النص المفهرس
صفحات 561-580
وَيَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ كُلِّ مَا رَآهُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ إِلَّ مَا فِي حِكَايَتِهِ فَائِدَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ ، وَإِذَا رَآهُ يُخْفِي مَالَ نَفْسِهِ فَذَكَرَهُ . . فَهُوَ نَمِيمَةٌ . قَالَ: وَكُلُّ مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ وَقِيلَ لَهُ : قَالَ فِيكَ فُلاَنٌ كَذَا . . لَزِمَهُ سِنَّةُ أُمُورِ: الْأَزَلُ: أَلاَ يُصَدِّقَهُ؛ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ وَهُوَ مَرْدُودُ الْخَبَرِ . الثَّانِ: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْصَحَهُ ، وَيُقَبِّحَ فِعْلَهُ . الثَّالِثُ: أَنْ يُبْغِضَهُ فِي اَللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَىْ، وَأَلْبُغْضُ فِي اللهِ تَعَالَىْ وَاجِبٌ . الرَّابِعُ: أَلَّ يَظُنَّ بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ السُّوءَ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَجْنَيِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ﴾ . الْخَامِسُ: أَلاَّ يَحْمِلَكَ مَا حُكِيَ لَكَ عَلَى النَّجَسُّسِ وَأَلْبَحْثِ عَنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَتَسُواْ﴾. السَّادِسُ : أَلَّ يَرْضَىْ لِنَفْسِهِ مَا نَهَى النَّمَّامَ عَنْهُ . . فَلاَ يَحْكِي نَمِيمَتَهُ. وَقَدْ جَاءَ : أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلاً بِشَيْءٍ ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ شِئْتَ .. نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ: فَإِنْ كُنْتَ كَاذِباً .. فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ آلآَيَةِ: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً .. فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ أَلَآيَةِ : ﴿هَمَّازٍ مَّشَاكِ بِنَمِيمٍ﴾، وَإِنْ شِئْتَ .. عَفَوْنَا عَنْكَ، قَالَ: الْعَفْوُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ أَعُودُ إِلَيْهِ أَبَداً . وَرَفَعَ إِنْسَانٌ رُقْعَةً إِلَى الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّدٍ يَكُثُّهُ فِيهَا عَلَى أَخْذِ مَالٍ يَتِيمٍ - وَكَانَ مَالاً كَثِيراً - فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِهَا : النَّمِيمَةُ قَبِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَأَلْمَيِّتُ رَحِمَهُ اللهُ ، وَأَلْيَتِيمُ جَبَرَهُ اللهُ، وَأَلْمَالُ ثَمَّرَهُ اللهُ، وَالسَّاعِي لَعَنَهُ اللهُ)(١). (١) ((الإِحياء)) (١٥٦/٣). ٥٦١ ٩ - بَابُ النَّهْي عَنْ نَقْلِ الْحَدِيثِ إِلَى وَلاَةِ الْأَمُورِ إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ وَنَحْوِهَا ١٠٢٩ - رَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً ؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)) [٤٨٦٠٥- ت ٣٨٩٦] . ١٠ - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ النَّابِتَةِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . ١٠٣٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَثْتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)) (١) [٦٧٢]. ١١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ اَلِاِفْتِخَارِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١٠٣١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) وَ(( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَغَيْرِهِمَا عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَوْحَى إِلَيَّ؛ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ )) [م٦٤/٢٨٦٥ -د٤٨٩٥] . (١) تقدم برقم (٤٤٨). ٥٦٢ ١٢ - بَابُ النَّهْي عَنْ إِظْهَارِ الشَّمَاتَةِ بِالْمُسْلِمِ ١٠٣٢ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ وَائِلَةَ بْنِ اَلْأَسْقَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ .. فَيَرْحَمُّهُ اللهُ وَيَبْتَلِيَّكَ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ٢٥٠٦]. ١٣ - بَابُ تَحْرِيمِ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالشُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرُ مِنْهُنٌّ وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِآلْأَلْقَبِ﴾ أَآيَةً، وَقَالَ تَعَالَى: وَيٌَّ لِكُلّ هُمَزَةٍ ثُمَزَةٍ﴾. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا أَلْبَابِ .. فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَإِجْمَاعُ اُلْأُمَّةِ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . ١٠٣٣ - رَوَيْنَا فِي (( صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم: لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ - بِحَسْبٍ أَمْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمٍ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُّهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))(١) [م٢٥٦٤]. قُلْتُ : مَا أَعْظَمَ نَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَكْثَرَ فَوَائِدَهُ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ. (١) تقدم بنحوه برقم (١٠١٣) معزواً إلى الترمذي فقط. ٥٦٣ ١٠٣٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))(١) ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْيُّهُ حَسَناً وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ، أَلْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) [م٩١]. قُلْتُ: (بَطَرُ الْحَقِّ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ دَفْعُهُ وَإِنْطَالُهُ ، وَ(غَمْطُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَإِسْكَانِ أَلْمِيمٍ ، وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَيُزْوَى : ((غَمْصُ )) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الِإِحْتِقَارُ . ١٤ - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمٍ شَهَادَةِ الزُّورِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ١٠٣٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ أَلْحَارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلاَ أَنْبَُّكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)) - ثَلاَثًاً - قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ أَلْوَالِدَيْنِ))، وَكَانَ مُتَكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: ((أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ))، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْنَهُ سَكَتَ)(٢) [خ ٢٦٥٤- م٨٧]. قُلْتُ: وَاَلْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ ، وَاَلْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ . (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٩١/٢): (الظاهر [في تأويله] ما اختاره القاضي عياض [في «الإكمال)) ٣٥٩/١] وغيره من المحققين : أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إِن جازاه ) . (٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٤٨/٧): ( تمنوا سكوته صلى الله عليه وسلم شفقة عليه ، وكراهة لما يزعجه ، وخوفاً من أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم ) . ٥٦٤ ١٥ - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ وَنَحْوِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ : لاَ تُبْطِلُوا ثَوَابَهَا . ١٠٣٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : ((الْمُسْبِلُ، وَأَلْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) (١) [م ١٠٦]. ١٦ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ ١٠٣٧ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ((مُسْلِمٍ)) عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ)) [خ ٦١٠٥-م١١٠]. ١٠٣٨ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَنْبَغِي لِصَدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَاناً)) [٢٥٩٧٢]. ١٠٣٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١١٦/٢): (قوله: ((المسبل)) أي: المرخي له ، الجار طرفه خيلاء ، وجاء مفسراً في حديث آخر [عند مسلم ٢٠٨٥]: ((لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء))، والخيلاء : الكبر ، وهذا التقييد بالجر خيلاءَ يخصصُ عموم المسبل إزاره ، ويدل على أن المراد بالوعيد : من جره خيلاء ، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال: ((لست منهم)) . وأخرج البخاري في ( كتاب اللباس ) باب قول الله تعالى : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ عن ابن عباس قال: ( كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان : إسراف أو مَخْيَلة ) . ٥٦٥ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَكُونُ اللَّعَانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [٢٥٩٨٢]. ١٠٤٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ اللهِ، وَلاَ بِغَضَبِهِ ، وَلاَ بِالنَّارِ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [د٦ ٤٩٠ - ت١٩٧٦] . ١٠٤١ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَلْتِّرْ مِذِيِّ)) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَانِ وَلاَ اللَّغَّانِ ، وَلاَ أَلْفَاحِشٍ وَلاَ أَلْبَذِيءٍ )) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ [ت ١٩٧٧]. ١٠٤٢ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً .. صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ . . فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ .. فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغاً .. رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ ، فَإِنْ كَانَ أَهْلاً لِذَلِكَ، وَإِلاَّ .. رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا)) [ده٤٩٠]. ١٠٤٣ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ .. رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ)) [٤٩٠٨٥ - ت١٩٧٨]. ١٠٤٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ وَأَمْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنْهَا ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ)) ، قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا أَلاَنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ ) [م٢٥٩٥]. ٥٦٦ قُلْتُ: أَخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِسْلاَم حُصَيْنٍ وَالِدِ عِمْرَانَ وَصُحْبَتِهِ ، وَالصَّحِيحُ : إِسْلاَمُهُ وَصُحْبَتُهُ ؛ فَلِهَذَا قُلْتُ: رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا . ١٠٤٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْم، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَقَالَتْ: حَلْ، أَللَّهُمَّ أَلْعَنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لاَ تُصَاحِبُنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ)) [م٨٢/٢٥٩٦]. وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ تُصَاحِبُنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَىْ)) [م٨٣/٢٥٩٦]. قُلْتُ : ( حَلْ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ اللَّم ، وَهِيَ : كَلِمَةٌ تُزْجَرُ بِهَا لإِبِلُ . فَضٌَ فِي جَوَازِ لَعْنِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي غَيْرِ الْمُعَتَّنِينَ وَالْمَعْرُوفِينَ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ : ١٠٤٦ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَأَلْمُسْتَوْصِلَةَ ... ))(١) الْحَدِيثَّ [خ ٥٩٣٧-م٢١٢٤]. ١٠٤٧ - وَأَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اَللهُ آكِلَ الرِّبَا ... )) الْحَدِيثُ [١٥٩٧٢ -١٣٥ [م١٥٩٧ - ٣٣٣٣٥ - ق٢٢٧٧]. ١٠٤٨ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الْمُصَوِّرِينَ)) [خ ٥٣٤٧]. ١٠٤٩ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ))(٢) [م١٩٧٨ - س٢٣٢/٧ -مق٩٩/٦]. (١) الواصلة : المرأة التي تصل شعرها بآخر ليطول ، والمستوصلة : من تطلب من يفعل بها ذلك . وحكم وصل الشعر : أنه إِذا كان بشعر نجس أو طاهر من آدمي .. حرم مطلقاً ، وإِن كان طاهراً من غير آدمي: فإِن أذن لها حليلها .. جاز، وإِلا .. فلا. ((الفتوحات)) (٥٦/٧). (٢) المراد بـ(المنار) أعلام الطريق؛ فإِن فيه إِتعاب المسلمين بإِضلالهم الطريق، وقيل : المراد منه إدخال أرض الغير في أرضه ، فيكون في معنى الغاصب ، والمنار : العلم والحد بين الأرضين ، وأصله من الظهور. ((الفتوحات)) (٥٦/٧). ٥٦٧ ١٠٥٠ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ اَلْبَيْضَةَ)) [خ ٦٦٨٣ -١٦٨٧٢]. ١٠٥١ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)) [م١٩٧٨ - حب ٦٦٠٤ - س٧/ ٢٣٢ - مق٩٩/٦]. ١٠٥٢ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً .. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) [خ ١٨٧٠ -١٣٦٦٢]. ١٠٥٣ - وَأَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ؛ أَلْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ؛ عَصَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ »(١) [٦٧٥٢]، وَهَذِهِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ. ١٠٥٤ - وَأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ أَلْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا)) [خ ٣٤٦٠ _ م١٥٨٢ ] . ١٠٥٥ - وأَنَّهُ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ أَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) [خ ١٣٣٠ - م٥٢٩]. وَأَنَّهُ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ (٢). وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ))، بَعْضُهَا فِيهِمَا ، وَبَعْضُهَا فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا أَشَرَتُ إِلَيْهَا وَلَمْ أَذْكُرْ طُرُقَهَا لِلِخْتِصَارِ . ١٠٥٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىْ حِمَاراً قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: ((لَعَنَ اللهُ أَلَّذِي وَسَمَهُ))(٣) [م٢١١٧]. تقدم برقم ( ٨٩٩ ) . (١) (٢) أخرجه البخاري ( ٥٨٨٥ )، وأبو داوود ( ٤٠٩٧)، وابن ماجه (١٩٠٤). (٣) قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٤ / ٩٧): (أما الوسم في الوجه .. فمنهي عنه بالإِجماع ؛ للحديث ولِمَا ذكرناه ، فأما الآدمي .. فوسمه حرام ؛ لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه ، فلا يجوز تعذيبه ، وأما غير الآدمي .. فقال جماعة من أصحابنا : يكره ، وقال البغوي من أصحابنا : لا يجوز ، فأشار إلى تحريمه ، وهو الأظهر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله ، واللعن يقتضي التحريم . وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي .. فجائز بلا خلاف عندنا ، للكن يستحب في = ٥٦٨ ١٠٥٧ - وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ أَبْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ ، فَقَالَ أَبْنُ عُمَرَ : لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنِ أَتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً » [خ ٥٥١٥ _ م١٩٥٨] . فَضَ [فيما يجوز من اللعن وما لا يجوز] : إِعْلَمْ : أَنَّ لَعْنَ الْمُسْلِمِ اَلْمَصُونِ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ لَعْنُ أَصْحَابِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ؛ كَقَولِكَ: ( لَعَنَ اللهُ الظَّالِمِينَ)، (لَعَنَ اللهُ اَلْكَافِرِينَ)، (لَعَنَ اللهُ أَلْيَّهُودَ وَالنَّصَارَى)، وَ( لَعَنَ اللهُ اَلْفَاسِقِينَ)، ( لَعَنَ اللهُ الْمُصَوِّرِينَ ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ . وَأَمَّا لَعْنُ الْإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ مِمَّنِ أَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي ؛ كَيَهُودِيٌّ ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ ظَالِمٍ ، أَوْ زَانٍ ، أَوْ مُصَوِّرٍ ، أَوْ سَارِقٍ، أَوْ آكِلِ رِبَّأَ .. فَظَوَاهِرُ اَلْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ إِلَى تَحْرِيمِهِ إِلَّ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ وَفِرْعَونَ وَهَامَانَ وَأَشْبَاهِهِمْ، قَالَ: (لِأَنَّ اللَّعْنَ هُوَ الْإِنْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا نَدْرِي مَا يُخْتَمُ بِهِ لِهَذَا الْفَاسِقِ أَوِ اُلْكَافِرِ، قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ لَعَنَّهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْيَانِهِمْ .. فَيَجُوزُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ مَوْتَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ ، قَالَ: وَيَقْرُبُ مِنَ اللَّعْنِ الدُّعَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرِّ، حَتَّى الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ؛ كَقَوْلِ الْإِنْسَانِ: ((لاَ أَصَحَّ اللهُ جِسْمَهُ )) ، وَ(( لاَ سَلَّمَهُ اللهُ))، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ ، وَكَذَلِكَ لَعْنُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادِ، فُكُلُّهُ مَذْمُومٌ)(١). نَعَم الزكاة والجزية ، ولا يستحب في غيرها ، ولا ينهى عنه ) . = (١) ((الإِحياء)) (١٢٣/٣-١٢٦). ٥٦٩ فَضْك [فيمن لعن إنساناً لا يستحق اللعن كيف يستدرك] : حَكَى أَبُو جَعْفَرِ النَّخَاسُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: ( إِذَا لَعَنَ الْإِنْسَانُ مَا لاَ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ .. فَلْيُبَادِرْ بِقَوْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ لاَ يَسْتَحِقُّ ). فَضَك [في بيان ما يجوز من القول عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: وَيَجُوزُ لِلآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَكُلِّ مُؤَدِّبٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ : ( وَيْلَكَ )، أَوْ (يَا ضَعِيفَ أَلْحَالِ )، أَوْ (يَا قَلِيلَ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ ) ، أَوْ ( يَا ظَالِمَ نَفْسِهِ ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لاَ يَتَجَاوَزُ إِلَى الْكَذِبِ ، وَلاَ يَكُونُ فِيهِ لَفْظُ قَذْفٍ صَرِيحاً كَانَ أَوْ كِنَايَةً أَوْ تَعْرِيضاً وَلَوْ كَانَ صَادِقاً فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّْدِيبَ وَالزَّجْرَ ، وَلِيَكُونَ الْكَلاَمُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ . ١٠٥٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىْ رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ((أَرْكَبْهَا))، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((أَرْكَبْهَا))، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: ((أَرْكَبْهَا وَيْلَكَ)) [خ٦١٥٩-م١٣٢٢]. ١٠٥٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْماً .. أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ ؛ أَعْدِلْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ))(١) [خ ٣٦١٠ - م١٠٦٤/ ١٤٨]. (١) وتمام الحديث : فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ؛ ائذن لي فيه أضرب عنقه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعه ؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم - وفي رواية : يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم - يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ))، وقد كانوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فذو الخويصرة - واسمه: حُرْقوص - هو أصل الخوارج الذين حملوا على علي رضي الله عنه وقاتلوه، وفي رواية: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم))، قال الحافظ ابن حجر = ٥٧٠ ١٠٦٠ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ .. فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا .. فَقَدْ غَوَىُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ)) (١) [م ٨٧٠] . ١٠٦١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : أَنَّ عَبْدَاً لِحَاطِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو حَاطِباً فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كَذَبْتَ، لاَ يَدْخُلُهَا؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالْحُدَيْبِيَةَ)) [٢١٩٥٢]. ١٠٦٢ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) قَوْلَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِاِبْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ لَمْ يَجِدْهُ عَشَىْ أَضْيَافَهُ: يَا غُنْثَرُّ، وَقَدْ ء تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي ( كِتَابِ الْأَسْمَاءِ)(٢) [خ ٦٠٢ -م١٧٦/٢٠٥٧]. ١٠٦٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)): (أَنَّ جَابِراً صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهُ ، فَقِيلَ لَهُ؟ فَقَالَ: فَعَلْتُهُ لِيَرَانِي الْجُمَّالُ مِثْلَكُمْ ) [خ ٣٧٠]. وَفِي رِوَايَةٍ: ( لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ) [خ٣٥٢-٣٠٠٨٢]. ١٧ - بَابُ النَّهْىِ عَنِ أَنْتِهَارِ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ وَأَلْيَتِيم وَأَلْسَائِلِ وَنَحْوِهِمْ ، وَإِلَنَةِ الْقَوْلِ لَهُمْ ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَّا الْيِنِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ عَ﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: = رحمه الله تعالى في ((الفتح)) (٦٩/٨): (وقد استُشكل قوله: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم)) مع أنه نهى عن قتل أصلهم - وهو ذو الخويصرة - وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم واعتراضهم المسلمين بالسيف ، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه صلى الله عليه وسلم ) . (١) انظر التعليق على الحديث رقم (٨٠٦). (٢) تقدم برقم ( ٨٣٥) . ٥٧١ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَتَظْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَكَ عَنْهُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ١٠٦٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلاَلٍ فِي نَفَرٍ ، فَقَالُوا : مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ: (( يَا أَبَا بَكْرِ ؛ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ . . لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَّكَ))، فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ؛ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لاَ) [م٢٥٠٤]. قُلْتُ: قَوْلُهُ: (مَأْخَذَهَا) بِفَتْحِ الْخَاءِ ؛ أَيْ : لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْ عُنُقِهِ لِسُوءِ فِعَالِهِ . ١٨ - بَابٌ فِي أَلْفَاظِ يُكْرَهُ أَسْتِعْمَالُهَا ١٠٦٥ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيَّفٍ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبْثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي) [خ ٦١٧٩-٦١٨٠ -م٢٢٥٠-٢٢٥١]. ١٠٦٦ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ جَاشَتْ نَفْسِي ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِي» [٤٩٧٩٥]. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى (لَقِسَتْ) وَ(جَاشَتْ): غَثَتْ، قَالُوا: وَإِنَّمَا كُرِهَ ( خَبْئَتْ ) لِلَفْظِ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ . ٥٧٢ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: (((لَقِسَتْ)) وَ(( خَبْثَتْ)) مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ لَفْظَ الْخَبِيثِ وَبَشَاعَةَ الاِسْمِ مِنْهُ، وَعَلَّمَهُمُ الْأُدَبَ فِي أَسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ مِنْهُ وَهِجْرَانِ الْقَبِيحِ) (١). وَ(جَاشَتْ) بِالْجِيمِ وَالشِّيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَ( لَقِسَتْ) بِفَتْحِ اللَمِ وَكَسْرِ اَلْقَافِ . فَضَكُ [فيما صح من النهي عن تسمية العنب كرماً ، وبيان المراد من ذلك]: ١٠٦٧ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يَقُولُونَ: الْكَرْمُ! إِنَّمَا أَلْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ)) [خ ٦١٨٣-٧/٢٢٤٧٢]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((لاَ تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ الْمُسْلِمُ)) [م٨/٢٢٤٧]. وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ)) [م٩/٢٢٤٧]. ١٠٦٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: أَلْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ )) [م٢٢٤٨/ ١٢] . قُلْتُ: ( الْحَبَلَةُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَأَلْبَاءِ ، وَيُقَالُ أَيْضاً : بِإِسْكَانِ أَلْبَاءِ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَأَلْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : النَّهيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْماً ، وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُسَمِّيهِ كَرْماً، وَبَعْضُ النَّاسِ أَلْيَوْمَ تُسَمِّيهِ كَذَلِكَ، وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الثَّسْمِيَّةِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : ( أَشْفَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ (١) ((معالم السنن)) (٢٥٨/٥). ٥٧٣ يَدْعُوَهُمْ حُسْنُ أَسْمِهَا إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ ثَمَرِهَا فَسَلَبَهَا هَذَا الَاِسْمَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ) (١). فَضَك [فيما إِذا قال الرجل: هلك الناس] : ١٠٦٩ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ .. فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)) [م ٢٦٢٣]. قُلْتُ : رُوِيَ ( أَمْلَكُّهُمْ) بِرَفْع الْكَافِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَشْهُورُ الرَّفْعُ ، وَيُؤَيِّدُهُ : أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ رَوَيْنَاهَا فِي ((حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ)) فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: ((فَهُوَ مِنْ أَهْلَكِهِمْ)) [حلية: ٧/ ١٤١]. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي ((أَلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ)) [٣/ ٢٨٧] فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: (قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: لاَ أَدْرِي هُوَ بِالنَّصْبِ أَمْ بِالرَّفْع؟ - قَالَ الْحُمَيْدِيُّ -: وَالْأَشْهَرُ الرَّفْعُ؛ أَيْ: أَشَدُّهُمْ هَلاَكاً ، قَالَ : وَذَلِكَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اَلْإِزْرَاءِ عَلَيْهِمْ وَالِحْتِقَارِ لَهُمْ وَتَفْضِيلِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَدْرِي سِرَّ اللهِ تَعَالَىُ فِي خَلْقِهِ ، هَكَذَا كَانَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا يَقُولُ ) هَذَا كَلَامُ الْحُمَيْدِيِّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: ( لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَعِيبُ النَّاسَ وَيَذْكُرُ مَسَاوِتَهُمْ وَيَقُولُ : فَسَدَ النَّاسُ وَهَلَكُوا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ .. فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ، أَيْ : أَسْوَأُ حَالاً فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْإِثْمِ فِي عَنِهِمْ وَأَلْوَقِيعَةِ فِيهِمْ، وَرُبَّمَا أَذَّهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُجْبِ بِنَفْسِهِ وَرُؤْيَتِهِ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَيَهْلَكُ ) ، هَذَا كَلاَمُ الْخَطَّابِيِّ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ ((مَعَالِمُ السُّنَنِ)) [٢٦٠/٥]. وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ (١) ((معالم السنن)) (٢٥٦/٥). ٥٧٤ أَبِي صَالِحِ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . . فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنَاً لِمَا يَرَى فِي النَّاسِ - قَالَ : يَعْنِي : فِي أَمْرِ دِينِهِمْ - فَلاَ أُرَى بِهِ بَأْساً ، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ عُجْباً بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُراً لِلنَّاسِ .. فَهُوّ الْمَكْرُوهُ أَلَّذِي نُهِيَ عَنْهُ [٤٩٨٣٥]. قُلْتُ : فَهَذَا تَفْسِيرٌ بِإِسْنَادٍ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الصِّخَّةِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهُ وَأَوْجَزُهُ ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ عنِ أَلْإِمَامِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . فَضَك [في بيان أن العطف على مشيئة الله تعالى مشيئةً غيره بثم لا بالواو] : ١٠٧٠ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلاَنٌ)) [٤٩٨٠٥] . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : ( هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى الْأَدَبِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ((أَلْوَاوَ)) لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ، وَ((ثُمَّ)) لِلْعَطْفِ مَعَ الثَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي، فَأَرْشَدَهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَىْ مَشِيئَةٍ مَنْ سِوَاهُ)(١) . وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: (أَعُوذُ بِاللهِ وَبِكَ ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: ( أَعُوذُ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ)(٢). قَالُوا: وَيَقُولُ: (لَوْلاَ اللهُ ثُمَّ فُلاَنٌ لَفَعَلْتُ كَذَا )، وَلاَ تَقُلْ: ( لَوْلاَ اللهُ وَفُلاَنٌ ) . فَضَ [في قول الرجل: مطرنا بنوء كذا] : وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : ( مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ) ، فَإِنْ قَالَهُ مُعْتَقِداً أَنَّ الْكَوْكَبَ هُوَ (١) ((معالم السنن)) (٢٥٩/٥). (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٧/١١). ٥٧٥ اُلْفَاعِلُ .. فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ قَالَهُ مُعْتَقِداً أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ هُوَ الْفَاعِلُ، وَأَنَّ النَّوْءَ اُلْمَذْكُورَ عَلَامَةٌ لِنُزُولِ الْمَطَرِ .. لَمْ يَكْفُرْ ، وَلَكِنَّهُ أَرْتَكَبَ مَكْرُوهاً؛ لِتَلَفُّظِهِ بِهَذَا اَللَّفْظِ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَسْتَعْمِلُهُ، مَعَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إِرَادَةِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَذَا الْفَصْلِ فِي ( بَابِ مَا يَقُولُ عِنْدَ نُزُولٍ الْمَطَرِ)(١) . فَضَك [في قول الرجل: إِن فعلت كذا فأنا يهودي ونحو ذلك] : يَحْرُمُ أَنْ يَقُولَ : ( إِنْ فَعَلْتُ كَذَا .. فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اُلْإِسْلاَمِ ) وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَهُ وَأَرَادَ حَقِيقَةَ تَعْلِيقِ خُرُوجِهِ عَنِ الْإِسْلاَمِ بِذَلِكَ .. صَارَ كَافِراً فِي الْحَالِ، وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ .. لَمْ يَكْفُرْ ، لَكِنِ ارْتَكَبَ مُحَرَّماً ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الثَّوْبَةُ، وَهِيَ أَنْ يُقْلِعَ فِي أَلْحَالِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَنْدَمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيَعْزِمَ أَلَّ يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَداً، وَيَسْتَغْفِرَ اللهَ تَعَالَىُ وَيَقُولَ : ( لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) . فَضَ [في حرمة قول الرجل للمسلم : يا كافراً : يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيماً مُغَلَّظاً أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ : ( يَا كَافِرُ ) . ١٠٧١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ .. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّ .. رَجَعَتْ عَلَيْهِ))(٢) [خ ٦١٠٤ - م٦٠]. (١) تقدم برقم (٥٣٦)، للكنه في (باب ما يقول بعد نزول المطر). (٢) لفظ الحديث في ((الصحيحين)) من رواية ابن عمر رضي الله عنهما: ((أيما رجل قال لأخيه ... ))، ولفظه في ((البخاري)) (٦١٠٣) من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: ((إذا قال الرجل لأخيه ... )). قال الإمام النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)) (٤٩/٢): (هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد ، وذلك أن مذهب أهل الحق : بأنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: (( يا كافر)) من غير اعتقاد بطلان دين الإِسلام ، وإِذا عرف = ٥٧٦ ١٠٧٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ : عَدُوُ اللهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .. إِلَّ حَارَ عَلَيْهِ)) [خ ٦٠٤٥-٦١٢]. هَذَا لَفْظُ رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُ اُلْبُخَارِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَمَعْنَى (حَارَ): رَجَعَ . فَضَّ [في دعاء المسلم على المسلم بسلب الإيمان] : لَوْ دَعَا مُسْلِمٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَالَ : ( آللَّهُمَّ؛ أَسْلُبْهُ الْإِيْمَانَ ) .. عَصَى بِذَلِكَ ، وَهَلْ يَكْفُرُ الدَّاعِي بِمُجَرَّدِ هَذَا الدُّعَاءِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، حَكَاهُمَا أُلْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا فِي (( أَلْفَتَاوَى)): أَصَكُهُمَا: لاَ يَكْفُرُ ، وَقَدْ يُحْتَجُ لِهَذَا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى إِخْبَاراً عَنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ﴾ آلَآيَةُ، وَفِي هَذَا الإِسْتِدْلاَلِ نَظَرُّ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا . فَضَك [في إِكراه الكفار المسلم على كلمة الكفر]: لَوْ أَكْرَةَ الْكُفَّارُ مُسْلِماً عَلَىْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ فَقَالَهَا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِنْمَانِ .. لَمْ يَكْفُرْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا لِيَصُونَ نَفْسَهُ مِنَ الْقَتْلِ ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهِ لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَصْبِرَ لِلْقَتْلِ وَلاَ يَتَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ ، وَدَلاَئِلُهُ مِنَ = ما ذكرناه .. فقيل في تأويل الحديث أوجه : أحدها : أنه محمول على المستحل لذلك ، وهذا يكفر، فعلى هذا: معنى ((باء بها )) أي: بكلمة الكفر . والثاني : معناه : رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره . والثالث : أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين ، وهذا ضعيف ؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون : أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع . والرابع : معناه أن ذلك يؤول به إِلى الكفر . والخامس : معناه : فقد رجع عليه تكفيره ، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير ؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً ، فكأنه كفَّر نفسه ؛ إِما لأنه كفَّر من هو مثله ، وإِما لأنه كفَّر من لا يكفِّره إِلا كافر يعتقد بطلان دين الإِسلام ، والله أعلم ) . ٥٧٧ اُلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مَشْهُورَةٌ . وَالثَّانِي: الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ لِيَصُونَ نَفْسَهُ مِنَ الْقَتْلِ . وَالثَّالِثُ : إِنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ بِأَنْ كَانَ يَرْجُو النِّكَايَةَ فِي الْعَدُوِّ أَوِ الْقِيَامَ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ .. فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .. فَالصَّبْرُ عَلَى الْقَتْلِ أَفْضَلُ . وَأَلَرَّابِعُ: إِنْ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ .. فَلْأَفْضَلُ الصَّبْرُ ؛ لِئَلاَّ يَغْتَرَّ بِهِ الْعَوَامُ . وَأَلْخَامِسُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى اُلَّلْكَةِ ﴾، وَهَذَا أَلْوَجْهُ ضَعِيفٌ جِدّاً . فَضَلَكُ [في إِكراه المسلم الكافر على الإِسلام] : لَوْ أَكْرَهَ اَلْمُسْلِمُ كَافِراً عَلَى أَلْإِسْلاَمِ فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ : فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ حَرْبِيّاً .. صَحَّ إِسْلاَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٌّ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيّاً .. لَمْ يَصِرْ مُسْلِماً؛ لِأَنَّا اُلْتَزَمْنَا الْكَفَّ عَنْهُ، فَإِكْرَاهُهُ بِغَيْرِ حَقِّ ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: إِنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِماً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْحَقِّ . فَضَكُ [في نطق الكافر بالشهادتين من غير إِكراه]: إِذَا نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِغَيْرِ إِكْرَاهِ : فَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ ؛ بِأَنْ قَالَ : ( سَمِعْتُ زَيْداً يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) .. لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلاَمِهِ، وَإِنْ نَطَقَ بِهِمَا بَعْدَ أَسْتِدْعَاءِ مُسْلِمٍ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: ( قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الهِ) فَقَالَهُمَا .. صَارَ مُسْلِماً، وَإِنْ قَالَهُمَا أَبْتِدَاءً لاَ حِكَايَةً وَلَاَ بِأَسْتِدْعَاءِ .. فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِماً ، وَقِيلَ: لاَ يَصِيرُ؛ لِاحْتِمَالِ الْحِكَايَةِ . ٥٧٨ فَضَكُ [في بيان ما يقال للقائم بأمر المسلمين من ألقاب] : يَنْبَغِي أَلَّ يُقَالَ لِلْقَائِم بِأَمْرٍ الْمُسْلِمِينَ: ( خَلِيفَةُ اللهِ) ، بَلْ يُقَالُ : ( أُلْخَلِيفَةُ)، وَ(خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَ( أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ). رَوَيْنَا فِي (( شَرْحِ السُّنَّةِ)) [٥٧/٨] لِلإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيِّ عَنْهُ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: ( لاَ بَأْسَ أَنْ يُسَمَّى الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْخَلِيفَةَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفاً لِسِيرَةِ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ؛ لِقِيَامِهِ بِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَمْع الْمُؤْمِنِينَ لَهُ ، قَالَ: وَيُسَمَّى خَلِيفَةً؛ لِأَنَّهُ خَلَفَ الْمَاضِي قَبْلَهُ وَقَامَ مَقَامَهُ، قَالَ: وَلاَ يُسَمَّى أَحَدٌ خَلِيفَةَ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ آدَمَ وَدَاوُودَ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنِِّ جَاعِلٌ فِىِ اُلْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾. وَعَنِ أَبْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : يَا خَلِيفَةَ اللهِ ، فَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا رَاضٍ بِذَلِكَ ، وَقَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا خَلِيفَةَ اللهِ ، فَقَالَ : وَيْلَكَ! لَقَدْ تَنَاوَلْتَ مُتَنَاوَلاَ بَعِيداً ، إِنَّ أُمِّي سَمَّتْنِي عُمَرَ ، فَلَوْ دَعَوْتَنِي بِهَذَا أُلِاِسْمِ .. قَبَلْتُ، ثُمَّ كَبِرْتُ فَكُنِيتُ أَبَا حَفْصٍ ، فَلَوْ دَعَوْتَنِي بِهِ .. قَبِلْتُ، ثُمَّ وَلَيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ فَسَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَوْ دَعَوْتَنِي بِذَاكَ .. كَفَاكَ ) . وَذَكَرَ أَلْإِمَامُ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ ((أَلْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ)) [ص٥٠]: ( أَنَّ أَلْإِمَامَ سُمِّيَ خَلِيفَةً؛ لِأَنَّهُ خَلَفَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ ، قَالَ: فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْخَلِيفَةُ عَلَى اُلْإِطْلاَقِ، وَيَجُوزُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: وَأَخْتَلَفُوا فِي جَوَازٍ قَوْلِنَا : خَلِيفَةُ اللهِ : فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِ فِي خَلْقِهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَِفَ فِ الْأَرْضِّ﴾، وَأَمْتَنَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ ذَلِكَ وَنَسَبُوا قَائِلَهُ إِلَى اُلْفُجُورِ ) هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ . ٥٧٩ قُلْتُ: وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، لَاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فِي مُسَيْلِمَةَ .. فَخَطَأْ صَرِيحٌ، وَجَهْلٌ قَبِيحٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَكُتُبُهُمْ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى نَقْلِ اَلِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ ((أَلْإِسْتِيعَابُ)) [٤٥٧/٢] فِي ( أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) بَيَانَ تَسْمِيَةِ عُمَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلاً ، وَبَيَانَ سَبَبِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . فَضَ [في حرمة أن يقال للسلطان وغيره : شاهان شاه]: يَحْرُمُ تَحْرِيماً غَلِيظاً أَنْ يَقُولَ لِلِسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ : ( شَاهَانْ شَاهْ ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ، وَلاَ يُوصَفُ بِذَلِكَ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ١٠٧٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَيٍ: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ أَخْنَعَ أَسْمٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى .. رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلاَكِ)) (١) [خ ٦٢٠٦ -٢١٤٣٢]. وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ هَذَا فِي (( كِتَابِ أَلْأَسْمَاءِ)) ، وَأَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ : ( مَلِكُ اَلْأَمْلاَكِ مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ)(٢) [خ ٦٢٠٦]. فَضَلْ فِي لَفْظِ السَّيِّدِ : إِعْلَمْ : أَنَّ السَّيِّدَ يُطْلَقُ عَلَى الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ وَيَرْتَفِعُ قَدْرُهُ عَلَيْهِمْ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الزَّعِيمِ وَاَلْفَاضِلِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَلِيمِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِزُّهُ غَضَبُهُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى (١) تقدم برقم ( ٨٣٢ ) . (٢) تقدم برقم (٨٣٣). وفي هامش (ب): ( بلغ الولد أبو العباس - وفقه الله - سماعاً ومقابلة بقراءته ، ولله الحمد . كتبه ابن العطار ) . ٥٨٠