النص المفهرس
صفحات 421-440
فَضَك [في كراهية تخصيص طائفة بالسلام] : قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا لَقِيَ رَجُلٌ جَمَاعَةً فَأَرَادَ أَنْ يَخْصَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ بِالسَّلَامِ .. كُرِهَ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ السَّلَامِ الْمُؤَانَسَةُ وَالْأُلْفَةُ ، وَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ إِحَاشُ الْبَاقِينَ، وَرُبَّمَا صَارَ سَبَباً لِلْعَدَاوَةِ . فَضَك [في كيفية السلام عند المشي في الأماكن المطروقة كالسوق ونحوه] : إِذَا مَشَىْ فِي السُّوقِ أَوِ الشَّوَارِعِ الْمَطْرُوقَةِ كَثِيراً وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْمُتَلاَقُونَ .. فَقَدْ ذَكَرَ أَفْضَى الْقُضَاةِ أَلْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ السَّلاَمَ هُنَا إِنَّمَا يَكُونُ لِبَعْضٍ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، قَالَ: (لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ .. لَتَشَاغَلَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُهِمٌّ، وَلَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهَذَا السَّلَامِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَكْتِسَابَ وُدِّ، وَإِمَّا أُسْتِدْفَاعَ مَكْرُوهٍ)(١) . فَضَكُ [في بيان أن من سلم عليه جماعة فرد عليهم قاصداً الجميع أجزأه] : قَالَ الْمُتَوَّلِّي: إِذَا سَلَّمَتْ جَمَاعَةٌ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ .. سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الرَّدِّ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ ، كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ دَفْعَةً وَاحِدَةً . . فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَمِيعِ . فَضَك [في كيفية السلام على الجمع الذي يعمه سلام واحد والذي لا يعمه كالجامع]: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: (إِذَا دَخَلَ إِنْسَانٌ عَلَى جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ .. أُقْتَصَرَ عَلَى سَلَامٍ وَاحِدٍ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَمَا زَادَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ .. فَهُوَ أَدَبٌ ، وَيَكْفِي أَنْ يَرُدَّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، فَمَنْ زَادَ مِنْهُمْ . . فَهُوَ أَدَبُ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ جَمْعاً لاَ يَنْتَشِرُ فِيهِمُ السَّلاَمُ الْوَاحِدُ كَأَلْجَامِعِ وَالْمَجْلِسِ الْحَفْلِ .. فَسُنَّةُ السَّلَامِ أَنْ (١) ((الحاوي)) (١٦٣/١٨). ٤٢١ يَبْتَدِىءَ بِهِ الدَّاخِلُ فِي أَوَّلِ دُخُولِهِ إِذَا شَاهَدَ أَلْقَوْمَ، وَيَكُونُ مُؤَدِّياً سُنَّةَ السَّلاَمِ فِي حَقِّ جَمِيع مَنْ سَمِعَهُ ، وَيَدْخُلُ فِي فَرْضٍ كِفَايَةِ الرَّدِّ جَمِيعُ مَنْ سَمِعَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيهِمْ .. سَقَطَ عَنْهُ سُنَّةُ السَّلَامِ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الْبَاقِينَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ سَلَاَمَهُ الْمُتَقَدِّمَ .. فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا : أَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ قَدْ حَصَلَتْ بِالسَّلاَمِ عَلَى أَوَائِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ جَمْعٌ وَاحِدٌ، فَلَوْ أَعَادَ السَّلاَمَ عَلَيْهِمْ .. كَانَ أَدَباً، وَعَلَى هَذَا: أَيُّ أَهْلِ اُلْمَسْجِدِ رَدَّ عَلَيْهِ .. سَقَطَ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ جَمِيعِهِمْ . وَأَلْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ سُنَّةَ السَّلاَمِ بَاقِيَةٌ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ سَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ إِذَا أَرَادَ اُلْجُلُوسَ فِيهِمْ، فَعَلَى هَذَا: لاَ يَسْقُطُ فَرْضُ رَدِّ السَّلاَمِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ الْأَوَائِلِ بِرَدِّ الْأَوَاخِرِ) (١) . فَضَك [في استحباب السلام عند دخوله مكاناً ليس فيه أحد] : يُسْتَحَبُّ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَنْ يُسَلِّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ ، وَلْيَقُلِ : ( السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ )، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بَيَانَ مَا يَقُولُهُ إِذَا دَخَلَ بَيْنَهُ(٢)، وَكَذَا إِذَا دَخَلَ مَسْجِداً أَوْ بَيْتاً لِغَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ .. يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ ، وَأَنْ يَقُولَ: ( السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ) . فَضَ [في سنية السلام عند المفارقة وبيان حكم الرد بعد ذلك] : إِذَا كَانَ جَالِساً مَعَ قَوْمٍ ثُمَّ قَامَ لِيُفَارِقَهُمْ . . فَالسُّنَّةُ : أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ . ٧١٥- فَقَدْ رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَغَيْرِهِمَا بِالْأَسَانِيدِ اَلْجَيِّدَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (١) ((الحاوي)) (١٦٣/١٨). (٢) انظر ( ص ٦٥). ٤٢٢ (إِذَا أَنْتُهَى أَحَدُكُمْ إِلَى أَلْمَجْلِسِ .. فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ .. فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٥٢٠٨٥ - ت٢٧٠٦ وانظر الملحق] . قُلْتُ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى هَذَا الَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَفَارَقَهُمْ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامَانِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي: ( جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بِالسَّلاَمِ عِنْدَ مُفَارَقَةِ الْقَوْم ، وَذَلِكَ دُعَاءٌ يُسْتَحَبُّ جَوَابُهُ وَلاَ يَجبُ ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ اللَّقَاءِ لاَ عِنْدَ الِنْصِرَافِ )، هَذَا كَلاَمُهُمَا، وَقَدْ أَنْكَرَهُ آلْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ الشَّاشِيُّ الْأَخِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا(١) وَقَالَ: (هَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ السَّلاَمَ سُنَّةٌ عِنْدَ الِنْصِرَافِ كَمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَلْجُلُوسِ، وَفِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ)، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّاشِيُّ هُوَ الصَّوَابُ . فَضَ [في السلام على من غلب على الظن أنه لا يرد واستحباب إبراء من توجه عليه الرد فلم يرد]: إِذَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ لاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، إِمَّا لِتَكَبُرِ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ ، وَإِمَّا لإِهْمَالِهِ الْمَارَّ أَوِ السَّلاَمَ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ .. فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ وَلاَ يَتْرُكَهُ لِهَذَا الظَّنِّ؛ فَإِنَّ السَّلاَمَ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَالَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمَارُّ أَنْ يُسَلِّمَ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَحْصُلَ الرَّدُ، مَعَ أَنَّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ قَدْ يُخْطِىءُ الظَّنَّ فِيهِ وَيَرُدُّ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ لاَ تَحْقِيقَ عِنْدَهُ: إِنَّ سَلَامَ الْمَارِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْإِثْمِ فِي حَقِّ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ .. فَهُوَ جَهَالَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَغَبَاوَةٌ بَيَِّةٌ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَيَالاَتِ ، وَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى هَذَا الْخَيَالِ (١) وهو محمد بن أحمد بن الحسين أبو بكر الشاشي المتوفى سنة سبع وخمس مئة ، وهو متأخر مقارنة مع محمد بن علي بن حامد أبي بكر الشاشي المتوفى سنة خمس وثمانين وأربع مئة ، رحمهما الله تعالى . ٤٢٣ اُلْفَاسِدِ .. لَتَرَكْنَا إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ جَاهِلاً كَوْنَهُ مُنْكَراً ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ لاَ يَنْزَجِرُ بِقَوْلِنَا؛ فَإِنَّ إِنْكَارَنَا عَلَيْهِ وَتَعْرِيفَنَا لَهُ قُبْحَهُ يَكُونُ سَبَّباً لِإِثْمِهِ إِذَا لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّا لاَ نَتَّرُكُ الْإِنْكَارَ بِمِثْلِ هَذَا، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَاَللهُ أَعْلَمُ . وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ وَأَسْمَعَهُ سَلَاَمَهُ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الرَّدُ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يَرُدَّ .. أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: ( أَبْرَأْتُهُ مِنْ حَقِّي فِي رَدِّ السَّلاَمِ ) ، أَوْ ( جَعَلْتُهُ فِي حِلِّ مِنْهُ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَلْفِظُ بِهَذَا؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ هَذَا اُلَآدَمِيِّ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . ٧١٦ - وَقَدْ رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَجَابَ السَّلاَمَ .. فَهُوَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُحِبْ .. فَلَيْسَ مِنََّ )) [سني ٢١١]. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ .. أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ : ( رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ لِيَسْقُطَ عَنْكَ الْفَرْضُ)، وَأَللهُ أَعْلَمُ . ٨- بَابُ الإِسْتِئْذَانِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَدْ خُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَّ أَهْلِهَاَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَئْذِ نُواْ كَمَا أُسْتَشْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . ٧١٧ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مُوسَى اُلْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الِاسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلاَّ .. فَأَرْجِعْ)) [خ٢٠٦٢-م٢١٥٤]. ٤٢٤ وَرَوَيْنَاهُ فِي (( الصَّحِيحَيْنِ)) أَيْضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [خ ٦٢٤٥ - م٣٤/٢١٥٣]. ٧١٨ - وَرَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)) [خ ٦٢٤١- م ٢١٥٦] . وَرَوَيْنَا أَلِاِسْتِنْذَانَ ثَلاَثاً مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ(١). وَالسُّنَّةُ : أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يَسْتَأْذِنَ فَيَقُومَ عِنْدَ الْبَابِ بِحَيْثُ لاَ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ فِي دَاخِلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ )، فَإِنْ لَمْ يُحِبْهُ أَحَدٌ . . قَالَ ذَلِكَ ثَانِياً وَثَالِئاً ، فَإِنْ لَمْ يُحِبْهُ أَحَدٌ .. أَنْصَرَفَ. ٧١٩ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ )) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ -بِکَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ قَالَ: ( حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتٍ ، فَقَالَ : أَّلِجُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ: ((أَخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟))، فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: أُلسَّلامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ) [٥١٧٧٥]. ٧٢٠ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ كَلَدَةَ بْنِ الْحَنْبَلِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَرْجِعْ فَقُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ ؟ ))، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٥١٧٦٥- ت٢٧١٠]. (١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٧١/٥): (قال الحافظ: ((وقد روينا الاستئذان من جهة النظر من جهات كثيرة )) - ثم قال ابن علان - : وتوفي الحافظ ابن حجر رحمه الله قبل بيان ذلك، وفي هذا المحل وقف تحرير ((أماليه))، فتغمده الله برحمته ، ونفعني وسائر المسلمين من بركته ، وكانت وفاته في ثامن عشر ذي الحجة الحرام ، سنة ثمان مئة واثنتين وخمسين ) . ٤٢٥ قُلْتُ: (كَلَدَةُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاَللَّمِ، وَ( الْخَنْبَلُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَبَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ بَاءٌ مُوَخَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، ثُمَّ لَامٌ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ السَّلاَمِ عَلَى الإِسْتِثْذَانِ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَذَكَرَ اُلْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ ثَلاَثَةَ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا: هَذَا، وَالثَّانِي: تَقْدِيمُ الإِسْتِئْذَانِ عَلَى السَّلاَمِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ أَخْتِيَارُهُ -: إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبٍ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ .. قَدَّمَ السَّلاَمَ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ عَيْنُهُ .. قَدَّمَ الاِسْتِثْذَانَ (١). وَإِذَا أَسْتَأْذَنَ ثَلاَثً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ .. فَهَلْ يَزِيدُ عَلَيْهَا؟ حَكَى آلْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَبْنُ الْعَرَبِّ الْمَالِكِيُّ فِيهِ ثَلاَثَةَ مَذَاهِبَ: ( أَحَدُهَا: يُعِيدُهُ، وَالثَّانِي: لاَ يُعِيدُهُ ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الاِسْتِئْذَانِ الْمُتَقَدِّم .. لَمْ يُعِدْهُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ . . أَعَادَهُ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُعِيدُهُ بِحَالٍ ) (٢)، وَهَذَا أَلَّذِي صَخَّحَهُ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ، وَاللهُ أَعلَمُ . فَضَكْ [فيما ينبغي أن يتم به التعريف عند الاستئذان وما يكره]: وَيَنْبَغِي إِذَا أُسْتَأْذَنَ عَلَى إِنْسَانٍ بِالسَّلاَمِ أَوْ بِدَقِّ الْبَابِ فَقِيلَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ أَنْ يَقُولَ: ( فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ ) ، أَوْ ( فُلاَنٌ الْفُلَانِيُّ) ، أَوْ ( فُلاَنٌ أَلْمَعْرُوفُ بِكَذَا ) ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ النَّامُّ بِهِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ : ( أَنَا )، أَوِ (أَلْخَادِمُ)، أَوْ ( بَعْضُ الْغِلْمَانِ )، أَوْ (بَعْضُ الْمُحِبِّينَ ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . ٧٢١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ((مُسْلِمٍ)) فِي حَدِيثِ أَلْإِسْرَاءِ الْمَشْهُورِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثُمَّ صَعِدَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَأَسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ : جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ : (١) ((الحاوي)) (١٨/ ١٦٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٣٥٤/٥). ٤٢٦ مُحَمَّدٌ ... ))، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَسَائِرِهِنَّ ، وَيُقَالُ فِي بَابٍ كُلِّ سَمَاءٍ : ((مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: حِبْرِيلُ ... )) [خ ٣٤٩ -م١٦٢]. ٧٢٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) حَدِيثَ أَبِي مُوسَى: ( لَمَّا جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بِثْرِ الْبُسْتَانِ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ: (( مَنْ؟)) قَالَ: أَبُو بَكْرِ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ: (( مَنْ؟)) قَالَ: عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ كَذَلِكَ ) [خ ٣٦٧٤ - م٢٤٠٣]. ٧٢٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) أَيْضاً عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: ((مَنْ ذَا؟ ) فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنَا أَنَا)) كَأَنَّهُ كَرِهَهَا)(١) [خ ٦٢٥٠ -٢١٥٥٢]. فَضَُّ﴾ [في بيان أنه لا بأس للمستأذن أن يصف نفسه بما لا يعرف إلا به وإن كان فيه تبجيل] : وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ بِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ صُورَةُ تَبْجِيلٍ لَهُ بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ، أَوْ يَقُولَ: ( أَنَا أَلْمُفْتِي فُلاَنٌ) ، أَوِ ( أَلْقَاضِي ) ، أَوِ ( الشَّيْخُ فُلاَنٌ )، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . ٧٢٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(مُسْلِمٍ)) عَنْ أُمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أَبِي وَطَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - وَأَسْمُهَا فَاخِتَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ : فَاطِمَةُ ، وَقِيلَ : مِنْدٌ - قَالَتْ: ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: (( مَنْ هَذِهِ؟)) قُلْتُ: أَنَا أَمُ هَانِىءٍ) [خ ٢٨٠-م٨٢/٣٣٦ في صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى]. ٧٢٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَأَسْمُهُ جُنْدُّبٌ ، وَقِيلَ: بُرَيْرٌ، بِضَمِّ أَلْبَاءِ تَصْغِيرُ بَرِّ - قَالَ: ( خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي؛ فَإِذَا (١) قال الإِمام ابن حجر رحمه الله تعالى في ((الفتح)) (٣٥/١١): ( قال المهلب : إِنما كره قول : أنا ؛ لأنه ليس فيه بيان ، إِلا إِن كان المستأذِن ممن يعرف المستأذَن عليه صوتَه ولا يلتبس بغيره ، والغالب الالتباس ) . ٤٢٧ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ أَلْقَمَرِ ، فَأَلْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟)) فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ) [خ٦٤٤٣ - ٣٣/٩٤٢ في الزكاة ، باب الترغيب في الصدقة] . ٧٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَلْمِيضَأَةٍ(١) الْمُشْتَمِلِ عَلَى مُعْجِزَاتٍ كَثِيرَةٍ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى جُمَلٍ مِنْ فُونِ الْعُلُومِ ، قَالَ فِيهِ أَبُو قَتَادَةَ : ( فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟)) قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ) [م٦٨١]. قُلْتُ: وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَسَبَبُهُ الْحَاجَةُ وَعَدَمُ إِرَادَةِ آلِاِفْتِخَارِ ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا : ٧٢٧ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَأَسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ - قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَدْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ( فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدِ أَسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ) [٢٤٩١٢]. ٩ - بَابٌ فِي مَسَائِلَ تَتَفَزَّعُ عَلَى السَّلاَمِ مَنْشَأْلَةٌ [في التحية عند الخروج من الحمام] : قَالَ أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي: ( الثَّحِيَّةُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْحَمَّامِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ : ((طَابَ حَمَّامُكَ)) .. لاَ أَصْلَ لَهَا؛ وَلَكِنْ رُوِيَ: أَنَّ عَلِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ لِرَجُلٍ خَرَجَ مِنَ الْحَمَّام: ((طَهُّرْتَ فَلاَ نَجُسْتَ))). قُلْتُ: هَذَا أَلْمَحَلُّ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ ، وَلَوْ قَالَ إِنْسَانٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى سَبِيلِ اُلْمَوَذَّةِ وَالْمُؤَالَفَةِ وَأَسْتِجْلَاَبِ أَلْوُدِّ : أَدَامَ اللهُ لَكَ النَّعِيمَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ . . فَلاَ بَأْسَ بِهِ . (١) الميضأة : إناء يتوضأ منه. ٤٢٨ مَنْثَأَلَّ [في الألفاظ التي يستعملها الناس في العادة بدل السلام أو قبله] : إِذَا أَبْتَدَأَ الْمَارُّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ( صَبَّحَكَ اللهُ بِأَلْخَيْرِ)، أَوْ (بِالسَّعَادَةِ )، أَوْ (قَوَّاكَ اللهُ)، أَوْ ( لاَ أَوْحَشَ اللهُ مِنْكَ ) ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اُلْأَّلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا النَّاسُ فِي الْعَادَةِ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَاباً، لَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ قُبَالَةَ ذَلِكَ .. كَانَ حَسَناً، إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ جَوَابَهُ بِالْكُلَِّةِ زَجْراً لَهُ فِي تَخَلُّفِهِ وَإِهْمَالِهِ السَّلاَمَ، وَتَأْدِيباً لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي أَلاِعْتِنَاءِ بِالاِبْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ . فَضَّ [في حكم تقبيل الوجه والأطراف للكبار والصغار] : إِذَا أَرَادَ تَقْبِيلَ يَدٍ غَيْرِهِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِزُهْدِهِ وَصَلاَحِهِ ، أَوْ عِلْمِهِ وَشَرَفِهِ وَصِيَانَتِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ .. لَمْ يُكْرَةِ ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ وَدُنْيَاهُ وَثَرْوَتِهِ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .. فَهُوَ مَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لاَ يَجُوزُ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ حَرَامٌ . ٧٢٨ - رَوَيْنَا فِي («سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ زَارِعٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَكَانَ فِي وَقْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ - قَالَ : ( فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَتُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَهُ ) [د٥٢٢٥] . قُلْتُ : (زَارِعٌ) بِزَاي فِي أَوَّلِهِ، وَرَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ، عَلَى لَفْظِ زَارِعِ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا . ٧٢٩ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) أَيْضاً عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قِصَّةً قَالَ فِيهَا: ( فَدَنَوْنَاَ - يَعْنِي: مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلْنَا يَدَهُ ) [٥٢٢٣٥] . وَأَمَّا تَقْبِيلُ الرَّجُلِ خَذَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ، وَأَخِيهِ ، وَقُبْلَةُ غَيْرِ خَدِّهِ مِنْ أَطْرَافِهِ وَنَحْوِهَا عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالُّطْفِ وَمَحَبَّةِ الْقَرَابَةِ .. فَسُنَّةٌ، وَالْأَحَادِيثُ ٤٢٩ فِيهِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَسَواءٌ أَلْوَلَدُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَكَذَلِكَ قُبْلَتُهُ وَلَدَ صَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صِغَارِ الْأَطْفَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِالشَّهْوَةِ .. فَحَرَامٌ بِأَلاتَّفَاقِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَالِدُ وَغَيْرُهُ، بَلِ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ بِأَلِتِّفَاقِ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ. ٧٣٠ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَبَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَعِنْدَهُ اُلْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الثَّمِيمِيُّ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ .. لا يُرْحَمُ)) [خ ٥٩٩٧-م٢٣١٨]. ٧٣١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : تُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ ، قَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَوَأَمْلِكُ أَنْ كَانَ اللهُ تَعَالَى نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟! » هَذَا لَفْظُ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِأَلْفَاظِ [خ٥٩٩٨-م٢٣١٧]. ٧٣٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْنَهُ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَلَهُ وَشَمَّهُ)(١). ٧٣٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنِ أَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَائِشَةُ أَبْتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى ، فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتِ يَا بَيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَذَّهَا ) [٥٢٢٢٥ وانظر الملحق]. ٧٣٤ - وَرَوَيْنَا فِي كُتُبِ: ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ((أُلنَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) بِأَلْأَسَانِيدِ (١) البخاري في ( الأدب، باب : رحمة الولد وتقبيله ومعانقته) تعليقاً . ٤٣٠ الصَّحِيحَةِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَعَسَّالٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - قَالَ: (قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: أَذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلاَهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ... ) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ : ( فَقَبَلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَالاَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) [ت:٢٧٣٣ - س١١١/٧ - ق٣٧٠٥ وانظر الملحق] . ٧٣٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِاْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ الْمَلِيحِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ دَغْفَلٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا نَضْرَةَ قَبَّلَ خَذَّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا [٥٢٢١٥ وانظر الملحق]. قُلْتُ: ( أَبُو نَضْرَةَ) بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، أَسْمُهُ: أَلْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ(١) ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. وَ( دَغْفَلٌ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ فَاءِ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّلَمٍ . ٧٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ أَبْنَهُ سَالِماً وَيَقُولُ : ( أعْجَبُوا مِنْ شَيْخِ يُقَبِّلُ شَيْخاً )(٢). وَعَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ اُلْتُّسْتَرِيِّ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ أَحَدٍ أَفْرَادِ زُمَّادِ الْأُمَّةِ وَعُبَّادِهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَبَا دَاوُودَ السِّجِسْتَانِيَّ وَيَقُولُ: (أَخْرِجْ لِي لِسَانَكَ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُقَبْلَهُ )، فَيُقَبِّلُهُ . وَأَفْعَالُ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُخْصَرَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . فَضَكْ [في تقبيل وجه الميت والقادم من السفر]: وَلاَ بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ لِلََّرُّكِ ، وَلاَ بِتَقْبِيلِ الرَّجُلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ . (١) كذا ضبطها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((التقريب)) ( ص٥٤٦)، بضم القاف وفتح الطاء ( قُطَعة)، وضبطها الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١/ ١٩٠) وغيرُهُ بكسر القاف وإسكان الطاء ( قطعة ) . (٢) أخرجه ابن الجَعْد في ((مسنده)) ( ٢١٠٣). ٤٣١ ٧٣٧ - رَوَيْنَا فِي (( صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(١): ( دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى )(٢) [خ ١٢٤١] . ٧٣٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ ) ، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت:٢٧٣٢]. وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْوَجْهِ لِغَيْرِ الطِّفْلِ وَلِغَيْرِ أَلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ .. فَمَكْرُوهَانِ ، نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِمَا أَبُو مُحَمَّدِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ : ٧٣٩ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابَي: ((التِّرْ مِذِيِّ)) وَ(( ابْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَىْ أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَّنْحَنِي لَهُ ؟ (١) في (ج ): ( قالت ) . (٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٨٨/٥): (وجه الاستدلال بههذا الخبر - مع أنه فعل صحابي - : أنه شاع وانتشر ، وسكت عليه ولم ينكر ، فأخذ منه ذلك ، كيف والذي فعل ذلك أفضل الناس بعد النبيين صلى الله عليهم أجمعين ؟! وقد ورد ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم ؛ [فقد روي]: (( أنه لما توفي عثمان بن مظعون .. جاء صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقبله وبكى))). أخرجه الحاكم (٣٦١/١)، (١٩٠/٣)، وأبو داوود (٣١٦٣)، والبيهقي في ((السنن)) (٤٠٧/٣)، وأحمد (٤٣/٦) وغيرهم. وقوله: ( ثم أكب ) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٨٨/٥): (هذا أحد الفعلين اللذين خرجا عن القياس، ثانيهما: أعرض ، فإِن قياس القاصر - أي : اللازم - إِذا دخلت عليه الهمزة : أن يصير متعدياً ، نحو : كرم زيد ، وأكرمته ، وهذان الفعلان - أي : أكب وأعرض - متعديان عند عدم الهمزة ، نحو : كبه ؛ أي : ألقاه على وجهه ، وعَرَضه ؛ أي: أظهره ، وإِذا دخلت عليهما الهمزة صارا لازمين ، قال الزوزني : ولا ثالث لهما ) . ٤٣٢ قَالَ: ((لاَ))، قَالَ: أَفَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: ((لاَ ))، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت٢٧٢٨ - ق٣٧٠٢]. قُلْتُ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ، وَأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْقُدُوم مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، وَمَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهِ فِي غَيْرِهِ .. هُوَ فِي غَيْرِ الْأَمْرَدِ اَلْحَسَنِ أَلْوَجْهِ ، فَأَمَّا الْأَمْرَدُ الْحَسَنُ .. فَيَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ تَقْبِيلُهُ(١) ، سَوَاءٌ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَمْ لاَ ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُعَانَقَتَهُ كَتَقْبِهِ ، أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْ تَقْسِلِهِ ، وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَبِّلُ وَالْمُقَبَّلُ رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا صَالِحاً ؛ فَالْجَمِعُ سَوَاءٌ . وَأَلْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا: تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَقَدْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ، فَهُوَ حَرَامٌ كَأَلْمَرْأَةِ ؛ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهَا . فَضَّكُ فِي الْمُصَافَحَةِ (٢): أَعْلَمْ : أَنَّهَا سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الثَّلاَقِي . (١) إِذا كان أجنبياً ، أما تقبيل القريب .. فقد تقدم في الفصل قبله ، وحينئذٍ فإِذا كان القادم أمرد .. فلا بأس بتقبيله ومعانقته من غير شهوة إِذا كان من قريبه ؛ من والده ، وممن في معناه ، ثم الأمرد : من لم يأت زمان نبات لحيته غالباً ، فإن جاء ولم تنبت .. فيقال فيه : ثَطَّ ، بالمثلثة فالمهملة ، قيل : ويظهر ابتداء ضبط الأمرد ؛ بأن يكون بحيث لو كان امرأة صغيرة لاشتهيت للرجال. ((الفتوحات)) (٣٩٠/٥). (٢) المصافحة : إلصاق صفحة الكف بالكف ، قال ابن رسلان: ( ولا تحصل إلا بأن تقع بشرة أحد الكفين على الأخرى ، أما إذا تلاقيا ووضع كل واحد منهما كمه على كم الاخر ويداهما في أكمامهما .. فلا تحصل المصافحة المعروفة )، وقال الحطاب المالكي : ( قال فقهاؤنا : المصافحة وضع كف على كف مع ملازمة لهما قدر ما يفرغ من السلام ومن سؤال عن غرض ، وأما اختطاف اليد إثر التلاقي .. فمكروه ، وقال الأقفهسي : وهل يشد كل منهما على يد صاحبه ؟ قولان ، وهل يقبل كل منهما يد نفسه ؟ قال : الذي سمعناه من شيوخنا : لا يقبل ، وقال الزناتي : يقبل كل منهما يد نفسه، وقال الجزولي: لا يقبل أحدهما يده ولا يد الآخر؛ فذلك مكروه). ((الفتوحات)) (٣٩١/٥). وانظر لتمام الفائدة كتاب ((إعلام النبيل بجوار التقبيل)) لأبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري رحمه الله تعالى . ٤٣٣ ٧٤٠ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ( قُلْتُ لِأَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) [خ ٦٢٦٣]. ٧٤١ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) ، فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قِصَّةٍ تَوْبَتِّهِ قَالَ: ( فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي) (١) [خ٤٤١٨ -م٢٧٦٩]. ٧٤٢ - وَرَوَيْنَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ .. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ )) [٥٢١٣٥]. ٧٤٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ .. إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا)) [٥٢١٢٥-ت٢٧٢٧ - ق٣٧٠٣]. ٧٤٤ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((أُلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( ابْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ : ((قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: ((لاَ))، قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: ((لاَ))، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ ))، قَالَ أَلْتِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢) [ت ٢٧٢٨ - ق٣٧٠٢]. وَفِي أَلْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ . ٧٤٥- وَرَوَيْنَا فِي ((مُوَطَّأِ أَلْإِمَامِ مَالِكِ)) رَحِمَهُ اللهُ، عَنْهُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَصَافَحُوا .. (١) تقدم برقم (٧١٢). (٢) تقدم برقم (٧٣٩) . ٤٣٤ يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا .. تَحَابُوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ)) [ط٩٠٨/٢]. قُلْتُ : هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ . وَأَعْلَمْ: أَنَّ هَذِهِ الْمُصَافَحَةَ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُلِّ لِقَاءٍ ، وَأَمَّا مَا أَعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلاَتَي الصُّبْحِ وَأَلْعَصْرِ .. فَلاَ أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ بِهِ ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْمُصَافَحَةِ سُنَّةٌ ، وَكَوْنُهُمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَفَرَّطُوا فِيهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَوْ أَكْثَرِهَا .. لاَ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْبَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الْمُصَافَحَةِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَصْلِهَا (١) . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ اَلْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ ((الْقَوَاعِدُ )) [٢/ ٣٣٧-٢٣٩]: (أَنَّ أَلْبِدَعَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامِ: وَاجِبَةٌ، وَمُحَرَّمَةٌ ، وَمَكْرُوهَةٌ ، وَمُسْتَحَبَّةٌ، وَمُبَاحَةٌ، قَالَ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبَدَعِ الْمُبَاحَةِ: الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّنْحِ وَالْعَصْرِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ ) . قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَرَزَ مِنْ مُصَافَحَةِ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ الْوَجْهِ ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ حَرَامٌ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ مَنْ حَرُمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ .. حَرُمَ مَشُّهُ ، بَلِ أَلْمَسِنُّ أَشَدُّ ؛ فَإِنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُّ إِلَى الْأَجْنَّةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَفِي حَالِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأُخْذِ وَالْعَطَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلاَ يَجُوزُ مَسُّهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . فَضَ [في استحباب البشاشة والدعاء مع المصافحة] : وَيُسْتَحَبُّ مَعَ الْمُصَافَحَةِ: الْبَشَاشَةُ بِأَلْوَجْهِ ، وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا . (١) وكذا كل أمر ورد به الشرع أو يدخل تحت أصل وقاعدة شرعية مطلقة غير مقيدة ، فإن فعله وتقييده في وقت مخصوص دون آخر ، وبسبب مخصوص دون آخر .. لا يخرجه عن أصله الشرعي إلى كونه من البدع المنكرة ، بل يبقى داخلاً تحت أصله الشرعي وقاعدته ، وإن لم يرد تخصيص فعله في هذا الوقت أو لهذا السبب . ٤٣٥ ٧٤٦ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ)) [٢٦٢٦٢]. ٧٤٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ )) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ الْمُسْلِمَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا فَتَصَافَحَا وَتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ .. تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا)) [سني(١٩٥]. وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللهَ تَعَالَى وَأَسْتَغْفَرَا .. غَفَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا))(١) [سني ١٩٣]. ٧٤٨ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَاتَيْنٍ فِ اللهِ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ ، فَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. إِلَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ )) [سني ١٩٤ وانظر الملحق]. ٧٤٩- وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضاً قَالَ: مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ رَجُلٍ فَفَارَقَهُ .. حَتَّى قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [سني ٢٠٤]. فَضَكُ [في كراهة حني الظهر لأي أحد وفي أي حال] : وَيُكْرَهُ حَنْيُ الظَّهْرِ فِي كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ : مَا قَدَّمْنَاهُ فِي اَلْفَصْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَقَوْلِهِ: أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: ((لاَ))، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ(٢)، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ مُعَارِضٌ .. فَلاَ مَصِيرَ إِلَى مُخَالَفَتِهِ ، (١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٤٠٠/٥): (وقد أخرجه كذلك أبو داوود في ((سننه)) [٥٢١١]، لكن قال: ((واستغفراه)) بزيادة ضمير المفعول، فكان العزو إِليه أولى). (٢) تقدم برقم (٧٣٩) (٧٤٤) . ٤٣٦ وَلاَ تَغْتَرَّ بِكَثْرَةٍ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ أَوْ صَلاَحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ خِصَالِ الْفَضْلِ؛ فَإِنَّ الِقْتِدَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي ( كِتَابِ أَلْجَنَائِزِ) عَنِ اَلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا مَعْنَاهُ: ( أَتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى، وَلاَ يَضُرَّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّكَ وَطُرُقَ الضَّلَاَلَةِ، وَلاَ تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ أَلْهَالِكِينَ) (١)، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ . فَضَا﴾ [في استحباب القيام للداخل لمن كان فيه فضيلة أوله ولادة أو رحم] : وَأَمَّا إِكْرَامُ الدَّاخِلِ بِالْقِيَامِ: فَالَّذِي نَخْتَارُهُ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ كَانَ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلاَحٍ أَوْ شَرَفٍ ، أَوْ وِلاَيَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ ، أَوْلَهُ وِلاَدَةٌ أَوْ رَحِمٌ مَعَ سِنٍّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ هَذَا الْقِيَامُ لِلْبِرِّ وَاَلْإِكْرَامِ وَالإِحْتِرَامِ لاَ لِلرِّبَاءِ وَاَلْإِعْظَامِ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي أَخْتَرْنَاهُ أَسْتَمَرَّ عَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءاً جَمَعْتُ فِيهِ الْأَحَادِيثَ وَأُلآثَارَ وَأَقْوَالَ السَّلَفِ وَأَفْعَالَهُمُ الدَّالَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ(٢) ، وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا خَالَفَهَا وَأَوْضَحْتُ الْجَوَابَ عَنْهُ، فَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَرَغِبَ فِي مُطَالَعَةٍ ذَلِكَ أَلْجُزْءِ .. رَجَوْتُ أَنْ يَزُولَ إِشْكَالُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَاللهُ أَعْلَمُ(٣). تقدم ( ص ١٩٩ ) . (١) (٢) واسمه: ((الترخيص في الإِكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإِسلام)). (٣) قال بعض المتأخرين من المحققين : القيام تجري فيه الخمسة الأحكام : فيجب عند خوف الضرر بتركه ، ومن الضرر : التباغض والتدابر المنهي عنه ، ويُندب لذي فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح بقصد الإكرام لا الرياء والإِعظام ، ويَحْرم لنحو كافر لا يُخشى من ترك القيام له محذور ، ويُکره لذي فسق كذلك، ويباح فيما سوى ذلك. ((الفتوحات)) ( ٤٠٣/٥). ٤٣٧ فَضَ﴾ [في استحباب زيارة الصالحين وغيرهم مع إكرامهم وبرهم] : وَيُسْتَحَبُّ أُسْتِحْبَاباً مُتَأَكِّداً زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ، وَأَلْإِخْوَانِ وأَلْجِيرَانِ ، وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ، وَإِكْرَامُهُمْ وَبِرُّهُمْ وَصِلَتُهُمْ، وَضَبْطُ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِأُخْتِلاَفِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ . وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَكْرَهُونَهُ ، وَفِي وَقْتٍ يَرْتَضُونَهُ ، وَاْلْأَحَادِيثُ وَأَلآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا : ٧٥٠ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخَاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً ، فَلَمَّا أَتَّى عَلَيْهِ .. قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَخَاَ لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرِّثُّهَا؟ قَالَ: لاَ ، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَيْتُهُ فِي اللهِ تَعَالَى، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَيْتَهُ فِيهِ)) [م٢٥٦٧] . قُلْتُ: ( مَدْرَجَتُهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ : طَرِيقُهُ، وَمَعْنَى (تَرِبُّهَا) أَيْ : تَحْفَظُهَا وَتُرَاعِيهَا وَتُرَبِِّهَا كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ وَلَدَهُ . ٧٥١ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً، أَوْ زَارَ أَخاَّ لَهُ فِ اللهِ تَعَالَى .. نَادَاهُ مُنَادٍ بِأَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً )) [ت ٢٠٠٨ - ق١٤٤٣] . فَضَاقُ فِي أُسْتِخْبَابِ طَلَبِ الْإِنْسَانِ مِنْ صَاحِبِهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ زِيَارَتِهِ : ٧٥٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يَمْنَعُكَ أَنْ ٤٣٨ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟)) فَنَزَلَتْ: ﴿ وَمَا تَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾) [خ ٤٧٣١]. ١٠ - بَابُ تَشْمِيتِ اَلْعَاطِس وَحُكْم التَّثَاؤُب(١) ٧٥٣ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ(٢)، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ ، وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى .. كَانَ حَقّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ .. فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيَرُدَّهُ مَا أَسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ .. ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ)) (٣) [ ٦٢٢٦]. قُلْتُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: أَنَّ الْعُطَاسَ سَبَيُّهُ مَحْمُودٌ، وَهُوَ خِفَّةُ الْجِسْمِ الَّتِي تَكُونُ لِقِلَّةِ الْأَخْلاَطِ وَتَخْفِيفِ الْغِذَاءِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الشَّهْوَةَ وَيُسَهِّلُ الطَّاعَةَ، وَالتَّثَاؤُبُ بِضِدٌ ذَلِكَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . ٧٥٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضاً ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ . . فَلْيَقُلِ : الْحَمْدُ للهِ ، (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٢٠/١٨): (يقال: شمت بالشين المعجمة والمهملة ، لغتان مشهورتان ، المعجمة أفصح، قال ثعلب : معناه بالمعجمة : أبعد الله عنك الشماتة ، وبالمهملة هو من السمت ، وهو : القصد والهدى ) . (٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٤/٦): (ومحبة العطاس ؛ لأنه سبب خفة الدماغ وصفاء القوى الإِدراكية ، فيحمل صاحبه على الطاعة ، وكراهة التثاؤب ؛ لمنعه صاحبه من النشاط في الطاعة ؛ أي : يكره ما يدعو إلى التثاؤب ، فإِنه إِنما يتولد من كثرة الأكل والشرب ، وفي ذلك استرخاء للبدن وتكسل عن الطاعة ، وإِلا .. فكلا الأمرين ليسا في قدرة الإِنسان ، ولكن لما كان الأول ينشأ حيث لا عارض عن خفة الجسم لقلة الاختلاط وخفة الغذاء - وهو مما يندب إِليه - كان محبوباً ، ولما كان الثاني ينشأ عن ضده .. كان مكروهاً ، وهذا حاصل قول المصنف الآتي ) . (٣) إِنما ضحك الشيطان من قول المتثائب: (ها) لمعنيين: أحدهما : أنه رأى ثمرة تحريضه على الشبع ، فضحك فرحاً بأن أثمرت شجرة غرسه ، الثاني : أن السنة كظم التثاؤب وحبسه ما استطاع ، فإِذا ترك الأدب وقال: ( ها) .. ضحك منه لقلة أدبه. ((الفتوحات)) (٦/٦). ٤٣٩ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللهُ . . فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)) [خ٦٢٢٤] . قَالَ الْعُلَمَاءُ : ( بَالَكُمْ ) أَيْ : شَأْنَكُمْ . ٧٥٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: عَطَسَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ أَلَآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلاَنٌ . . فَشَمَّتَّهُ ، وَعَطَسْتُ .. فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فَقَالَ: ((هَذَا حَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهَ تَعَالَى)) [خ٦٢٢٥-٢٩٩١٢]. ٧٥٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى .. فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ .. فَلاَ تُشَمِّتُوهُ)) [م٢٩٩٢]. ٧٥٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ : أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَأَتِبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَرَدِّ السَّلاَمِ ، وَنَصْرِ اَلْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ))(١) [خ ٦٢٢٢ -م٢٠٦٦]. ٧٥٨- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ خَمْسٌ(٢): رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ اٌلْمَرِيضِ، وَأَتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ اُلْعَاطِسِ)) [خ ١٢٤٠ -م٤/٢١٦٢]. ٧٥٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ: إِذَا لَقِيتَهُ .. فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ .. فَأَجِبْهُ، وَإِذَا أَسْتَنْصَحَكَ .. فَأَنْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ (١) تقدم برقم (٦٧٥)، وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٠/٦): (يسن له - أي : إيرار القسم - حيث لا مانع من نحو مفسدة أو خوف ضرر ، فإِذا كان فيه مانع .. لم يبر قسمه ) . (٢) في هامش الأصل: ( نسخة: ((حق المُسلم على المُسلِمٍ خَمس))) . ٤٤٠