله عنه ، =
٦٠٢

ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلاَ بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ وَأَلْعِشَاءِ عِشَاءَيْنِ ، وَلاَ بَأْسَ
بِقَوْلِ: أَلْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (لاَ يُقَالُ: أَلْعِشَاءُ
اُلْآخِرَةُ ) . . فَغَلَطْ ظَاهِرٌ ؛
١١١٣ - قَدْ ثَبَتَ فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((أَيُّمَا أَمْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُوراً .. فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ)) [م٤٤٤].
وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامٍ خَلاَئِقَ لاَ يُحْصَوْنَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي (الصَّحِيحَيْنِ)) وَغَيْرِ هِمَا (١)،
وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَوَاهِدِهِ فِي ((تَهْذِيبِ اُلْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ)) (٢) وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
فَضَ [في حرمة إِفشاء السر إِذا كان فيه ضرر أو إيذاء] :
وَمِمَّا يُنْهَى عَنْهُ إِفْشَاءُ السِّرٌ، وَاْلْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِرَةٌ ، وَهُوَ حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِيهِ
ضَرَرٌ أَوْ إِيذَاءٌ .
١١١٤ - رَوَيْنَا فِي « سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ
اُلْتَّفَتَ .. فَهِيَ أَمَانَةٌ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٤٨٦٨٥ - ت١٩٥٩] .
فَضَ [في كراهة أن يُسأل الرجل من غير حاجة : فيم ضرب امرأته] :
يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ الرَّجُلُ: فِيمَ ضَرَبَ أَمْرَأَتَهُ؟ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ .
وفيه : ( وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ) . ومنه: ما أخرجه مسلم ( ٦٨٢ )
=
عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، وفيه : ( حتى إِذا ابيضت الشمس .. نزل فصلى بنا الغداة).
(١) من ذلك: ما أخرجه البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨) عن عائشة رضي الله عنها ، وفيه:
( والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة ) . ومنه :
ما أخرجه مسلم (٤٦٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما ، وفيه : ( أنه كان في سفر فصلى العشاء
الآخرة )، ومنه : ما أخرجه مسلم أيضاً (٤٦٥ / ١٨٠) عن جابر رضي الله عنه ، وفيه : ( أن معاذ بن
جبل كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة ) .
(٢) قال في ((الفتوحات)) (١٣٩/٧): (لم أجده في نسختي من (( التهذيب))، ولعله سقط من
الكاتب ) ، وكذلك لم نجده فيما بين أيدينا .
٦٠٣

قَدْ رَوَيْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ فِي (حِفْظِ اللِّسَانِ) اُلْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي
السُّكُوتِ عَمَّا لاَ تَظْهَرُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ(١)، وَذَكَرْنَا اُلْحَدِيثَ الصَّحِيحَ: ((مِنْ حُسْنٍ
إِسْلاَمِ الْمَرْءِ .. تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ))(٢) [ت ٢٣١٧ - ق٣٩٧٦].
١١١٥ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يُسْأَلُ
الرَّجُلُ: فِيمَ ضَرَبَ أَمْرَأَتَهُ))(٣) [«٢١٤٧ - سك ٩١٢٣ - ق ١٩٨٦].
فَضَكُ [فيما جاء في الشِّعْر وبيان حكمه]:
أَمَّا الشِّعْرُ :
١١١٦ - فَقَدْ رَوَيْنَا فِي (( مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشِّعْرِ فَقَالَ :
(( هُوَ كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ)) [يعلى ٤٧٦٠].
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: أَنَّ الشِّعْرَ كَأَلنَّثْرِ(٤) ، لَكِنِ الثَّجَرُّدُ لَهُ وَأُلِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ
مَذْمُومٌ .
وَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ
الشِّعْرَ (٥)، وَأَمَرَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِهِجَاءِ الْكُفَّارِ (٦) .
انظر ( ص ٥٣٥ ) .
(١)
(٢)
تقدم برقم ( ١٠٠٣ ) .
لاحتمال أن يكون سبب ذلك مما يستحيا من ذكره ، كالامتناع من المطاوعة والتمكين .
(٣)
كذا في (ج) و( د) بزيادة: ( حسنه كحسن النثر ، وقبيحه كقبيحه ، لكن التجرد .. ).
(٤)
أخرج ابن حبان ( ٥٧٨١)، والترمذي (٢٨٥٠)، وأحمد (١٠٥/٥)، والطبراني في ((الكبير))
(٥)
(٢٢٩/٢) عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: ( جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة
مرة ، فكان أصحابه يتناشدون الشعر ، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت ، فربما تبسم
معهم ) .
(٦) أخرج البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦) عن البراء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله =
٦٠٤

١١١٧ - وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)) [خ٦١٤٥-
د٥٠١٠ - مي ٢٧٤٦ - هق ٦٨/٥] .
١١١٨- وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لأَنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ
قَيْحاً .. خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً)) [خ٦١٥٥-م٢٢٥٧].
وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى حَسَبٍ مَا ذَكَرْنَاهُ(١) .
فَضَك [في استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره]:
وَمِمَّا يُنْهَى عَنْهُ: أَلْفُحْشُ، وَبَذَاءُ اللِّسَانِ، وَاُلْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ
مَعْرُوفَةٌ، وَمَعْنَاهُ: التَّعْبِيرُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ بِعِبَارَةٍ صَرِيحَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ
صَحِيحَةً وَالْمُتَكَلِّمُ بِهَا صَادِقٌ ، وَيَقَعُ ذَلِكَ كَثِيراً فِي أَلْفَاظِ أَلْوِقَاعِ وَنَحْوِهَا ،
وَيَنْبَغِي أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ الْكِنَايَاتُ، وَيُعَبَّرَ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ جَمِيلَةٍ يُفْهَمُ بِهَا
اُلْغَرَضُ، وَبِهَذَا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَالسُّنَنُ الصَّحِيحَةُ الْمُكَرَّمَةُ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ
وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَّ﴾، وَأَلَآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي يُسْتَحْيَا
مِنْ ذِكْرِهَا بِصَرِيحِ أَسْمِهَا الْكِنَايَاتُ الْمُفْهِمَةُ، فَيُكْنَى عَنْ جِمَاعِ الْمَرْأَةِ بِالْإِفْضَاءِ
وَالدُّخُولِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْوِقَاعِ وَنَحْوِهَا ، وَلاَ يُصَرَّحُ بِالنَّيْكِ وَالْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا ،
وَكَذَلِكَ يُكَنَّى عَنِ الْبَوْلِ وَالتَّغَوُّطِ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالذَّهَابِ إِلَى الْخَلاَءِ، وَلاَ
يُصَرَّحُ بِالْخِرَاءَةِ وَأَلْبَوْلِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْعُيُوبِ كَالْبَرَصِ وَالْبَخَرِ
صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: ((أهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك)).
=
(١) في هامش ( ب): ( بلغ أبو العباس - وفقه الله توفيقاً متزايداً - سماعاً ومقابلة بقراءته ، ولله الحمد.
كتبه ابن العطار ) .
٦٠٥

وَالصُّنَانِ وَغَيْرِهَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بِعِبَارَاتٍ جَمِيلَةٍ يُفْهَمُ مِنْهَا الْغَرَضُ ، وَيُلْحَقُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ
مِنَ الْأَمْثِلَةِ مَا سِوَاهُ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إِذَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إِلَى النَّصْرِيحِ بِصَرِيحِ أَسْمِهِ ، فَإِنْ دَعَتْ
حَاجَةٌ لِغَرَضِ الْبَانِ وَالتَّعْلِيمِ وَخِيفَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ يَفْهَمُ (١) أَلْمَجَازَ، أَوْ يَفْهَمُ غَيْرَ
الْمُرَادِ .. صُرِّحَ حِينَئِذٍ بِأَسْمِهِ الصَّرِيحِ؛ لِيَحْصُلَ الْإِفْهَامُ الْحَقِيقِيُّ، وَعَلَى هَذَا
يُحْمَلُ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِمِثْلِ هَذَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى
الْحَاجَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ تَحْصِيلَ آلْإِفْهَامِ فِي هَذَا أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةٍ مُجَرَّدِ الْأَدَبِ ،
وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .
١١١٩ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّغَّانِ ،
وَلاَ أَلْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءٍ )) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢) [ت ١٩٧٧].
١١٢٠ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ .. إِلَّ شَانَهُ،
وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ . . إِلَّ زَانَهُ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت١٩٧٤ - ق٤١٨٥].
فَضَى [في تحريم انتهار الوالد والوالدة وشبههما] :
يَحْرُمُ أَنْتِهَارُ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ وَشِبْهِهِمَا تَحْرِيماً غَلِيظاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَا أُنٍ وَلَا نَنَهُرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّتِّ ارْحَمْهُمَا كَا رَبَيَانِىِ صَغِيرًا﴾ آلْآيَةُ(٣).
في ( د) : ( لا يفهم ) ، وكلاهما يستقيم عليه المعنى.
(١)
(٢)
تقدم برقم ( ١٠٤١) .
قال في ((الفتوحات)) (١٥١/٧): (ومناسبة اقتران بر الوالدين بإفراد الله تعالى بالعبادة .. أنه تعالى=
(٣)
٦٠٦

١١٢١ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ
وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ .. فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ .. فَيَسُبُّ
◌ُمَّهُ )) [خ٥٩٧٣-م٩٠] .
١١٢٢ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ تَحْتِي أَمْرَأَةٌ ، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا ، فَقَالَ لِي :
طَلِّقْهَا ، فَأَبَيْتُ ، فَتَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ
لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((طَلِّقْهَا)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ [٥١٣٨٥- ت١١٨٩] .
١٩ - بَابُ النَّهْي عَنِ الْكَذِبِ وَبَيَانِ أَقْسَامِهِ
قَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ
مِنْ قَبَائِح الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ، وَإِجْمَاعُ الْأَمَّةِ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ
النُّصُوصِ الْمُتَظَاهِرَةِ ، فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى نَقْلِ أَفْرَادِهَا، وَإِنَّمَا أَلْمُهِمُ بَيَانُ مَا يُسْتَثْنَى
مِنْهُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى دَقَائِقِهِ ، وَيَكْفِي فِي التَّنْفِيرِ مِنْهُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِخَّتِهِ ؛
وَهُوَ :
١١٢٣ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا)» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ .. كَذَبَ ، وَإِذَا
وَعَدَ .. أَخْلَفَ، وَإِذَا أَثْتُمِنَ .. خَانَ))(١) [خ ٣٣ - م١٠٧/٥٩].
هو الموجد حقيقة والوالدان وساطة في إنشائه ، وهو تعالى المنعم بإيجاده ورزقه ، وهما ساعيان في
=
مصالحه ) .
(١) تقدم برقم (٩٣٦).
٦٠٧

١١٢٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ .. كَانَ
مُنَافِقاً خَالِصً(١) ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ . . كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى
يَدَعَهَا: إِذَا أَثْتُمِنَ .. خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ .. كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ .. غَدَرَ ، وَإِذَا
خَاصَمَ .. فَجَرَ ))، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ: ((إِذَا (٢) وَعَدَ .. أَخْلَفَ)) بَدَلَ: ((إِذَا
أَنْتُمِنَ .. خَانَ)) [خ٣٤-٥٨٢].
وَأَمَّا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ :
١١٢٥- فَقَدْ رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَمِّ كُلُثُوم
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَيْسَ
اُلْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْراً أَوْ يَقُولُ خَيْراً)»(٣) هَذَا الْقَدْرُ فِي
((صَحِيحَيْهِمَا)).
وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ : قَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: ( وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا
يَقُولُ النَّاسُ إِلَّ فِي ثَلاَثٍ؛ يَعْنِي: الْحَرْبَ، وَاَلْإِصْلاَحَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَحَدِيثَ
الرَّجُلِ أَمْرَأَتَهُ وَالْمَرْأَةِ زَوْجَهَا) [خ ٢٦٩٢ -٢٦٠٥٢].
فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي إِبَاحَةِ بَعْضٍ اُلْكَذِبِ لِلْمَصْلَحَةِ .
وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ مَا يُبَاحُ مِنْهُ، وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُهُ فِي ضَبْطِهِ : مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ
أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ : ( أَلْكَلاَمُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقَاصِدِ، فَكُلُّ مَفْصُودٍ مَحْمُودٍ
(١) أي : نفاق عمل، أو أن المرء إذا اعتيد ذلك منه .. خشي أن يجره إِلى النفاق الحقيقي والعياذ بالله؛
فالمعاصي بريد الكفر. ((الفتوحات)) (١٥٥/٧) .
(٢)
لفظة : ( إذا ) زيادة من (ج ) .
قوله: ((فينمي)) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى في ((النهاية)) (١٢١/٥): (يقال: نَمَيْتُ الحديث
(٣)
أنميه : إذا بلغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير ، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة .. قلت :
نمَّيْتُه ) .
٦٠٨

يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ بِالصِّدْقِ وَاَلْكَذِبِ جَمِيعاً .. فَالْكَذِبُ فِيهِ حَرَامٌ ؛ لِعَدَم اُلْحَاجَةِ
إِلَيْهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ التَّوَصُلُ إِلَيْهِ بِالْكَذِبِ وَلَمْ يُمْكِنْ بِالصِّدْقِ .. فَالْكَذِبُ فِيهِ مُبَاحٌ إِنْ
كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ مُبَاحاً ، وَوَاحِبٌ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ وَاجِباً ، فَإِذَا أُخْتَفَىُ
مُسْلِمٌ مِنْ ظَالِمٍ وَسَأَلَ عَنْهُ .. وَجَبَ اُلْكَذِبُ بِإِخْفَائِهِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ
غَيْرِهِ وَدِيعَةٌ وَسَأَلَ ظَالِمٌ يُرِيدُ أَخْذَهَا .. وَجَبَ عَلَيْهِ اَلْكَذِبُ بِإِخْفَائِهَا، حَتَّى لَوْ
أَخْبَرَهُ بِوَدِيعَةٍ عِنْدَهُ فَأَخَذَهَا الظَّالِمُ قَهْراً .. وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى الْمُودَعِ الْمُخْبِرِ ،
وَلَوِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا .. لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ ، فَإِنْ حَلَفَ وَلَمْ يُوَرِّ ..
حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لاَ يَحْنَثُ .
وَكَذَا لَوْ كَانَ مَقْصُودُ حَرْبٍ ، أَوْ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، أَوِ أُسْتِمَالَةُ قَلْبِ الْمَجْنِيِّ
عَلَيْهِ فِي الْعَفْوِ عَنِ الْجِنَايَةِ لاَ يَحْصُلُ إِلَّ بِكَذِبٍ . . فَالْكَذِبُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَهَذَا
إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْغَرَضُ إِلَّ بِالْكَذِبِ)(١) .
وَاْلِإِحْتِيَاطُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُوَرِّيَ، وَمَعْنَى الثَّوْرِيَةِ: أَنْ يَقْصِدَ بِعِبَارَتِهِ مَقْصُوداً
صَحِيحَاً لَيْسَ هُوَ كَاذِباً بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِباً فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ
هَذَا بَلْ أَطْلَقَ عِبَارَةَ الْكَذِبِ .. فَلَيْسَ بِحَرَامٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ .
قَالَ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ: ( وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَرْتَبَطَ بِهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ لَهُ أَوْ
لِغَيْرِهِ، فَلَّذِي لَهُ؛ مِثْلُ: أَنْ يَأْخُذَهُ ظَالِمٌ وَيَسْأَلَهُ عَنْ مَالِهِ لِيَأْخُذَهُ .. فَلَهُ أَنْ
يُنْكِرَهُ ، أَوْ يَسْأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْ فَاحِشَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى أَرْتَكَبَهَا .. فَلَهُ أَنْ يُنْكِرَهَا
وَيَقُولَ: ((مَا زَنَيْتُ))، أَوْ ((مَا شَرِبْتُ)) مَثَلاَ - وَقَدِ أَشْتَهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَلْقِينِ
الَّذِينَ أَفَرُوا بِالْحُدُودِ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ - وَأَمَّا غَرَضُ غَيْرِهِ .. فَمِثْلُ: أَنْ يُسْأَلَ
عِنْ سِرِّ أَخِيهِ .. فَيُنْكِرَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَابِلَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ الْكَذِبِ
وَالْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتَِّةِ عَلَى الصِّدْقِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ فِي الصِّدْقِ أَشَدَّ ضَرَراً ..
(١) («الإحياء)) (١٣٧/٣).
٦٠٩

فَلَهُ الْكَذِبُ، وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ أَوْ شَكَّ .. حَرُمَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَمَتَّى جَازَ اَلْكَذِبُ:
فَإِنْ كَانَ الْمُسِيحُ غَرَضاً يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ .. فَيُسْتَحَبُّ أَلَّ يَكْذِبَ، وَمَتَّى كَانَ مُتَعَلِّقاً
بِغَيْرِهِ .. لَمْ تَجُزِ الْمُسَامَحَةُ بِحَقِّ غَيْرِهِ ، وَأَلْحَزْمُ : تَرْكُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أُبِيحَ إِلَّ إِذَا
كَانَ وَاجِباً)(١) .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ : أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ اُلْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءٍ بِخِلاَفِ
مَا هُوَ ، سَوَاءٌ تَعَمَّدْتَ ذَلِكَ أَمْ جَهِلْتَهُ(٢) ، لَكِنْ لاَ يَأْثَمُ فِي الْجَهْلِ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ
فِي الْعَمْدِ ، وَدَلِيلُ أَصْحَابِنَاَ: تَقْبِيدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ
مُتَعَمِّداً .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) [خ ١٢٩١ -م٤].
٢٠ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى التَّثَبَّتِ فِيمَا يَحْكِي الْإِنْسَانُ ،
وَالنَّهْي عَنِ التَّحْدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ إِذَا لَمْ يَظُنَّ صِخَّتَهُ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَ نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَُّّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَهَِ
كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيْبُ عَنِيدٌ﴾، وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ .
١١٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) عَنْ خَفْصِ بْنِ عَاصِمِ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ
كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) [م٥].
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَكَذَا، وَالثَّانِ: عَنْ حَفْصِ بْنِ
عَاصِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلاً؛ لَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ (٣)، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ
(١) ((الإِحياء)) (١٣٨/٣).
(٢) كذا في النسخ ( سواء تعمدت ... ) دون همزة التسوية، وهذا سائغ لغةً، انظر التعليق (ص٦٥).
وقع في بعض نسخ ((صحيح مسلم )) المطبوعة مرفوعاً، وقد نبه الإمام النووي رحمه الله تعالى في
(٣)
((شرح الصحيح)) (٧٤/١) على إِرساله! وجاء هذا الحديث مستقيماً عن حفص بن عاصم مرسلاً
دون ذكر أبي هريرة رضي الله عنه في مطبوعة جمعية المكنز الإسلامي بالقاهرة (٧/١) ، فليتنبه .
٦١٠

مَنْ أَثْبَتَ أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثَّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ
الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْمُحَفِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّئِينَ: أَنَّ الْحَدِيثَ
إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلاً وَالْآخَرُ مُتَّصِلاً .. قُدِّمَ الْمُتَصِلُ، وَحُكِمَ
بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَجَازَ اُلِإِحْتِجَاجُ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَاَللهُ
أَعْلَمُ .
١١٢٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: ( بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ اَلْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) [م١١/١].
وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثْلَهُ [م١١/١].
وَآلآثَارُ فِي هَذَا أَلْبَابِ كَثِيرَةٌ .
١١٢٨ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ (١) أَوْ
حُذَيْفَةَ بْنِ أَلْيَمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((بِئْسَ
مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا)) [٤٩٧٢٥ وانظر الملحق].
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي (( مَعَالِمِ السُّنَنِ )) [٢٥٤/٥]:
( أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ الظَّعْنَ فِي حَاجَةٍ وَالسَّيْرَ إِلَى بَلَدٍ ..
رَكِبَ مَطِيَّةً وَسَارَ حَتَّى يَبْلُغَ حَاجَتَهُ، فَشَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُقَدِّمُ
الرَّجُلَ أَمَامَ كَلاَمِهِ وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حَاجَتِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: ((زَعَمُوا)) بِالْمَطِيَّةِ ، وَإِنَّمَا
يُقَالُ: ((زَعَمُوا)) فِي حَدِيثٍ لاَ سَنَدَ لَهُ وَلاَ ثَبَتَ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُحْكَى عَلَى سَبِيلِ
الْبَلاَغْ ، فَذَتَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا هَذَا سَبيلُهُ، وَأَمَرَ بِالتَّوَتُقِ
فِيمَا يَحْكِيهِ وَالتََّبَّتِ فِيهِ ، فَلاَ يَرْوِيِهِ حَتَّى يَكُونَ مَعْزُوّاً إِلَى ثَبَتٍ ) هَذَا كَلَامُ
الْخَطَّابِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
(١) في النسخ: (ابن مسعود)، والتصويب من ((السنن))، و((تحفة الأشراف)) (٤٥/٣ - ٣٣٣/٧).
٦١١

٢١ - بَابُ التَّعْرِيضِ وَالتَّوْرِيَةِ
إِعْلَمْ : أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ أَهَمِّ الْأَبْوَابِ ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ أُسْتِعْمَالُهُ وَتَعُمُّ بِهِ
الْبَلْوَىُ ، فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْتَنِيَ بِتَحْقِيقِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْوَاقِفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَأَمَّلَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ ،
وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِي أَلْكَذِبِ مِنَ النَّحْرِيمِ الْغَلِيظِ ، وَمَا فِي إِطْلاَقِ اللَّسَانِ مِنَ الْخَطَرِ ،
وَهَذَا أَلْبَابُ طَرِيقٌ إِلَى السَّلاَمَةِ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ التَّوْرِيَةَ وَالتَّعْرِيضَ مَعْنَاهُمَا: أَنْ تُطْلِقَ لَفْظاً هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَىَ ،
وَتُرِيدَ بِهِ مَعْنَىَّ آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ (١)، وَلَكِنَّهُ خِلاَفُ ظَاهِرِهِ ، وَهَذَا ضَرْبٌ
مِنَ التَّغْرِيرِ وَالْخِدَاعِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى خِدَاعِ
١٥
الْمُخَاطَبِ، أَوْ حَاجَةٌ لاَ مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إِلاَّ بِالْكَذِبِ .. فَلاَ بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ، وَإِنْ
لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .. فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَام ، إِلاَّ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَخْذِ
بَاطِلٍ أَوْ دَفْعٍ حَقِّ . . فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ حَرَاماً ، هَذَا ضَابِطُ الْبَابِ .
فَأَمَّا أَلَآثَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ : فَقَدْ جَاءَ مِنَ آلآثَارِ مَا يُبِيحُهُ وَمَا لاَ يُبِيحُهُ ، وَهِيَ
مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا النَّفْصِيلِ أَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
فَمِمَّا جَاءَ فِي الْمَنْعِ :
١١٢٩ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضُّعْفٌ - لَكِنْ لَمْ يُضَعَّفْهُ
أَبُو دَاوُودَ ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَسَناً عِنْدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ(٢) - عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ -
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كَبُرَتْ خِيَانَةٌ أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ بِهِ كَاذِبٌ)) [٤٩٧١٥].
(١) فإن كان ذلك المعنى مما وضع له اللفظ إلا أنه بعيد الفهم منه .. فتورية، وإن لم يكن كذلك ..
فتعريض. ((الفتوحات)) ( ١٦٥/٧).
(٢) انظر ( ص ٤٧ ).
٦١٢

وَرَوَيْنَا عَنِ أَبْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: ( أَلْكَلاَمُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ
ظَرِيفٌ ) .
مِثَالُ التَّعْرِيضِ الْمُبَاحِ: مَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ( إِذَا بَلَغَ الرَّجُلَ عَنْكَ
شَيْءٌ قُلْتَهُ . . فَقُلِ: اللهُ يَعْلَمُ مَا قُلْتُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ ، فَيَتَوَهَّمُ السَّامِعُ النَّفْيَ ،
وَمَقْصُودُكَ : اللهُ يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتُهُ ) .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ أَيْضاً : ( لاَ تَقُلْ لِابْنِكَ: أَشْتَرِي لَكَ سُكَّراً، بَلْ قُلْ: أَرَأَيْتَ لَوٍ
أَشْتَرَيْتُ لَكَ سُكَّراً؟ ).
وَكَانَ النَّخَعِيُّ إِذَا طَلَبَهُ رَجُلٌ .. قَالَ لِلْجَارِيَةِ: ( قُولِي لَهُ : أَطْلُبُهُ فِي
اُلْمَسْجِدِ )، وَقَالَ غَيْرُهُ: ( خَرَجَ أَبِي فِي وَقْتٍ قَبْلَ هَذَا ).
وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَخُطُ دَائِرَةً وَيَقُولُ لِلْجَارِيَةِ : ( ضَعِي إِصْبَعَكِ فِيهَا وَقُولِي:
لَيْسَ هُوَ هَهُنَا)، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ النَّاسِ فِي الْعَادَةِ لِمَنْ دَعَاهُ لِطَعَام: (أَنَا عَلَى
◌ِيَّةٍ ) مُوهِماً أَنَّهُ صَائِمٌ، وَمَقْصُودُهُ: عَلَى نِيَّةِ تَرْكِ الْأَكْلِ، وَمِثْلُهُ: ( أَنْصَرْتَ
فُلاَناً؟ ) فَيَقُولُ: ( مَا رَأَيْتُهُ) أَيْ: مَا ضَرَبْتُ رِئْتَهُ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ .
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَوَرَّى فِي يَمِينِهِ .. لَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءٌ حَلَفَ بِاللهِ
تَعَالَى أَوْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَلاَ غَيْرُهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ
يُحَلِّفْهُ أَلْقَاضِي فِي دَعْوىُ ؛ فَإِنْ حَلَّفَهُ أَلْقَاضِي فِي دَعْوَىُ .. فَالِاِعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْقَاضِي
إِذَا حَلَّفَهُ بِاللهِ تَعَالَى، فَإِنْ حَلَّفَهُ بِالطَّلاَقِ .. فَالِعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ
لِلْقَاضِي تَخْلِيفُهُ بِالطَّلاَقِ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (وَمِنَ الْكَذِبِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يُوجِبُ الْفِسْقَ : مَا جَرَتْ بِهِ
اَلْعَادَةُ فِي الْمُبَالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ((قُلْتُ لَكَ مِئَةَ مَرَّةٍ ))، وَ(( طَلَبْتُكَ مِئَةَ مَرَّةٍ )) ،
وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُرَادُ بِهِ تَفْهِيمُ الْمَرَّاتِ، بَلْ تَفْهِيمُ الْمُبَالَغَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَهُ إِلاَّ
٦١٣

مَرَّةً وَاحِدَةً .. كَانَ كَاذِباً، وَإِنْ طَلَبَهُ مَرَّاتٍ لاَ يُعْتَادُ مِثْلُهَا فِي الْكَثْرَةِ .. لَمْ يَأْثَمْ وَإِنْ
لَمْ يَبْلُغْ مِتَ مَرَّةٍ ، وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ يَتَعَرَّضُ الْمُبَالِغُ لِلْكَذِبِ فِيهَا)(١).
قُلْتُ : وَدَلِيلُ جَوَازٍ الْمُبَالَغَةِ وَأَنَّهُ لاَ يُعَدُّ كَذِباً:
١١٣٠ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( أَمَّا أَبُو أَلْجَهْمِ .. فَلاَ يَضَعُ أَلْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ .. فَلاَ مَالَ لَهُ))(٢) [خ -
(١) ((الإِحياء)) (٣/ ١٤٠) ولكن عبارة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في النسخة المعتمدة لدينا، وفي
نسخة الإمام الزبيدي في شرحه ((الإتحاف)) (٥٣٠/٧) هي : ( ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق :
ما جرت به العادة في المبالغة ... ) فليتنبه .
(٢) في (ج): ( وأما معاوية .. فصعلوك لا مال له)، وهي موافقة لرواية مسلم، وتقدم برقم
(١٠١٩)، وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٦٨/٧): (قال الشيخ ابن حجر
الهيتمي في ((تنبيه الأخيار)): فهم السيوطي أن قول المصنف: ((قلت: ودليل جواز المبالغة ... ))
إلخ اعتراض على تفصيل الغزالي - أي: وأنه لا تحرم المبالغة مطلقاً - فلذا أطلق فقال في (( أذكار
الأذكار)): وتكره المبالغة ؛ كقلت له مئة مرة))، وليس كما فهم ، بل هو تقرير له - أي : تقرير من
الإمام النووي للإمام الغزالي - لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل عنهما ذلك إلا بعد علمه وقوعه منهما ،
فإطلاق الجلال الكراهية ليس في محله) . ويؤيد هذا ما ذكره ابن علان رحمه الله تعالى في
((الفتوحات)) (١٣/٧) قال: ( قال الحاكم في كتاب ((مناقب الشافعي)): من لطيف استنباطه -
أي : الشافعي - : ما رواه محمد بن جرير الطبري عن الربيع قال : كان الشافعي يوماً بين يدي مالك بن
أنس ، فجاء رجل إلى مالك فقال : يا أبا عبد الله ؛ إني رجل أبيع القمري ، وإني بعت يومي هذا
قمرياً ، فبعد زمان أتى صاحب القمري فقال : إن قمريك لا يصيح ، فتناكرنا إلى أن حلفت بالطلاق أن
قمري لا يهدأ من الصياح ؟ فقال مالك : طلقت امرأتك ، فانصرف الرجل حزيناً ، فقام الشافعي إليه -
وهو يومئذٍ ابن أربع عشرة سنة - وقال للسائل : أصياح قمريك أكثر أم سكوته ؟ قال السائل : بل
صياحه ، قال الشافعي : امض فإن زوجتك ما طلقت ، ثم رجع الشافعي إلى الحلقة ، فعاد السائل إلى
مالك وقال : يا أبا عبد الله ؛ تفكّر في واقعتي .. تستحق الثواب ، فقال مالك : الجواب ما تقدم ،
قال : فإنَّ عندك من قال : الطلاق غير واقع ، فقال مالك : ومَنْ هو ؟ فقال السائل : هو هذا الغلام ،
وأومأ بيده إلى الشافعي ، فغضب مالك وقال : من أين هذا الجواب ؟ فقال الشافعي : لأني سألته ؛
أصياحه أكثر أم سكوته فقال : إن صياحه أكثر ، فقال مالك ، وهذا الدليل أقبح ؛ وأي تأثير لقلة
سكوته وكثرة صياحه في هذا الباب ؟! فقال الشافعي : لأنك حدثتني عن عبد الله بن يزيد عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس : أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :
يا رسول الله؛ إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فأيهما أتزوج؟ فقال لها: « أما معاوية .. فصعلوك ،
وأما أبو جهم .. فلا يضع عصاه عن عاتقه))، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا جهم كان
يأكل وينام ويستريح، فعلمنا أنه عليه الصلاة والسلام عنى بقوله: (( لا يضع العصا عن عاتقه)) على =
٦١٤

١٤٨٠٢]، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْعَصَا فِي وَقْتِ النَّوْمِ
وَغَيْرِهِ ، وَبِاللهِ الثَّوْفِيقُ .
٢٢ - بَابُ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِالَّهِ ﴾، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَهُمْ طَِّفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُؤْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ
مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾(١).
١١٣١- وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ :
بِاللَّتِ وَالْعُزَّى .. فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ أُقَامِرْكَ ..
فَلْيَتَصَدَّقْ)) [خ٤٨٦٠ - م١٦٤٧].
وَأَعْلَمْ : أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِحَرَامٍ أَوْ فَعَلَهُ . . وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ ، وَلَهَا
ثَلاَثَةُ أَرْكَانٍ : أَنْ يُقْلِعَ فِي الْحَالِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَنْ يَنْدَمَ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَأَنْ يَعْزِمَ
◌َلَّ يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمَعْصِيَةِ حَقٌّ آدَمِيٍّ .. وَجَبَ عَلَيْهِ مَعَ الثَّلاَثَةِ رَابِعٌ ،
وَهُوَ رَدُّ الظُّلَامَةِ إِلَى صَاحِبِهَا، أَوْ تَخْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا ،
وَإِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ . . فَيَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَمِيع الذُّنُوبِ ، فَلَوِ أَقْتَصَرَ عَلَى التَّوْبَةِ
تفسيره بظاهره : أن الأغلب من أحواله ذلك ، فكذا هنا قوله : هذا القمري لا يهدأ من الصياح : أن
=
الأغلب من أحواله ذلك ، فلما سمع مالك ذلك من الشافعي .. لم يقدح في قوله ألبتة ) .
(١) الإصرار على الذنب : المداومة عليه وعدم التوبة منه، ويحدث نفسه أنه ما قدِّر عليه فعله ، ولا ينوي
توبة ، ولا يرجو وعداً لحسن ظنه ، ولا يخاف وعيداً على سوء عمله ، هذا حقيقة الإِصرار ، ومقام
هذا العتو والاستكبار ، ويخاف على مثل هذا سوء الخاتمة ؛ لأنه سالك طريقها والعياذ بالله .
((الفتوحات)) ( ٧ / ١٧٠).
٦١٥

مِنْ ذَنْبٍ .. صَحَّتْ تَوْبَتُهُ مِنْهُ ، وَإِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبِ تَوْيَّةً صَحِيحَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ عَادَ
إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ .. أَثِمَ بِالثَّانِي وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّوْبَةُ مِنْهُ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ مِنَ الْأَوَّلِ ،
هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلاَفاً لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .
٢٣ - بَابٌ فِي أَلْفَاظِ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتُهَا وَلَيْسَتْ مَكْرُوهَةً
إِعْلَمْ: أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ؛ لِتَلأَّ يُغْتَرَّ بِقَوْلٍ بَاطِلٍ وَيُعَوَّلَ عَلَيْهِ.
وَأَعْلَمْ : أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ الْخَمْسَةَ - وَهِيَ: الْإِجَابُ ، وَالنَّدْبُ ،
وَالثَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ - لاَ يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلاَّ بِدَلِيلٍ ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ
مَعْرُوفَةٌ، فَمَا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ
فَلاَ يُشْتَغَلُ بِجَوَابِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ تَبَرَّعَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا بِذِكْرِ دَلِيلٍ عَلَى
إِنْطَالِهِ ، وَمَقْصُودِي بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُ أَنَّ قَائِلاً كَرِهَهُ ثُمَّ قُلْتُ : لَيْسَ
مَكْرُوهاً، أَوْ هَذَا بَاطِلٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى دَلِيلِ عَلَى إِبْطَالِهِ ، وَإِنْ
ذَكَرْتُهُ .. كُنْتُ مُتَبَرِّعاً بِهِ، وَإِنَّمَا عَقَدْتُ هَذَا الْبَابَ لِأُبَيِّنَ الْخَطَأَ فِيهِ مِنَ
الصَّوَابِ ؛ لِثَلاَّ يُغْتَزَّ بِجَلَاَلَةٍ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ الْبَاطِلُ .
وَأَعْلَمْ : أَنِّي لاَ أُسَمِّي الْقَائِلِينَ بِكَرَاهَةِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِئَلأَّ تَسْقُطَ جَلَالَتَّهُمْ ،
وَيُسَاءَ الظَّنُّ بِهِمْ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ الْقَدْحَ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ التَّحْذِيرُ مِنْ أَقْوَالٍ
بَاطِلَةٍ نُقِلَتْ عَنْهُمْ ، سَوَاءٌ صَحَّتْ عَنْهُمْ أَمْ لَمْ تَصِحَّ(١) ، فَإِنْ صَخَّتْ . . لَمْ تَقْدَحْ
فِي جَلَاَلَتِهِمْ كَمَا عُرِفَ، وَقَدْ أُضِيفُ بَعْضَهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ؛ بِأَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ
مُحْتَمَلاً فَيَنْظُرُ غَيْرِي فِيهِ ، فَلَعَلَّ نَظَرَهُ يُخَالِفُ نَظَرِي فَيَعْتَضِدُ نَظَرُّهُ بِقَوْلِ هَذَا أَلْإِمَامِ
السَّابِقِ إِلَى هَذَا الْحُكْمِ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَكَاهُ أُلْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ النَّخَاسُ فِي كِتَابِهِ (( شَرْحُ أَسْمَاءِ اللهِ
(١) كذا في النسخ: (سواء صحت ... ) دون همزة التسوية، وهذا سائغ لغة، انظر التعليق (ص ٦٥).
٦١٦

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى )) عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: ( تَصَدَّقَ اللهُ عَلَيْكَ ) ،
قَالَ: (لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يَرْجُو الثَّوَابَ ) .
قُلْتُ: هَذَا الْحُكْمُ خَطَأْ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَأَلِاِسْتِدْلَاَلُ أَشَدُّ فَسَاداً .
١١٣٢ - وَقَدْ ثَبَتَ فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أَنَّهُ قَالَ فِي قَصْرِ الصَّلاَةِ: (( صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَأَقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ))
[م ٦٨٦] .
فَضَ [في ردِّ ما حكي من كراهة أن يقال: اللهم أعتقني من النار] :
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَكَاهُ النَّخَاسُ أَيْضاً عَنْ هَذَا الْقَائِلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ :
( اللَّهُمَّ؛ أَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ ) ، قَالَ: (لِأَنَّهُ لاَ يُعْتَقُ إِلَّ مَنْ يَطْلُبُ الثَّوَابَ ) .
قُلْتُ: وَهَذِهِ الدَّعْوَى وَالإِسْتِدْلاَلُ مِنْ أَقْبَحِ الْخَطَأِ وَأَرْذَلِ الْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ
الشَّرْعِ، وَلَوْ ذَهَبْتُ أَتَتَبَّعُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمُصَرِّحَةَ بِإِعْتَاقِ اللهِ تَعَالَى مَنْ شَاءَ
مِنْ خَلْقِهِ . . لَطَالَ الْكِتَابُ طُولاً مُمِلاً، وَذَلِكَ :
١١٣٣ - كَحَدِيثِ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً .. أَعْتَقَ اللهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا غُضْواً
مِنْهُ مِنَ النَّارِ)) [خ٦٧١٥ - ١٥٠٩٣/ ٢٢].
١١٣٤ - وَحَدِيثِ: ((مَا مِنْ يَوْمِ أَكْثَرُ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدَاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْم
عَرَفَةَ)) [م١٣٤٨ - خز ٢٨٢٧ - ك٤٦٤/١ - س٢٥١/٥ - هق ١١٨/٥].
فَضَكُ [في ردِّ ما حكي من كراهة أن يقال: افعل كذا على اسم الله] :
وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ : يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ أَفْعَلْ كَذَا عَلَى أَسْمِ اللهِ، لِأَنَّ أَسْمَهُ
سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : ( هَذَا الْقَوْلُ غَلَطُ ؛
١١٣٥ - فَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
٦١٧

لِأَصْحَابِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ: ((أَذْبَحُوا عَلَى أَسْمِ اللهِ ))(١) أَيْ: قَائِلِينَ بِأَسْمِ اللهِ ) .
فَضَ [في ردِّ ما حكي من كراهة أن يقال : جمع الله بيننا في مستقر رحمته] :
وَمِنْ ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ النَّخَاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى - قَالَ: وَكَانَ مِنَ
اٌلْفُقَهَاءِ الْأُدَبَاءِ الْعُلَمَاءِ - قَالَ: ( لاَ يَقُلْ: جَمَعَ اللهُ بَيْنَنَا فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ ؛
فَرَحْمَةُ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا قَرَارٌ ، قَالَ: وَلاَ يَقُلِ : أَرْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ ) .
قُلْتُ : لَاَ نَعْلَمُ لِمَا قَالَهُ فِي اللَّفْظَيْنِ حُبَّةٌ، وَلَ دَلِيلَ لَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ ؛ فَإِنَّ مُرَادَ
اُلْقَائِلِ بِمُسْتَقَرِّ الرَّحْمَةِ: أَلْجَنَّةُ، وَمَعْنَاهُ: جَمَعَ بَيْنَنَا فِي الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ
وَدَارُ الْمُقَامَةِ وَمَحَلُّ الِاسْتِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا الدَّاخِلُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعَالَىَ، ثُمَّ
مَنْ دَخَلَهَا .. أَسْتَقَرَّ فِيهَا أَبَداً، وَأَمِنَ الْحَوَادِثَ وَالْأَكْدَارَ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ
بِرَحْمَةِ اللهِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : ( أَجْمَعْ بَيْنَنَا فِي مُسْتَقَرِّ نَنَالُهُ بِرَحْمَتِكَ ) .
فَضَكُ [في ردِّ ما حكي من كراهة أن يقال: اللهم أجرنا من النار، اللهم ارزقنا شفاعة النبي ◌َّم]:
رَوَى النَّخَاسُ عَنْ أَبِي بَكْرِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ: (لاَ يَقُلِ: اللَّهُمَّ؛ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ،
وَلاَ يَقُلِ: أَللَّهُمَّ؛ أَرْزُقْنَا شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّمَا يُشْفَعُ لِمَنِ
أَسْتَوْجَبَ النَّارَ ).
قُلْتُ : هَذَا خَطَأْ فَاحِشٌ وَجَهَالَةٌ بَيَّةٌ، وَلَوْلاَ خَوْفُ الِغْتِرَارِ بِهَذَا الْغَلَطِ وَكَوْنُهُ
قَدْ ذُكِرَ فِي كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ . . لَمَا تَجَاسَرْتُ عَلَى حِكَايَتِهِ ، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحِ
جَاءَ فِي تَرْغِيبِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ بِوَعْدِهِمْ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛
١١٣٦ - كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ...
حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي)»(٢)، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠).
(٢) أخرجه بنحوه مسلم (٣٨٤)، وابن حبان (١٦٩٠) وغيرهما، وتقدم برقم (١٠٣)، ولفظه :
((إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ؛ فإنه من صلى علي صلاة .. صلى الله =
٦١٨

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيَهُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ : ( قَدْ
عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ سُؤَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَغْبَتُهُمْ فِيهَا، قَالَ: وَعَلَى هَذَا لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى كَرَاهَةٍ مَنْ
كَرِهَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ لِلْمُذْنِنَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ فِي ((صَحِيحِ
مُسْلِمٍ )) وَغَيْرِهِ إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِأَقْوَامِ فِي دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١) ، وَلِقَوْمٍ
فِي زِيَادَةِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ (٢) ، قَالَ: ثُمَّ كُلُّ عَاقِلِ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ ، مُحْتَاجٌ
إِلَى الْعَفْوِ ، مُشْفِقٌ مِنْ كَوْنِهِ مِنَ الْهَالِكِينَ ، وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَلَ يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ
وَالرَّحْمَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ، وَكُلُّ هَذَا خِلاَفُ مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاءِ
السَّلَفِ وَالْخَلَفِ)(٣).
فَضَكُ [في ردِّ ما حكي من كراهة أن يقال: توكلت على ربي الرب الكريم] :
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَكَاهُ النَّخَاسُ عَنْ هَذَا الْمَذْكُورِ قَالَ: ( لاَ تَقُلْ: تَوَكَّلْتُ
عَلَى رَبِّي الرَّبِّ الْكَرِيمِ ، وَقُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى رَبِّيَ الْكَرِيمِ ) .
قُلْتُ : لاَ أَصْلَ لِمَا قَالَ .
فَضَك [في ردِّ ما حكي من كراهة تسمية الطواف بالبيت شوطاً أو دوراً]:
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ : أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يُسَمَّى الطَّوَافُ
عليه بها عشراً ، ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن
11
أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة .. حلت له الشفاعة)).
(١) من ذلك : ما أخرجه البخاري ( ٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ،
وفيه : (( ثم يقال : يا محمد ؛ ارفع رأسك ، سل تعطه ، اشفع تشفع ، فأرفع رأسي فأقول : يا رب ؛
أمتي أمتي ، فيقال : يا محمد ؛ أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب
الجنة)). ومن ذلك: ما أخرجه مسلم (٢١٦)، وابن حبان (٧٢٤٤) عن أبي هريرة رضي الله
عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب )) فقال
رجل: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((اللهم ؛ اجعله منهم ... )) الحديث .
(٢) انظر ((الخصائص الكبرى)) للإمام السيوطي (٢١٨/٢).
(٣) ((إكمال المعلم)) (٥٦٦/١) .
٦١٩

بِالْبَيْتِ شَوْطاً أَوْ دَوْراً، قَالُوا: بَلْ يُقَالُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ: طَوْفَةٌ، وَلِلْمَرَّتَيْنِ :
طَوْفَتَانِ ، وَلِلثَّلاَثِ : طَوْفَاتٌ، وَلِلسَّبْعِ: طَوَافٌ ).
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَ نَعْلَمُ لَّهُ أَصْلاً، وَلَعَلَّهُمْ كَرِهُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَلَّفَاظِ
الْجَاهِلِيَّةِ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ : أَنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ ؛
١١٣٧ - فَقَدْ رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ
أَشْوَاطِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرَمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الْإِنِقَاءُ عَلَيْهِمْ )
[خ ١٦٠٢ - م ١٢٦٦] .
فَضَكُ [في حكم ما يقال: ( صمنا رمضان ) و(جاء رمضان ) وما أشبه ذلك]:
وَمِنْ ذَلِكَ: ( صُمْنَا رَمَضَانَ)، وَ( جَاءَ رَمَضَانُ)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ
الشَّهْرُ .
اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهِ : فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ: يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ : (رَمَضَانُ )
مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى الشَّهْرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ ، قَالَ
اَلْبَيْهَقِيُّ: ( الطَّرِيقُ إِلَيْهِمَا ضَعِيفٌ)(١)؛ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ :
( جَاءَ رَمَضَانُ)، وَ( دَخَلَ رَمَضَانُ)، وَ(حَضَرَ رَمَضَانُ)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا
لاَ قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهْرُ، وَلاَ يُكْرَهُ إِذَا ذُكِرَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الشَّهْرِ ؛
كَقَوْلِهِ : ( صُمْتُ رَمَضَانَ)، وَ( قُمْتُ رَمَضَانَ)، وَ(يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ ) ،
وَ( حَضَرَ رَمَضَانُ الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ)، وَشِبْهِ ذَلِكَ، هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَنَقَلَهُ
الْإِمَامَانِ: أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ (أَلْحَاوِي)) [٢٤١/٣]،
وَأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغْ فِي كِتَابِهِ ((الشَّامِلُ)) عَنْ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُهُمَا مِنْ
أَصْحَابِنَا عَنِ الْأَصْحَابِ مُطْلَقاً ، وَأَحْتَجُوا :
(١) ((السنن الكبرى)) (٢٠٢/٤) .
٦٢٠