النص المفهرس

صفحات 381-400

رَجُلٌ : إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَاماً أَتَحَرَّجُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((لاَ يَتَحَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ
ضَارَعْتَ (١) بِهِ النَّصْرَانِيَّةَ)) [٣٧٨٤٥ - ت١٥٦٥ - ق٢٨٣٠] .
قُلْتُ : ( هُلْبٌ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّمِ، وَبِأَلْبَاءِ الْمُؤَخَّدَةِ .
وَقَوْلُهُ: ( يَتَحَلَّجَنَّ): هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَبْلَ اللَم وَأَلْحِيمِ بَعْدَهَا، هَكَذَا
ضَبَطَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَاَلْجَمَاهِيرُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي أُصُولِ سَمَاعِنَا
((سُنَّنَ أَبِي دَاوُودَ)) وَغَيْرَهُ بِأَلْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَذَكَرَهُ أَبُو السَّعَادَاتِ بْنُ الْأَثِيرِ
بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضاً، ثُمَّ قَالَ: ( وَيُرْوَى بِأَلْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُمَا بِمَعْنَىَّ وَاحِدٍ)(٢) .
قَالَ الْخَطَّبِيُّ: ( مَعْنَهُ: لَا يَقَعُ فِي رِيبَةٍ مِنْهُ، قَالَ : وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَلْجِ ،
وَهُوَ : الْحَرَكَةُ وَاَلِضْطِرَابُ، وَمِنْهُ: حَلْجُ الْقُطْنِ، قَالَ: وَمَعْنَى ( ضَارَعْتَ
النَّصْرَانِيَّةَ)) أَيْ: قَارَبْتَهَا فِي الشَّبَهِ ، فَالْمُضَارَعَةُ: أَلْمُقَارَبَةُ فِي الشَّبَهِ)(٣).
٥- بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ : (لاَ أَشْتَهِي هَذَا الطَّعَامَ ) ،
أَوْ ( مَا أَعْتَدْتُ أَكْلَهُ ) وَنَحْوَ ذَلِكَ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ
٦٤١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ خَالِدِ بْنِ اُلْوَلِيدِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الضَّبِّ لَمَّا قَدَّمُوهُ مَشْوِيّاً إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هُوَ الضَّبُّ
يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ
الضَّبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لاَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي
أَعَافُهُ )) [خ٥٣٩١- م١٩٤٥] .
(١) في الأصل: ( صارعت) بالمهملة ، وكلاهما بمعنىّ ؛ فالصرع : المثل ، يقال : هذا ضرع هذا
وصرعه ؛ أي : مثله .
(٢) ((النهاية)) (٤٢٣/١).
(٣) ((معالم السنن)) (١٤٨/٤).
٣٨١

٦ - بَابُ مَدْحِ الْآكِلِ الطَّعَامَ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ
٦٤٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُذُمَ ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّ خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ
مِنْهُ وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الْأُذُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأَدُمُ الْخَلُّ)) [م٢٠٥٢].
٧ - بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ حَضَرَ الطَّعَامَ وَهُوَ صَائِمٌ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ
٦٤٣ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ
صَائِماً .. فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً .. فَلْيَطْعَمْ)) [م١٤٣١].
قَالَ أَلْعُلَمَاءُ: مَعْنَى ( فَلْيُصَلِّ ) أَيْ : فَلْيَدْعُ.
٦٤٤ - وَرَوَيْنَاهُ فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) وَغَيْرِهِ، قَالَ فِيهِ : ((فَإِنْ كَانَ مُفْطِراً ..
فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً .. دَعَالَهُ بِالْبَرَكَةِ)) (١) [سني ٤٨٩ وانظر الملحق].
٨- بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ دُعِيَ لِطَعَامٍ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُهُ
٦٤٥ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
اَلْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( دَعَا رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ
لَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ .. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((إِنَّ هَذَا أَتََّعَنَا؛ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ .. رَجَعَ ))، قَالَ :
بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ﴾ [خ ٢٠٨١ -م٢٠٣٦].
(١) وحكم الفطر إِذا كان الصائم ضيفاً أو مضيفاً : إِن كان في صوم فرض .. حرم عليه قطعه ، اتسع زمانه
أم ضاق، وإِن كان نفلاً: فإِن شق على ضيفه أو مضيفه صومه .. أفطر ندباً، وإِلا .. فالأصل
استمراره على صومه . وفي الحديث وجوب الإِجابة على الصائم ، ويحصل مقصود الوجوب بحضوره
وإِن لم يأكل ، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون ، وقد يتجملون به ، وقد ينتفعون بإِشارته
وينصانون بحضوره عما لا ينصانون عنه في غيبته، والله أعلم. ((الفتوحات)) ( ٢٠٤/٥، ٢٠٦)
و((شرح مسلم)) (٢٣٦/٩، ٢٣٧).
٣٨٢

٩ - بَابُ وَعْظِهِ وَتَأْدِيِهِ مَنْ يُسِيءُ فِي أَكْلِهِ
٦٤٦ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ غُلاَماً فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا
غُلاَمُ ؛ سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))(١) [خ٥٣٧٦_ م١٠٨/٢٠٢٢].
وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: أَكَلْتُ يَوْماً مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((كُلْ مِمَّا يَلِيكَ)) [خ ٥٣٧٧ - م١٠٩/٢٠٢٢] .
قُلْتُ: قَوْلُهُ: ( تَطِيشُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّةٌ مِنْ تَحْتٍ سَاكِنَةٌ ،
وَمَعْنَاهُ : تَتَحَرَّكُ وَتَمْتَذُّ إِلَى نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ، وَلاَ تَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ .
٦٤٧ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ:
أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ أَبْنِ الزُّبَيْرِ (٢)، فَرُزِقْنَا تَمْراً، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا يَمُرُ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ ، وَيَقُولُ: (لاَ تُقَارِنُوا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ )، ثُمَّ يَقُولُ: (إِلاَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) [خ٥٤٤٦- ٢٠٤٥٢].
قَوْلُهُ: (لاَ تُقَارِنُوا ) أَيْ: لاَ يَأْكُلِ الرَّجُلُ تَمْرَتَيْنِ فِي لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ(٣) .
تقدم برقم ( ٦٣١) . والصحفة : دون القصعة ، وهي ما تشبع خمسة ، والقصعة تشبع عشرة .
(١)
عام سنة : عام قحط ومخمصة .
(٢)
(٣)
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ( ٢٢٨/١٣): (اختلفوا في أن هذا النهي على
التحريم أو على الكراهة والأدب، فنقل القاضي عياض [في ((الإكمال)) ٥٢٨/٦] عن أهل الظاهر:
أنه للتحريم ، وعن غيرهم : أنه للكراهة والأدب . والصواب : التفصيل ، فإِن كان الطعام مشتركاً
بينهم .. فالقِران حرام إِلا برضاهم ، ويحصل الرضا بتصريحهم به ، أو بما يقوم مقام التصريح ؛ من
قرينة حال ، أو إِدلال عليهم كلهم ، بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به ، ومتى شك في
رضاهم .. فهو حرام، وإِن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم .. اشترط رضاه وحده ، فإِن قرن بغير
رضاه .. فحرام ، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب ، وإِن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم =
٣٨٣

٦٤٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّ
رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ)) ،
قَالَ: لَاَ أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لاَ أَسْتَطَعْتَ)) مَا مَنَعَهُ إِلاَّ أَلْكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ )
[م ٢٠٢١ ] .
قُلْتُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ بُسْرٌ - بِضَمِّ الْمُوَخَّدَةِ ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - أَبْنُ رَاعِي
الْعَيْرِ - بِالْمُثَنَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ - وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَهُ وَشَرْحَ هَذَا
اُلْحَدِيثِ فِي ((شَرْحٍ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) [١٩٢/١٣]، وَاللهُ أَعْلَمُ .
١٠ - بَابُ اسْتِخْبَابِ الْكَلَامِ عَلَى الطَّعَامِ
فِيهِ حَدِيثُ جَابِرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي ( بَابِ مَدْحِ الطَّعَامِ) (١) .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ فِي ((أَلْإِحْيَاءِ)) [٧/٢]: ( مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ أَنْ
يَتَحَدَّثُوا فِي حَالِ أَكْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَتَحَدَّثُوا بِحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فِي الْأَطْعِمَةِ
وَغَيْرِهَا ) .
١١ - بَابُ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنْ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ
٦٤٩ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا :
يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَأْكُلُ وَلاَ نَشْبَعُ، قَالَ: ((فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ )) قَالُوا: نَعَمْ،
قَالَ: ((فَأَجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَأَذْكُرُوا أَسْمَ اللهِ .. يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ)) [٣٧٦٤٥ -
ق ٣٢٨٦ وانظر الملحق] .
به .. فلا يحرم عليه القرآن ، ثم إِن كان في الطعام قلة .. فحسن ألا يقرن لتساويهم ، وإِن كان كثيراً
=
بحيث يفضل عنهم .. فلا بأس بقرانه ، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشره ، إِلا أن يكون
مستعجلاً ويريد الإِسراع لشغل آخر ) .
(١) تقدم برقم (٦٤٢).
٣٨٤

١٢ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَكَلَ مَعَ صَاحِبٍ عَاهَةٍ
٦٥٠ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ جَابِرٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ
فِي الْقَصْعَةِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِأَسْمِ اللهِ؛ ثِقَةً بِاللهِ وَتَوَكُّلاً عَلَيْهِ)) (١) [ر٣٩٢٥- ت١٨١٧ -
ق٣٥٤٢] .
١٣ - بَابُ أَسْتِحْبَابٍ قَوْلِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لِضَيْفِهِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ
إِذَا رَفَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ : ( كُلْ ) ، وَتَكْرِيرِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ
أَنَّهُ أَكْتَفَى مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي الشَّرَابِ وَالطَّيْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
إِعْلَمْ: أَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ، حَتَّى يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ
عِيَالِهِ الَّذِينَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى الطَّعَامِ وَإِنْ قَلَّتْ .
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي ذَلِكَ :
٦٥١ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، فِي
حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مُعْجِزَاتٍ ظَاهِرَةٍ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
لَمَّا أُشْتَدَّ جُوعُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَعَدَ عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَقْرِىءُ مَنْ مَرَّ بِهِ الْقُرْأَنَ مُعَرِّضاً بِأَنْ
يُضَيِّقَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ الصَُّّةِ ، فَجَاءَ بِهِمْ ،
(١) في هامش الأصل : ( هذا المجذوم اسمه معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ، ولم يكن في أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم مجذوم غيره. ذكره ابن بشكوال [في (( غوامض الأسماء المبهمة))
٥٥٩/٢]) . وممن ذكر ذلك أيضاً ابن السكن ، ولعل ابن بشكوال وابن السكن أرادا من الصحابة ممن
كان في صحبة وملازمة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام ، لا مطلق من اتصف بوصف الصحبة ،
وإلا .. لورد عليهما حديث مسلم (٢٢٣١) : كان في وفد ثقيف رجل مجزوم ، فأرسل إليه النبي
صلى الله عليه وسلم: ((إِنا قد بايعناك، فارجع))؛ إِذ من المعلوم أنه لم يصل إلى المدينة في جملة
الوفد إِلا وقد تشرف بالاجتماع والإِيمان به صلى الله عليه وسلم ، غاية ما فاته ملامسة يده ليده
صلى الله عليه وسلم التي تشرف بها غيره من الوفد. ((الفتوحات)) ( ٢١٦/٥).
٣٨٥

فَأَرْوَاهُمْ أَجْمَعِينَ مِنْ قَدَحِ لَبَنٍ ... وَذَكَرَ أَلْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : ( قَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ )) ، قُلْتُ: صَدَقْتَ
يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَقْعُدْ فَأَشْرَبْ))، فَفَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: ((أَشْرَبْ))،
فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: ((أَشْرَبْ)) .. حَتَّى قُلْتُ: لاَ، وَأَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ؛
لاَ أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً، قَالَ: ((فَأَرِي))، فَأَعْطَيْتُهُ أَلْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى ،
وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ) [خ٦٤٥٢].
١٤ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَام
٦٥٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ كَثِيراً طَيِّباً، مُبَارَكاً
فِيهِ ، غَيْرُ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعْ، وَلاَ مُسْتَغْنَىَ عَنْهُ، رَبُّنَا)) [خ٥٤٥٨].
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ - قَالَ :
((اُلْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَّ مَكْفِيٍّ وَلاَ مَكْفُورِ)) [خ ٥٤٥٩].
قُلْتُ: ( مَكْفِيٌّ) بِفَتْحِ الْمِيمٍ وَتَشْدِيدِ أَلْيَاءِ ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ
اُلْفَصِيحَةُ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ الزُّوَاةِ بِالْهَمْزِ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ
مِنَ ( الْكِفَايَةِ ) أَوْ مِنْ (كَفَأْتُ الْإِنَاءَ)(١)، كَمَا لاَ يُقَالُ فِي مَقْرُوءٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ:
مَقْرِىءٌ ، وَلاَ فِي مَرْمِيٍّ : مَرْمِىءٌ بِالْهَمْزِ .
قَالَ صَاحِبُ ((مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ )) فِي تَفْسِيرِ هَذَا أَلْحَدِيثِ: (أَلْمُرَادُ بِهَذَا
الْمَذْكُورِ كُلِّهِ: الطَّعَامُ ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ) .
قَالَ الْحَرْبِيُّ: (فَالْمَكْفِيُّ: آلْإِنَاءُ الْمَقْلُوبُ لِلِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ: (( غَيْرُ
(١) فساده باعتبار ما ذكره من كونه من ( كفأت الإِناء) أو من ( الكفاية )، أما أنه مأخوذ من المكافأة ..
فلا فساد ، وقال الجواليقي : ( الصواب : غير مكافأ بالهمز ؛ أي : إِن نعمه تعالى لا تكافأ ) . قال
الحافظ: ( ثبت هذا اللفظ هلكذا في حديث أبي أمامة بالياء، ولكل معنىّ، والله أعلم).
٣٨٦

مُسْتَغْنَىَ عَنْهُ))، أَوْ لِعَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ: ((غَيْرُ مَكْفُورِ)) أَيْ: غَيْرُ مَجْحُودَةٍ نِعَمُ اللهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ ، بَلْ مَشْكُورَةٌ ، غَيْرُ مَسْتُورِ آلِاِ عْتِرَافُ بِهَا وَأَلْحَمْدُ عَلَيْهَا ) .
وَذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الدُّعَاءِ كُلِّهِ الْبَارِىءُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ
الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (غَيْرُ مَكْفِيٍّ): أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ، كَأَنَّهُ
عَلَى هَذَا مِنَ الْكِفَايَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ غَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ أَيْ :
أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُسْتَغْنٍ عَنْ مُعِينٍ وَظَهِيرٍ ، قَالَ: ( وَقَوْلُهُ: ((لاَ مُوَدَّعِ)) أَيْ : غَيْرُّ
مَتْرُوكِ الطَّلَبِ مِنْهُ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ)(١).
وَيَنْتُصِبُ ( رَبَّنَا) عَلَى هَذَا بِأَلِخْتِصَاصِ وَالْمَدْحِ، أَوْ بِالنِّدَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ :
(يَا رَبَّنَا؛ أَسْمَعْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا)، وَمَنْ رَفَعَهُ .. قَطَعَهُ وَجَعَلَهُ خَبَراً، وَكَذَا قَيَّدَهُ
اُلْأَصِيلِيُّ كَأَنَّهُ قَالَ : ( ذَلِكَ رَبُّنَا)، أَوْ ( أَنْتَ رَبُّنَا)، وَيَصِحُّ فِيهِ الْكَسْرُ(٢) عَلَى
الْبَدَلِ مِنَ الاِسْمِ فِي قَوْلِهِ : ( أَلْحَمْدُ للهِ ) .
وَذَكَرَ أَبُوِ السَّعَادَاتِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي « نِهَايَةِ الْغَرِيبِ)) [١٨٢/٤] نَحْوَ هَذَا الْخِلَفِ
مُخْتَصَراً وَقَالَ : ( وَمَنْ رَفَعَ (( رَبُّنَا)) .. فَعَلَى أَلِابْتِدَاءِ الْمُؤَخَّرِ؛ أَيْ: رَبِّنَا غَيْرُ
مَكْفِيٍّ وَلاَ مُؤَدَّعٍ، وَعَلَى هَاذَا يُرْفَعُ ((غَيْرُ ))، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ
رَاجِعاً إِلَى الْحَمْدِ، كَأَنَّهُ قَالَ: حَمْداً كَثِيراً غَيْرُ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَذَّعِ وَلاَ مُسْتَغْنَىَ عَنْ
هَذَا الْحَمْدِ ) .
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَلاَ مُوَدَّع ): ( أَيْ: غَيْرُ مَتْرُوكِ الطَّاعَةِ). وَقِيلَ: هُوَ
مِنَ الْوَدَاعِ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ ، وَاللهُ أَعْلَّمُ(٣).
(١) ((معالم السنن)) (٤/ ١٨٧).
(٢) أي : الجر ، وهو تسامح في التعبير ، فقد عبر عن لقب أحد أنواع الإِعراب بلقب أحد أنواع البناء .
وأنواع الإِعراب: الرفع والنصب والجر، وأنواع البناء: الضم والفتح والكسر. ((الفتوحات))
(٢٢٧/٥) .
(٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٢٧/٥): (ولميرك في هذا المقام كلام نفيس فيه =
٣٨٧

٦٥٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ؛ يَأْكُلُ
اُلْأَكْلَةَ .. فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ .. فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا)) [م٢٧٣٤].
٦٥٤ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَكِتَابَي: ((أَلْجَامِع)) وَ((الشَّمَائِلِ))
لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ .. قَالَ: (( أَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا
مُسْلِمِينَ)) [ر٣٨٥٠ - ت٣٤٥٧ - شما١٩١].
٦٥٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي
أَيُوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ(١) .. قَالَ: ((أَلْحَمْدُ للهِ [الَّذِي](٢) أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ
وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً)) [«٣٨٥١ - سك ٦٨٦٧].
٦٥٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) وَ((أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ مُعَاذِ بْنِ
أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَكَلَ طَعَاماً
=
تفصيل للمقام وإِجمال مع إيضاح في المقال ، وعبارته : اعلم : أن ضمير اسم المفعول في الجمل
الثلاث لا يخلو إما أن يكون راجعاً إلى الله تعالى ، أو إِلى الحمد ، أو إِلى الطعام الذي يدل عليه
السياق. فعلى الأول: يجوز حينئذ أن يقرأ ((غير)) منصوباً بإِضمار أعني ، أو على أنه حال ؛ أي : الله
سبحانه غير مكفي رزق عباده ؛ لأنه لا يكفيه أحد غيره، ((ولا مودع)) أي : غير متروك الطلب منه
والرغبة فيما عنده، (( ولا مستغنى عنه)) ؛ لأنه في جميع الأمور هو المرجع والمستعان والمدعو ،
ويجوز أن يقرأ مرفوعاً ؛ أي : هو غيرُ مكفي . وعلى الثاني : معناه : إِن هذا الحمد غير مأتي به كما
هو حقه ؛ لقصور القدرة ، ومع هذا فغير مودع ؛ أي : غير متروك ، بل الاشتغال به دائم من غير
انقطاع، ولا مستغنىَ عنه؛ لأن الإِتيان به ضروري دائماً، ورفعُ ((غير)) ونصبه بحالهما . وعلى
الثالث: معناه": إِنه غير مكفي من عندنا، بل هو الكافي والرازق، أو غير مردود إليه، (( ولا مستغنىَ
عنه)) جملةٌ مؤكدة للجملة السابقة، والرفع والنصب في ((غير)» بحالهما أيضاً ).
(١) في (ج) و(د): (أو شرب) وهو الموافق لما في ((أبي داوود)) و((النسائي)).
(٢) لفظة: ( الذي) زيادة من (أ) و(ج) و( د) .
٣٨٨

فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ . . غُفِرَ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٤٠٢٣٥ - ت٣٤٥٨ -ق٣٢٨٥].
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَفِي الْبَابِ - يَعْنِي: بَابَ الْحَمْدِ عَلَى الطَّعَامِ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ - عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ(١) [ت٢٦٥/٤]
٦٥٧ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ النَّسَائِيِّ)) وَ(( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ التَّابِعِيِّ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثَمَانٍ سِنِينَ : أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَاماً ..
يَقُولُ: ((بِأَسْمِ اللهِ))، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ أَطْعَمْتَ
وَسَقَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ .. فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ))
[سك ٦٨٧١ - سني ٤٦٥ وانظر الملحق] .
٦٥٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الطَّعَامِ إِذَا
فَرَغَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا وَهَدَانَا، وَأَلَّذِي أَشْبَعَنَا وَأَزْوَانَا، وَكُلَّ الْإِحْسَانِ
آَتَانَا)) [سني ٤٦٦ وانظر الملحق] .
٦٥٩ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) وَ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ)) عَنِ
أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَكَلَ
أَحَدُكُمْ طَعَاماً - وَفِي رِوَايَةٍ أَبْنِ السُّنِّيِّ: مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَاماً - فَلْيَقُلِ : آللَّهُمَّ ؛
بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ(٢) ، وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ تَعَالَىْ لَبَناً .. فَلْيَقُلِ: آللَّهُمَّ ؛
(١) ذكر الإمام الترمذي رحمه الله تعالى هذا الكلام بعد الحديث (١٨١٦)، الذي تقدم برقم ( ٦٥٣) عن
أنس رضي الله عنه، معزواً إلى ((مسلم)) (٢٧٣٤).
(٢) يحتمل أن يريد طعام الجنة، ويحتمل أن يريد العموم فيشمل خيري الدارين. ((الفتوحات))
(٢٣٩/٥) .
٣٨٩

بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ
اللَّبَنِ)) (١) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [د٣٧٣٠-ت٣٤٥٥ - سني ٤٧٤].
٦٦٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ )) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ ..
تَنَفَّسَ ثَلاَثَةَ أَنْفَاس (٢) ، يَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَشْكُرُهُ فِي آخِرِهِ(٣) )
[سني ٤٧١ وانظر الملحق] .
١٥ - بَابُ دُعَاءِ الْمَدْعُوِّ وَالضَّيْفِ لِأَهْلِ الطَّعَامِ إِذَا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ
٦٦١ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيح مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرِ - بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَإِسْكَانٍ
السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - الصَّحَابِيِّ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي ،
فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَىُ بَيْنَ
إِصْبَعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَأَلْوُسْطَى - قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى
إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ(٤) - ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ،
(١) قوله: ( فإنه ليس شيء يجزىء ... ) أي: ليس شيء يكفي في دفع الجوع والعطش معاً مكان الطعام
والشراب وبدلهما غير اللبن. ((تحفة الأحوذي)) (٢٩٦/٩).
(٢) أي : خارج الإِناء ؛ بأن يفصل فمه عنه فيتنفس ويحمد الله، ثم يسمي ويعود إِلى الإِناء ، وهكذا ثانياً
وثالثاً. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد)) (١٣٩/٣): (وفي هذا الشرب حكم جمة
وفوائد مهمة ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله: ((إِنه أروى وأمرأ وأبرأ)) ، فأروى:
أشد رياً ، وأبرأ : أفعل من البرء ؛ أي : يبرىء من شدة العطش ودائه ؛ لتردده على المعدة الملتهبة
دَفعات ، فُتُسَكِّن الدفعةُ الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه ، وكذا الثالثة ) .
(٣) في (ج) : ( آخرهن ) .
(٤) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٤٦/٥): (معنى هذا الكلام: أن شعبة قال :
الذي أظنه أن إلقاء النوى مذكور في الحديث ، وأشار إلى تردد فيه وشك في هذه الطريق ، لكن جاء
في طريق أخرى عنه عند مسلم أيضاً الجزم بذلك من غير شك فيه ، فهو ثابت بتلك الطريق ، ولا تضر
رواية الشك سواء تقدمت على الرواية الأخرى أو تأخرت ؛ لأنه تيقن في وقت وشك في وقت ،
والمتن ثابت ، ولا يمنعه النسيان في وقت آخر ) .
٣٩٠

فَقَالَ أَبِي: ادْعُ اللهَ لَنَا، فَقَالَ: ((آللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، فَأَغْفِرْ لَهُمْ
فَأَرْحَمْهُمْ))(١) [م٢٠٤٢] .
قُلْتُ : ( أَلْوَطْبَةُ) بِفَتْحِ أَلْوَاوِ ، وَإِسْكَانِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَخَّدَةٌ ،
وَهِيَ : قِرْبَةٌ لَطِيفَةٌ يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ .
٦٦٢ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَغَيْرِهِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ ، وَزَيْتٍ ، فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَفْطَرَ
عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ))(٢) .
٦٦٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَّنِ ابْنِ مَاجَهْ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ: أَفْطَرَ رَسُولُ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ: ((أَفْطَرَ
عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ ... )) أَلْحَدِيثُّ [ق١٧٤٧].
قُلْتُ : فَهُمَا قَضِيَتَانِ جَرَتَا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ .
٦٦٤ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَاماً ، فَدَعَا النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا .. قَالَ: ((أَئِيبُوا أَخَاكُمْ))، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْنُهُ، فَأُكِلَ طَعَامُهُ ،
وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ .. فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ))(٣) [«٣٨٥٣ وانظر الملحق].
(١) في (أ): ( فأغفر لهم وأرحمهم ) .
تقدم برقم ( ٥٥٧ )، وانظر كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الملحق رقم ( ٥٥٧) .
(٢)
الخزيرة : هي شبه العصيدة ، ولكن معها لحم ، والعصيدة إنما هي في الأصل : دقيق يضاف إِليه
ثلاثة أمثاله من الماء ، ولا يزال يحرك على نار هادئة حتى يغلظ قَوَامه ، فيصب عليه السمن واللبن
المحلى بالعسل أو السكر . والداجن : هي الشاة التي ألفت المنزل تعلف فيه .
(٣)
٣٩١

١٦ - بَابُ دُعَاءِ الْإِنْسَانِ لِمَنْ سَقَاهُ مَاءً أَوْ لَبَناً وَنَحْوَهُمَا
٦٦٥ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنِ الْمِقْدَادِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ
الْمَشْهُورِ قَالَ: فَرَفَعَ النَّبِيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ :
((اللَّهُمَّ؛ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ سَقَانِي))(١) [٢٠٥٥٣].
٦٦٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَمْرِو بْنِ أَلْحَمِقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
أَنَّهُ سَقَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَنَاً فَقَالَ: (( آللَّهُمَّ ؛ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ)) ،
فَمَرَّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ [سني ٤٧٥ وانظر الملحق ] .
قُلْتُ : ( أَلْحَمِقُ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ أَلْمِيمِ .
٦٦٧ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ قَالَ : ( أَسْتَسْقَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي جُمْجُمَةٍ وَفِيهَا
شَعْرَةٌ، فَأَخْرَجْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ؛ جَمِّلْهُ)) ، قَالَ
الرَّاوِي: فَرَأَيْتُهُ أَبْنَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِينَ أَسْوَدَ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ ) [سني ٤٧٧].
قُلْتُ: ( الْجُمْجُمَةُ) بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ ، بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَهِيَ: قَدَحٌ
مِنْ خَشَبٍ، وَجَمْعُهَا جَمَاجِمُ ، وَبِهِ سُمِّيَ دَيْرُ أُلْجَمَاجِمِ، وَهُوَ أَلَّذِي كَانَتْ بِهِ
وَقْعَةُ أَبْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْمَلُ فِيهِ أَقْدَاحٌ مِنْ خَشَبٍ ،
وَقِيلَ : سُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ بُيِيَ مِنْ جَمَاجِمِ اٌلْقَتْلَى لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ .
١٧ - بَابُ دُعَاءِ الْإِنْسَانِ وَتَحْرِيضِهِ لِمَنْ يُضَيِّئُ ضَيْفاً
٦٦٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
(١) في الأصل: (وأسق). قال في ((الفتوحات)) (٢٥٤/٥): (((وأسق)) بهمزة وصل ويجوز
قطعها ، للكن الأول أنسب ) ؛ فهو بهمزة وصل إن كان من الثلاثي ؛ سَقىُ يَسقي أُسقِ ، وبهمزة قطع
إن كان من الرباعي ؛ أَسقىْ يُسقي أَسقِ ، والله أعلم .
٣٩٢

عَنْهُ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُضَيِّفَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ
مَا يُضَيِّقُهُ، فَقَالَ: ((أَلاَ رَجُلٌ يُضَيِّفُ هَذَا رَحِمَهُ اللهُ؟)) فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ
فَأَنْطَلَقَ بِهِ ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [خ ٤٨٨٩- م٢٠٥٤/ ١٧٣] .
١٨ - بَابُ الثََّاءِ عَلَى مَنْ أَكْرَمَ ضَيْفَهُ
٦٦٩ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ قَالَ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي مَجْهُودٌ ،
فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَقَالَتْ: وَأَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ؛ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ، ثُمَّ
أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: « مَنْ يُضِيفُ
هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟ )) فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَنْطَلَقَ بِهِ
إِلَى رَحْلِهِ ، فَقَالَ لِمْرَأَتِهِ : هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لاَ، إِلَّ قُوتُ صِبْيَانِي ، قَالَ :
فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا .. فَأَطْفِي السِّرَاجَ وَأَرِيِهِ أَنَّا نَأْكُلُ؛ فَإِذَا أَهْوَى
لِيَأْكُلَ .. فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِيهِ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ..
غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِعِكُمَا
بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)) ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
◌ِمْ خَصَاصَةٌ﴾﴾ [خ٣٧٩٨ - م٢٠٥٤/ ١٧٢].
قُلْتُ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّعَامِ حَاجَةً
ضَرُورِيَّةً؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَإِنْ كَانَ شَبْعَانً(١) يَطْلُبُ الطَّعَامَ إِذَا رَأَى مَنْ
يَأْكُلُهُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهُمَا آثَرَا بِنَصِيبِهِمَا ضَيْفَهُمَا، وَأَلْهُ
أَعْلَمُ .
(١) يجوز في هذا وأمثاله الصرف وعدمه ؛ إذ كل ما كان على وزن فعلان؛ كشبعان وسكران ، ومؤنثه :
فعلى وفعلانة ؛ كشبعى وشبعانة ، وسكرى وسكرانة ، يجوز فيه الصرف على الثاني ، وعدمه على
الأول .
٣٩٣

١٩ - بَابُ أَسْتِحْبَابٍ تَرْحِيبِ الْإِنْسَانِ بِضَيْفِهِ، وَحَمْدِهِ اللهَ تَعَالَى عَلَى حُصُولِهِ
ضَيْفاً عِنْدَهُ، وَسُرُورِهِ بِذَلِكَ، وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ أَهْلاً لِذَلِكَ
٦٧٠ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ الْآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)) [خ٦٠١٨- م٤٧].
٦٧١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( خَرَجَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ(١): ((مَا أَخْرَ جَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ )) قَالاً:
أَلْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (( وَأَنَا، وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لِأَخْرَجَنِي أَلَّذِي
أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا))، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَإِذَا لَيْسَ هُوَ فِي
بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ .. قَالَتْ: مَرْحَباً وَأَهْلاً(٢)، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيْنَ فُلاَنٌ؟ )) قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ
اَلْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلْحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ أَلْيَوْمَ
أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي ... ) وَذَكَرَ تَمَامَ اَلْحَدِيثِ [م٢٠٣٨].
٢٠ - بَابُ مَا يَقُولُهُ بَعْدَ أَنْصِرَافِهِ عَنِ الطَّعَامِ
٦٧٢ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاَةِ ،
وَلاَ تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ لَهُ قُلُوبُكُمْ))(٣) [سني ٤٨٨ وانظر الملحق] .
(١)
في غير (ج) : ( قال ) .
في هذا جواز سماع كلام الأجنبية مع أمن الفتنة وإِن وقعت فيه مراجعة. ((الفتوحات)) (٢٦٣/٥).
(٢)
(٣) في هامش (ب): (بلغ أبو العباس - وفقه الله - سماعاً ومقابلة بقراءته، ولله الحمد. كتبه ابن العطار).
٣٩٤

١٤ - كِتَابُ السَّلاَمِ وَالإِسْتِئْذَانِ
وَتَشْمِيتِ أَلْعَاطِسِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَادَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ
مُبَرَكَةً طَيِّبَةً﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَّ
أَهْلِهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَعْذِنُواْ كَمَا أُسْتَئْذَنَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ
دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُوْ سَلَمَّا قَالَ سَلَّمٌ﴾.
وَأَعْلَمْ : أَنَّ أَصْلَ السَّلاَمِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَفْرَادُ مَسَائِلِهِ
وَفُرُوعِهِ .. فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُخْصَرَ، وَأَنَا أَخْتَصِرُ مَقَاصِدَهُ فِي أَبْوَابٍ يَسِيرَةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ وَاَلْإِصَابَةُ وَالرِّعَايَةُ .
١ - بَابُ فَضْلِ السَّلَامِ وَالْأَمْرِ بِفْشَائِهِ
٦٧٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (( تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ
عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) [خ١٢-٣٩٢].
٦٧٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ (١) ، طُولُهُ سِتُّونَ
(١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٦٦/١٦): (هو من أحاديث الصفات، =
٣٩٥

ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ .. قَالَ: أَذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَىْ أُولَئِكَ - نَفَرٍّ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ -
فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ ؛ فَإِنَّهَا تَحِيُّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: أَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ،
فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ)) [خ٣٣٢٦-م٢٨٤١].
٦٧٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ :
(( أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَأَتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ ،
وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ اَلْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ
اَلْقَسَمِ))(١)، هَذَا لَفْظُ إِحْدَىُ رِوَايَاتِ أَلْبُخَارِيِّ [خ٦٢٣٥-م٢٠٦٦].
ومن العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول : نؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد ، ولها معنىً يليق
11
بها ، وهذا مذهب جمهور السلف ، وهو أحوط وأسلم ، والثاني : أنها تتأول على حسب ما يليق
بتنزيه الله تعالى وأنه ليس كمثله شيء ، قال المازري : هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ، ورواه
بعضهم: ((إِن الله خلق آدم على صورة الرحمن))، وليس بثابت عند أهل الحديث ، وكأن مَن نقله
رواه بالمعنى الذي وقع له ، وغلط في ذلك). قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في ((المفهم ))
(١٨٣/٧): (قوله: ((خلق الله آدم على صورته)) هذا الضمير عائد على أقرب مذكور ، وهو آدم ،
وهو أعم ، وهذا الأصل في عود الضمائر ، ومعنى ذلك : أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه
عليها لم ينتقل في النشأة أحوالاً ، بخلاف سنة الله في ولده ، ويصح أن يكون معناه للإِخبار عن أن الله
تعالى خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض ، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى ،
والله تعالى أعلم). ولا يعترض عليه بأن الحديث جاء بلفظ آخر وهو: ((إِن الله خلق آدم على صورة
الرحمن))؛ لما ذكره النووي نقلاً عن المازري أنه ليس بثابت عند أهل الحديث . ثم قال الإمام
القرطبي : ( ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى .. لصح أن يقال هنا : إِن الصورة بمعنى
الصفة، وقد ذكرنا في قوله: (( أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر)) فإِن معناه : على صفته من
الإِضاءة ، لا على صورته من الاستدارة ، فيكون معنى الخبر : إِن الله خلق آدم على صورته ؛ أي :
خلقه موصوفاً بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع الحيوانات ، وخصه بما لم يخص به أحداً من
ملائكة الأرضين والسماوات ) . وذهب غيره إِلى أن الإِضافة إِضافة تكريم وتشريف ؛ أي : كقوله :
﴿ذَاقَةُ اللَّهِ﴾، وكما يقال: الكعبة بيت الله ، وذلك أن الله تعالى خلق آدم أبا البشر على صورة لم
يشاكلها شيء من الصور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة ، فاستحقت
الصورة البشرية أن تكرم ولا تهان اتباعاً لسنة الله تعالى فيها وتكريماً لما كرمه. ((الفتوحات))
(٢٧٢/٥) .
(١) إِبرار القسم سنة متأكدة ، للكن يندب إِذا لم تكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك ، فإن كان شيء
من ذلك .. لم يبر قسمه. ((الفتوحات)) (٢٧٥/٥) .
٣٩٦

٦٧٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا (١)
حَتَّى تَحَابُوا، أَوَلَا أَدُلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَايَبْتُمْ؟ أَفُْوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) [م٥٤].
٦٧٧ - وَرَوَيْنَا فِي (( مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ)) وَكِتَابَيٍ: ((أُلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ))
وَغَيْرِهَا بِالْأَسَانِيدِ الْجَيِّدَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((يَا أَيْهَا النَّاسُ؛ أَفْشُوا السَّلاَمَ ،
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ .. تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِسَلاَم )) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ(٢) [مي ١٥٠١ - ت٢٤٨٥ - ق١٣٣٤].
٦٧٨ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ(( أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَبِي أَمَامَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، قَالَ: ((أَمَرَنَا نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُفْشِيَ السَّلَامَ)) [ق٣٦٩٣ - سني ٢١٦].
(١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٣٦/٢): (هكذا في جميع الأصول
والروايات ((ولا تؤمنوا)) بحذف النون من آخره، وهي لغة معروفة صحيحة)، قال بعضهم: حَسُنَ
ذلك هنا لمشاكلة الفعل المنصوب قبله ؛ أي: حتى تؤمنوا. ((الفتوحات)) (٢٧٦/٥).
(٢) قوله: ((وصلوا الأرحام)) الأمر فيه محمول على الوجوب . قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في
((المفهم)) (٥٢٦/٦): (الرحم المحرَّمُ قطعُها المأمورُ بصلتها على وجهين : عامة وخاصة :
فالعامة : رحم الدين ، وتجب مواصلتها بملازمة الإِيمان ، والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة لهم ،
وترك مضارَّتهم ، والعدل بينهم ، والنَّصفة في معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة ؛ كتمريض
المرضى ، وحقوق الموتى . وأما الرحم الخاصة : فتجب لهم الحقوق العامة وزيادة عليها ؛ كالنفقة
على القرابة القريبة ، وتفقد أحوالهم ، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم . والرحم :
عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإِن علوا ، وأبنائه وإِن نزلوا ، وما يتصل بالطرفين من
الأعمام والعمات والأخوال والخالات والإِخوة والأخوات ، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم
جامعة . وقطع الرحم : كبيرة من غير خلاف ، للكن الصلةَ بعضُها أرفع من بعض ، فأدناها تركُ
المهاجرةِ ، وأدنى صلتها بالسلام. قال القاضي [في ((الإكمال)) ٨/ ٢٠] : وقد اختلف في حدِّ الرحم
التي تجب صلتها : فقال بعض أهل العلم : هي كل رحم مَحْرم ، وعلى هذا : فلا تجب في بني
الأعمام وبني الأخوال . وقيل : بل هذا في كل رحمٍ ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في
المواريث ، مَحْرماً كان أو غير مَحْرم) . والقول الأخير هو ما صوبه الإمام النووي رحمه الله تعالى في
((شرح مسلم)) (١٦/ ١١٣) والله أعلم .
٣٩٧

٦٧٩ - وَرَوَيْنَا فِي (( مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكِ)) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ الْطُفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ .. لَمْ يَمُرَّ
عَبْدُ اللهِ عَلَى سَقَّاطٍ(١) وَلاَ صَاحِبٍ بَيْعَةٍ وَلاَ مِسْكِينٍ ولاَ أَحَدٍ .. إِلَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ؛
قَالَ الطُّفَيْلُ : فَجِئْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَوْماً ، فَأُسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ ، فَقُلْتُ لَهُ :
مَا تَصْنَعُ بِالسُّوقِ وَأَنْتَ لاَ تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلاَ تَسْأَلُ عَنِ السَّلَعِ ، وَلاَ تَسُومُ
بِهَا ، وَلاَ تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ ؟ قَالَ : وَأَقُولُ : أَجْلِسْ بِنَا هَلَهُنَا نَتَحَدَّثْ ،
فَقَالَ لِي أَبْنُ عُمَرَ : ( يَا أَبَا بَطْنٍ - وَكَانَ اُلْطُفَيْلُ ذَا بَطْنٍ (٢) - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ
السَّلاَم، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ ) [ط٩٦١/٢].
٦٨٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ أَلْبُخَارِيِّ)) عَنْهُ قَالَ: ( وَقَالَ عَمَّارٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ .. فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ
لِلْعَالَمِ، وَاَلْإِنْفَاقُ مِنَ اْإِقْتَارِ) [خ١٥/١].
وَرَوَيْنَا هَذَا فِي غَيْرِ(الْبُخَارِيِّ)) مَرْفُوعاً إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(٣).
قُلْتُ : وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلاثِ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ؛ فَإِنَّ
الْإِنْصَافَ يَقْتَضِي أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى اللهِ تَعَالَى جَمِيعَ حُقُوقِهِ وَمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَيَجْتَنِبَ
(١) السقاط: الذي يبيع سقط المتاع؛ أي: رديئه وحقيره. ((الفتوحات)) (٢٨١/٥).
(٢) فيه: أن ذكر بعض خلقة الإِنسان إِذا لم يتأذّ بذكره ولم يقصد به الإهانة وإِدخال العيب .. لا يكون
محرماً منهياً عنه ، وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في هذا المعنى في (( صحيحه )) في
( كتاب الأدب ) باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم : ( الطويل والقصير ) وذكر تحته حديث ذي
اليدين (٦٠٥١)، وأما إن كان يقصد باللقب الإهانة أو إدخال العيب وكان صاحبه يتأذى بذكره .. فلا
يجوز، وهو محرم، وفعله فسوق، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا
مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْا ◌ِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا نَنَبَرُواْ بِالْأَ لْقَبٍ بِئْسَ الِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِّ وَمَن
لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُ الَّالِمُونَ﴾.
(٣) انظر الملحق رقم (٦٨٠).
٣٩٨

جَمِيعَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمْ، وَلاَ يَطْلُبَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَنْ
يُنْصِفَ أَيْضاً نَفْسَهُ فَلاَ يُوقِعُهَا فِي قَبِيحِ أَصْلاً .
وَأَمَّا بَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ .. فَمَعْنَاهُ: لِجَمِيعِ النَّاسِ ، فَيَتَضَمَّنُ أَلَّ يَتَكَبَّرَ عَلَى
أَحَدٍ ، وَأَلَّ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ جَفَاءٌ يَمْتَنِعُ بِسَبِهِ مِنَ السَّلَامِ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ مِنَ آلْإِقْتَارِ .. فَيَقْتَضِي كَمَالَ الْوُثُوقِ بِاللهِ تَعَالَىْ وَالتَّوَكُلِ عَلَيْهِ ،
وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ، نَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ التَّوْفِيقَ لِجَمِيعِهِ.
٢ - بَابُ كَيْفِيَّةِ أَلسَّلام
أَعْلَمْ: أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ الْمُسَلِّمُ : (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اُللهِ
وَبَرَكَاتُهُ ) ، فَيَأْتِي بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِداً، وَيَقُولَ الْمُجِيبُ:
(وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) ، وَيَأْتِي بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: (وَعَلَيْكُمْ)(١).
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَىْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْمُبْتَدِىِ أَنْ يَقُولَ: ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ) : الْإِمَامُ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ
((الْحَاوِي)) فِي (كِتَابِ السِّيَرِ)(٢) [١٦٦/١٨]، وَأَلْإِمَامُ أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي مِنْ
أَصْحَابِنَا فِي ( كِتَابٍ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ ) ، وَغَيْرُهُمَا .
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٨٧/٥): (إِن المسلُّم لما تضمن سلامه الدعاء
للمسلّم عليه بوقوع السلامة وحلولها عليه .. كان الرد من الرادِّ متضمناً لطلب أن يحل عليه من ذلك
مثل ما طلبه له ، كما إِذا قال : غفر الله لك ، فإِنك تقول : ولك فغفر ، ويكون هذا أحسن من
قولك : وغفر لك ؛ لأن تجريد القصد إِلى مشاركة المدعو به للداعي في ذلك الدعاء مثل دعائه ،
وكأنه قال : ولك أيضاً ؛ أي : أنت مشارك لي في ذلك مماثل ، لا أنفرد به عنك ، ولا أختص به
دونك ، ولا ريب أن هذا المعنى يستدعي تقديم المشارك المساوي ) .
(٢) قوله: ( أقضى القضاة) اختلف العلماء في إطلاق هذه العبارة وأمثالها كقاضي القضاة ، وحاكم
الحكام ، فمن مجوِّز لذلك، ومن محرِّم. قال ابن علان رحمه الله تعالى في (( الفتوحات))
(٢٨٨/٥): (والحاصل : أن العرف خصّص هذين بإِطلاقهما على أعدل القضاة وأعلمهم بالنسبة
لأهل زمنه في بلده أو إقليمه ، وقد أنكروا على من أراد التلقيب بشاهان شاه ، وأفتى الماوردي
بتحريمه لصحة الحديث بالمنع منه ) .
٣٩٩

وَدَلِيلُهُ :
٦٨١ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي (( مُسْنَدِ الذَّارِمِيِّ)) وَ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلتِّرْمِذِيِّ)) عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ أَلْخُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ النَبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمُ(١)، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَشْرٌ))، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ
عَلَيْهِ(٢)، فَقَالَ: ((عِشْرُونَ))، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: ((ثَلاَثُونَ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
[مي ٢٦٨٢ - ٥١٩٥٥ - ت٢٦٨٩].
٦٨٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُودَ مِنْ رِوَايَةٍ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى
هَذَا : قَالَ : ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ ،
فَقَالَ: «أَرْبَعُونَ ))، وَقَالَ: ((هَكَذَا تَكُونُ اَلْفَضَائِلُ)) [٥١٩٦٥ وانظر الملحق] .
٦٨٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْعَىْ دَوَابَّ أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ:
السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَعَلَيْكَ
السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ الْهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تُسَلِّمُ
عَلَى هَذَا سَلَاَمَاً مَا تُسَلِّمُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ؟! قَالَ: ((وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ
وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرٍ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً؟!)) [سني ٢٣٥ وانظر الملحق].
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ قَالَ الْمُبْتَدِىءُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ) .. حَصَلَ السَّلَامُ ،
وَإِنْ قَالَ : ( السَّلاَمُ عَلَيْكَ )، أَوْ ( سَلَامٌ عَلَيْكَ) .. حَصَلَ أَيْضاً .
وَأَمَّا أَلْجَوَابُ .. فَأَقَلُّهُ: (وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ )، أَوْ (وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ ) ، فَإِنْ
(١) في (أ) و(د): ( إِلى النبي صلى الله عليه وسلم ).
(٢) في (أ) و(د): ( فرد عليه ثم جلس ) .
٤٠٠