النص المفهرس

صفحات 341-360

أَنْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلاَ بَِيْتِكَ ، وَلاَ رَاغِبٍ عَنْكَ وَلاَ عَنْ
بَيْنِكَ ، اللَّهُمَّ ؛ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ
مُنْقَبِي ، وَأَرْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَأَجْمَعْ لِي خَيْرَ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا؛ إِنَّكَ عَلَىُ
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) .
وَيَفْتَتِحُ هَذَا الدُّعَاءَ وَيَخْتِمُهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالصَّلاَةِ عَلَىُ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الدَّعَوَاتِ ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً
حَائِضاً .. أَسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَتَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، ثُمَّ
تَنْصَرِفُ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَا فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَذْكَارِهَا (٢):
أَعْلَمْ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ حَجَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى زِيَارَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وقيل : هو بكسر الميم وفتح النون خفيفة ، حرف جر ؛ أي : وإِلا .. فمِنَ الآن يكون الرضا والعفو
=
عما قد مضى. ((الفتوحات)) (٣٠/٥).
(١) ذكره في ((الأم)) (٥٧٥/٣)، و((السنن الكبرى)) (١٦٤/٥) ونسبه للشافعي، ووقع عندهما:
( فاصحبني بالعافية )، لكن ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى - كما في ((الفتوحات)) (٢٩/٥)
-: أن الطبراني أخرجه في ((الدعاء)) ( ٨٨٣) عن عبد الرزاق بنحوه .
(٢) في هامش (د): ( فائدة مهمة: قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله: روينا في (( صحيح
البخاري)) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (( كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
مبنياً باللَّبن، وسقفه الجريد ، وعُمُدُه خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر رضي الله عنه شيئاً ، وزاد فيه
عمر رضي الله عنه ، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد ، وأعاد
عمده خشباً ، ثم غيره عثمان رضي الله عنه فزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة
والقَصَّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج)). هذا لفظ رواية البخاري [خ ٤٤٦].
وقوله: ((القَصَّة)): هي بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهي الجَصُّ . وعن خارجة بن زيد -
أحد الفقهاء السبعة رضي الله عنهم - قال: (( بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده سبعين ذراعاً
في ستين ذراعاً ، أو يزيد )) . قال أهل السير : جعل عثمان رضي الله عنه طول المسجد مئة وستين
ذراعاً ، وعرضه مئة وخمسين ، وجعل أبوابه ستة كما كانت في زمن عمر رضي الله عنه ، ثم زاد فيه
الوليد بن عبد الملك ، فجعل طوله مئتي ذراع ، وعرضه في مقدمه مئتين ، وفي مؤخره مئة وثمانين ،
ثم زاد فيه المهدي مئة من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث ) . قال النووي رحمه الله في =
٣٤١

وَسَلَّمَ(١) ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ طَرِيقَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنَّ زِيَارَتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ، وَأَرْبَح الْمَسَاعِي، وَأَفْضَلِ الطَّلَبَاتِ، فَإِذَا تَوَجَّهَ لِلزِّيَارَةِ .. أَكْثَرَ
مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسَّلاَمِ فِي طَرِيقِهِ ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى
أَشْجَارِ الْمَدِينَةِ وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا .. زَادَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَىْ أَنْ يَنْفَعَهُ بِزِيَارَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ يُسْعِدَهُ
بِهَا فِي الدَّارَيْنِ، وَلْيَقُلِ : ( اللَّهُمَّ؛ أَفْتَحْ عَلَيَّ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ، وَأَرْزُقْنِي فِي
زِيَارَةٍ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَزَقْتَهُ أَوْلِيَاءَكَ وَأَهْلَ طَاعَتِكَ، وَأَغْفِرْ لِي
وَأَرْحَمْنِي يَا خَيْرَ مَسْؤُولٍ ) .
وَإِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ .. أُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ دُخُولِ بَاقِي أَلْمَسَاجِدِ،
وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ(٢) ، فَإِذَا صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ .. أَتَى الْقَبْرَ اَلْكَرِيمَ(٣)
((المجموع)) (٢٠٥/٨): ( فإِذا عَرفتَ حال المسجد .. فينبغي أن تعتني بالمحافظة على الصلاة فيما
=
كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الحديث الصحيح في فضل الصلاة وتضعيفها إِنما
يتناول ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم ، لكن إِن صلى في جماعة .. فالتقدم إِلى الصف الأول ثم
ما يليه أفضل ، فليُفطن لهذا ، والله أعلم . قال : مما شاع عند العامة في الشام في هذه الأزمان
المتأخرة ما يزعمه بعضهم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من زارني وزار أبي إِبراهيم في
عام واحد .. ضمنت له الجنة)). وهذا باطل ليس هو مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم،
ولا يعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف ، بل وضعه بعض الفجرة ، وزيارة الخليل صلى الله عليه
وسلم فضيلة لا تنكر ، وإِنما المنكر ما رووه واعتقدوه ، ولا تعلق لزيارة الخليل صلى الله عليه وسلم
بالحج ، بل هي قربة مستقلة ، والله أعلم ، ومثل ذلك قول بعضهم : إِذا حج وقدس حجتين فيذهب
فيزور بيت المقدس ، ويرى ذلك من تمام الحج ، وهذا باطل أيضاً ، وزيارة بيت المقدس فضيلة
وسنة لا شك فيها ، لكنها غير متعلقة بالحج ، والله أعلم ) .
(١) أي : يتأكد له ذلك ، وإلا .. فزيارته صلى الله عليه وسلم قربة مستقلة يستوي فيها الحاج وغيره ،
وتأكدها للحاج ؛ لقربه من محل قبره الشريف صلى الله عليه وسلم ، فكان في ترك الزيارة وقد قرب
من المكان نوع من الجفاء. ((الفتوحات)) (٣١/٥).
(٢) انظر ( ص٥٤ ) .
(٣) الذي هو أفضل من جميع الأرض والسماء ، حتى من العرش والكرسي، وما أحسن قول الإمام العارف
محمد البكري رحمه الله تعالى من قصيدة ذكرها السيد السمهودي في ((وفاء الوفا)) ( ص١٤١٩)
والصالحي في ((سبل الهدى والرشاد)) (٤٦٧/٣) [من الرجز]:
=
٣٤٢

فَاسْتَقْبَلَهُ وَأَسْتَدْبَ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ مِنْ جِدَارِ الْقَبْرِ (١) ، وَسَلَّمَ مُقْتَصِداً
لاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ ، فَيَقُولُ: ( السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللهِ
مِنْ خَلْقِهِ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَعَلَى النَّبيِّينَ وَسَائِرِ
الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ الرَّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ ،
فَجَزَاكَ اللهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى رَسُولاً عَنْ أُمَّتِهِ )(٢) .
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْضَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. قَالَ :
( السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ )، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَذَرَ ذِرَاعٍ إِلَى جِهَةِ
يَمِينِهِ ، فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ ذِرَاعاً آخَرَ لِلسَّلاَمِ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَوْقِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
قد حاط ذات المصطفى وحواها
جزم الجميع بأَنَّ خيرَ الأرضِ ما
=
كالنفس حينَ زكتْ زكى مأواها
ونعمْ لقد صدقوا بسَاكِنِها عَّلَتْ
((الفتوحات)) (٣٢/٥)
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٣/٥): (هذا مذهبنا ومذهب الجمهور من
العلماء ، وقال آخرون : استقبال الكعبة أفضل ، ونُقُل عن أبي حنيفة ، لكن نُقُل عنه موافقة
الأول ) .
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٤/٥): ( قال الحافظ: لم أجده مأثوراً بههذا
التمام ، وقد ورد عن ابن عمر بعضه : أنه كان يقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول :
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، كذا في ((إِيضاح
المناسك)) . وأسنده الحافظ من طريقين، وقال في كل منهما : موقوف صحيح ، وعن مالك
رحمه الله يقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وهذا الوارد عن ابن عمر وغيره مال إِليه
الطبري فقال : وإِن قال الزائر ما تقدم من التطويل .. فلا بأس ، إلا أن الاتباع أولى من الابتداع ولو
حَسُن، واستدل بقول الحَليمي: لولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تطروني)) .. لوجدنا
فيما نثني عليه ما تعجز الألسن عن بلوغ أدناه ، للكن اجتناب منهيه خصوصاً بحضرته أولى ، فليعدل
عن التوسع في ذلك إلى الدعاء له والصلاة عليه . وتُعقّب بأن النهي إنما هو عن إطراء مشابه الإطراء
النصارى لعيسى في دعوى الألوهية ونحوها له ، لا مطلق الإطراء ، فالأولى ما ذكره المصنف ونحوه
وإن كان طويلاً، ولكن ما دام القلب حاضراً ، وإلا .. فالإسراع أولى كما لا يخفى ) .
٣٤٣

فَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ
وَلِوَ الِدَيْهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْبَابِهِ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ .
وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِكْثَارِ الدُّعَاءِ، وَيَغْتَنِمَ هَذَا الْمَوْقِفَ الشَّرِيفَ، وَيَحْمَدَ اللّهَ
تَعَالَىْ وَيُسَبِّحَهُ وَيُكَبِّرَهُ وَيُهَلِّلَهُ وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَيُكْثِرَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ .
ثُمَّ يَأْتِي الرَّوْضَةَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ ، فَيُكْثِرُ مِنَ الذُّعَاءِ فِيهَا .
٥٦٤- فَقَدْ رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي
رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)) (خ١١٩٦ - ١٣٩١٢ وانظر الملحق].
وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَالسَّفَرَ .. أُسْتُحِبَّ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ ،
وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ فَيُسَلِّمُ كَمَا سَلَّمَ أَوَّلاً، وَيُعِيدُ الدُّعَاءَ ، وَيُؤَدِّعُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ: ( اللَّهُمَّ؛ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ أَلْعَهْدِ بِحَرَمِ
رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَسِّرْ لِيَ الْعَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَةً بِمَنِّكَ
وَفَضْلِكَ، وَأَرْزُقْنِي الْعَفْوَ وَأَلْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَآلْآخِرَةِ، وَرُدَّنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ إِلَى
سَالِمِينَ غَانِمِينَ آمِنِينَ)(١) .
فَهَذَا آخِرُ مَا وَفَّقَنِي اللهُ بِجَمْعِهِ مِنْ أَذْكَارِ الْحَجِّ ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ
اُلْطُولٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْكِتَابِ .. فَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا نَحْفَظُهُ فِيهِ ، وَاللهَ
اُلْكَرِيمَ نَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فِي دَارِ كَرَامَتِهِ .
وَقَدْ أَوْضَحْتُ فِي كِتَابِ (( أَلْمَنَاسِكِ)) مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَذْكَارِ مِنَ النَِّمَّاتِ
وَأَلْفُرُوعِ وَاُلزِّيَادَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ
وَالْعِصْمَةُ .
(١) في (أ) و(ب): ( آمين)، وفي هامش الأصل: ( وردنا سالمين غانمين إِلى أوطاننا آمنين).
٣٤٤

وَعَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ : ( كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ
أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذَّظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ
تَوَابًا رَّحِيمًا﴾، وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِراً مِنْ ذَنْبِي ، مُسْتَشْفِعاً بِكَ إِلَى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ
يَقُولُ [من البسيط] :
فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ أَلْقَاعُ وَالْأَكَمُ
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ
فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَأَلْكَرَمُ(١)
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ
قَالَ : ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَحَمَلَنْنِي عَيْنَاتِيَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
اُلْنَّوْمِ، فَقَالَ لِي: ((يَا عُتْبِيُّ؛ ◌ِلْحَقِ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ
لَهُ)))(٢).
(١) في هامش الأصل [من البسيط]:
يَا خَيْرَ مَنْ شُقَّ عَنْهُ الْغَيْبُ وَأَنْفَتَحَتْ
إِنَّ الْكَمَالَ لَآيَاتٌ مُفَصَّلَةٌ
فِي الْكَوْنِ عَنْ يَدَي الرَّحْمَنِ صُورَتُهُ
وَأَنْتَ يَا خَيْرَ خُلْقِ اللهِ سَّورَتُهُ
والعتبي : هو محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن
حرب ، يكنى أبا عبد الرحمن ، كان من أفصح الناس ، صاحب أخبار ورواية للآداب .
(٢) في هامش ( ب): ( بلغ أبو العباس - نفعه الله تعالى - سماعاً ومقابلة، ولله الحمد . كتبه ابن
العطار ) .
٣٤٥

١١ - كِتَابُ أَذْكَارِ الْجِهَادِ
أَمَّا أَذْكَارُ سَفَرِهِ وَرُجُوعِهِ .. فَسَيَأْتِي فِي ( كِتَابِ أَذْكَارِ السَّفَرِ) إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى، وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ .. فَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَ أُلَانَ مُخْتَصَراً .
١ - بَابُ أَسْتِحْبَابِ سُؤَالِ الشَّهَادَةِ
٥٦٥ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ :
( أَنَّ رَسُولَ اجٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمَّ حَرَامٍ ، فَنَامَ ، ثُمَّ أَسْتَيْقَظَ وَهُوَ
يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا
عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ ، مُلُوكاً عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ
الْمُلُوكِ))، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) [خ٢٧٨٨-١٩١٢٢].
قُلْتُ: ( ثَبَجُ الْبَحْرِ ): بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَخَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ
أَيْضاً ، ثُمَّ حِيمٌ ؛ أَيْ: ظَهْرُهُ، وَ( أُمُ حَرَامٍ ) بِالرَّاءِ .
٥٦٦ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ
مَاجَهْ)) عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( مَنْ سَأَلَ اللهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ .. فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ))،
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ [دا٢٥٤ - ت١٦٥٤ - س٢٥/٦ -ق٢٧٩٢].
٥٦٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً .. أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ
تُصِبْهُ)) [م١٩٠٨] .
٣٤٦

٥٦٨ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيح مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ ..
بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)) [١٩٠٩٢].
٢ - بَابُ حَثِّ الْإِمَامِ أَمِيرَ الشَّرِيَّةِ عَلَى تَقْوَى اللهِتَعَالَى ،
وَتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ قِتَالِ عَدُوِّهِ وَمُصَالَحَتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ
٥٦٩ - رَوَيْنَا فِي (( صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشِ أَوْ سَرِيَّةٍ .. أَوْصَاهُ فِي
خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: ((آغْزُوا بِأَسْمِ اللهِ
فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ(١)، أَغْزُوا [وَلاَ تَغُلُّوا](٢) ، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ
تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .. فَادْعُهُمْ(٣) إِلَى
ثَلاَثِ خِصَالٍ ... )) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ [٣/١٧٣١٢].
٣ - بَابُ بَيَانِ أَنَّ السُنَّةَ لِلإِمَامِ وَأَمِيرِ السَّرِيَّةِ
إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً : أَنْ يُوَرِّيَ بِغَيْرِهَا
٥٧٠ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ سَفْرَةً .. إِلَّ
وَرَّى بِغَيْرِهَا) [خ ٢٩٤٧ -م٥٤/٢٧٦٩].
(١) هذا العموم شمل جميع أهل الكفر المحاربين وغيرهم ، وقد خُصص من له عهد والرهبان والنسوان
ومن لم يبلغ الحلم ؛ لأنهم لا يكون منهم قتال غالباً ، وإِن كان منهم قتال أو تدبير أو أذىّ .. قتلوا ،
ولأن الذراري والأولاد مال ، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. (( الفتوحات))
(٤٨/٥) .
(٢) الغلول : الأخذ من الغنائم قبل قسمتها .
(٣) في هامش الأصل : ( نسخة : فادعه ).
٣٤٧

٤ - بَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ يُقَاتِلُ أَوْ يَعْمَلُ مَا يُعِينُ عَلَى أَلْقِتَالِ فِي وَجْهِهِ ،
وَذِكْرٍ مَا يُنَشِّطُهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى:
وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
٥٧١ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ؛ فَإِذَا أَلْمُهَاجِرُونَ
وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَأَلْجُوعِ .. قَالَ :
((اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ فَأَغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ))
[خ ٢٨٣٤ - م ١٨٠٥ ] .
٥- بَابُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِتَالِ
وَأَسْتِنْجَازِ اللهِ تَعَالَى مَا وَعَدَ مِنْ نَصْرِ أَلْمُؤْمِنِينَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْاللّهَ كَثِيرًا
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَنَزَعُوْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكُمْ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
مَعَ الصَّبِينَ * وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِثَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَذِهِ أَلآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَجْمَعُ شَيْءٍ جَاءَ فِي أَدَبِ الْقِتَالِ .
٥٧٢ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قُبَتِهِ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَنْشُدُكَ
عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ ، اللَّهُمَّ؛ إِنْ شِئْتَ .. لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ أَلْيَوْم))، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَخَرَجَ
وَهُوَ يَقُولُ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبْرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾،
٣٤٨

وَفِي رِوَايَةٍ : ( كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ )، هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ [خ٢٩١٥].
وَأَمَّا لَغْظُ مُسْلِمٍ : فَقَالَ: ( اسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ
مَذَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ يَقُولُ: ((آللَّهُمَّ؛ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ ؛ آتِ
مَا وَعَدْتَنِي ، آللَّهُمَّ؛ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ اَلْإِسْلاَمِ .. لاَ تُعْبَدْ فِي
الْأَرْضِ))، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَاداً يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ ﴾ [م١٧٦٣].
قُلْتُ : ( يَهْتِفُ ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرٍ ثَالِثِهِ ، وَمَعْنَاهُ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ.
٥٧٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضٍ أَتَامِهِ أَلَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ - أَنْتُظَرَ
حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ؛ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ
الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ .. فَأَصْبِرُوا، وَأَعْلَمُوا: أَنَّ الْجَنَّةَ
تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ قَالَ: ((آللَّهُمَّ؛ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ ،
وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ؛ أَهْزِمْهُمْ، وَأَنْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)) [خ٢٩٦٥ و٢٩٦٦ - م٢٠/١٧٤٢].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((أُللَّهُمَّ؛ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ ؛ أَهْزِمِ الْأَحْزَابَ ،
اللَّهُمَّ؛ أَهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)) [خ ٢٩٣٣-م٢١/١٧٤٢].
٥٧٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : صَبَّحَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ .. قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ(١)، فَلَجَؤُوا إِلَى
اُلْحِصْنِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ(٢)،
إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ .. فَسَاءَ صَبَاحُ اَلْمُنْذَرِينَ)) [خ٢٩٩١- ١٢٠/١٣٦٥٢، ١٢١ في
الجهاد، باب غزوة خيبر] .
(١) سمي خميساً؛ لأنه خمسة أقسام: ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب. ((الفتوحات)) (٥٩/٥).
(٢)
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٦٤/١٢): (قوله: (( الله أكبر ، خربت
خيبر)) فيه استحباب التكبير عند اللقاء، قال القاضي [في ((الإكمال)) ٦/ ١٨٠]: قيل : تفاءل بخرابها
بما رآه في أيديهم من آلات الخراب من الفؤوس والمساحي وغيرها ، وقيل : أخذه من اسمها ،
والأصح : أنه أعلمه الله تعالى بذلك ) .
٣٤٩

٥٧٥ - وَرَوَيْنَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ :
فَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً))(١) .
قُلْتُ : فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ: ((يُلْحِمُ)) بِالْحَاءِ ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْجِيمِ ،
وَكِلَاَهُمَا ظَاهِرٌ .
٥٧٦ - وَرَوَيْنَا فِي (« سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)» وَ« التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا .. قَالَ :
((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ عَصُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ ، وَبِكَ أَصُولُ ، وَبِكَ أُقَاتِلُ)) ، قَالَ
التِّرْ مِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ [٢٦٣٢٥ - ت٣٥٨٤ - سك ٨٥٧٦].
قُلْتُ : مَعْنَى ( عَضُدِي ) : عَوْنِي .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ( مَعنَى ((أَحُولُ)): أَحْتَالُ، قَالَ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ
يَكُونَ مَعْنَاهُ : الْمَنْعُ وَالدَّفْعُ ، مِنْ قَوْلِكَ: حَالَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إِذَا مَنَعَ أَحَدَهُمَا مِنَ
الآخَرِ ، فَمَعْنَاهُ: لاَ أَمْنَعُ وَلاَ أَدْفَعُ إِلاَّ بِكَ)(٢) .
٥٧٧ - وَرَوَيْنَا بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ(( النَّسَائِيِّ)) عَنْ أَبِي
مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَافَ
قَوْماً .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُجُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ))(٣)
[د١٥٣٧ - سك ٨٥٧٧] .
٥٧٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَعْكَرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ عَبْدِي
(١) تقدم برقم ( ١١٣) .
(٢) ((معالم السنن)) ( ٩٦/٣).
تقدم برقم ( ٣٧١) .
(٣)
٣٥٠

كُلَّ عَبْدِي .. أَلَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلاَقٍ قِرْنَهُ)) (١) يَعْنِي: عِنْدَ أَلْقِتَالِ ، قَالَ
التِّرْ مِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِأَلْقَوِيِّ [ت٣٥٨٠ وانظر الملحق] .
قُلْتُ : (زَعْكَرَةُ) بِفَتْحِ الزَّايٍ وَأَلْكَافِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا .
٥٧٩ - وَرَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنِ: ((لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ(٢)؛
فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ مَا تُبْتَلَوْنَ(٣) بِهِ مِنْهُمْ، فَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ .. فَقُولُوا: آللَّهُمَّ ؛ أَنْتَ
رَبِّنَا وَرَبُّهُمْ، وَقُلُوبُنَا وَقُلُوبُهُمْ بِيَدِكَ، وَإِنَّمَا يَغْلِبُهُمْ أَنْتَ)) [سني ٦٦٨ وانظر الملحق].
٥٨٠ - وَرَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ )) عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، فَلَقِيَ اُلْعَدُوَّ ،
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَا مَالِكَ يَوْم الدِّينِ؛ إِيَّاكَ أَعْبُدُ وَإِيَّاكَ أَسْتَعِينُ )) ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ
الرِّجَالَ تُصْرَعُ؛ تَضْرِبُهَا الْمَلاَئِكَةُ مِنْ بَيْنِ أَنْدِيهَا وَمِنْ خَلْفِهَا)(٤) [سني ٣٣٤].
٥٨١ - وَرَوَى أَلْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي ((أَلْأُمّ)) بِسْنَادِ مُرْسَلٍ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ أَلْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ
الصَّلاَةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ))(٥) [أم ٥٩١].
قُلْتُ : وَيُسْتَحَبُّ أَسْتِحْبَاباً مُتَأَكِّداً أَنْ يَقْرَأَ مَا تَسَّرَ لَهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَأَنْ يَقُولَ
دُعَاءَ الْكَرْبِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَأَنَّهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْعَظِيمُ
الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ
الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ اَلْكَرِيمُ)) (٦) [خ ٦٣٤٧ -م٢٧٣٠].
(١) أي : كُفأه .
في (أ): (لا تتمنوا)، وهو موافق لمطبوع ((ابن السني)).
(٢)
(٣)
في ( هـ) ( تَبْتَلُونَ ) .
تقدم برقم ( ٣٧٣)، وانظر الملحق رقم ( ٣٧٣).
(٤)
(٥)
تقدم برقم (١١٨) وانظر الملحق رقم (١١٨).
تقدم برقم ( ٣٥٧) .
(٦)
٣٥١

وَيَقُولُ مَا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ فِي الْحَدِيثِ آلْآَخَرِ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ الْحَلِيمُ اَلْكَرِيمُ ،
سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، عَزَّ
جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ )) (١) [سني ٣٤٥].
وَيَقُولُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الآخَرٍ: ((حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ))(٢) [×٣٦٢٧].
وَيَقُولُ : (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ، لاَ قُوَّةَ إِلاَّ
بِاللهِ ، أَعْتَصَمْنَا بِاللهِ ، أَسْتَعَنَّا بِاللهِ ، تَوَكَّلْنَا عَلَى اللهِ ) .
وَيَقُولُ : ( حَصَّنْتُنَا كُلَّنَا أَجْمَعِينَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لاَ يَمُوتُ أَبَداً ، وَدَفَعْتُ
عَنَّا السُّوءَ بِلاَ حَوْلَ وَلاَ فُؤَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)(٣).
وَيَقُولُ : ( يَا قَدِيمَ اَلْإِحْسَانِ، يَا مَنْ إِحْسَانُهُ فَوْقَ كُلِّ إِحْسَانٍ، يَا مَالِكَ الدُّنْيَا
وَأَلْآخِرَةِ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا أَلْجَلَاَلِ وَأَلْإِكْرَامِ، يَا مَنْ لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلاَ
يَتَعَاظَمُهُ؛ أَنْصُرْنَا عَلَىْ أَعْدَائِنَا هَؤُلاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَظْهِرْنَا عَلَيْهِمْ فِي عَافِيَةٍ وَسَلَاَمَةٍ
عَامَّةٍ عَاجِلاً ) .
فَكُلُّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ جَاءَ فِيهَا حَثُّ أَكِيدٌ ، وَهِيَ مُجَرَّبَةٌ .
٦ - بَابُ النَّهْىِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ الْقِتَالِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ
٥٨٢ - رَوَيْنَا فِي « سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادِ التَّابِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ - وَهُوَ
بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ أَلْبَاءِ - قَالَ: ( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ) [٢٦٥٦٥].
تقدم برقم ( ٣٧٢ ) .
(١)
(٢)
تقدم برقم ( ٣٧٧).
قوله : ( حصنتنا ) بضم التاء ، من حصنت ، ولم يتحد الفاعل والمفعول ؛ إِذ الفاعل هو المتكلم ،
(٣)
والمفعول هو وغيره ، فلا يقال : هذا مخالف لما استقر : أن من خواص أفعال القلوب جوازَ اتحاد
فاعلها ومفعولها ، نحو: رأيتني. و(كلَّنا) بالنصب تأكيد ضمير المفعول. ((الفتوحات)) (٦٥/٥).
٣٥٢

٧ - بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ فِي حَالِ الْقِتَالِ : ( أَنَا فُلاَنٌ ) ؛ لِإِرْعَابِ عَدُوِّهِ
٥٨٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَى: ((الْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)): أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ :
(( أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِّبْ))(١)
[خ ٤ ٢٨٦ - م ١٧٧٦ ] .
٥٨٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّ عَلِيّاً رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا لَمَّا بَارَزَ مَرْحَباً الْخَيْبَرِيَّ .. قَالَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ [من الرجز]:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمْي حَيْدَرَهْ
(٢)
[م١٨٠٧ وانظر الملحق] .
٥٨٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ سَلَمَةَ أَيْضاً: أَنَّهُ قَالَ فِي حَالِ قِتَالِهِ أَلَّذِينَ
أَغَارُوا عَلَى اللَّفَاحِ :
وَأَلْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضّعُ
أَنَا أَبْنُ الْأَكْوَع
[خ ٣٠٤١ - م ١٨٠٦ ] .
٨- بَابُ أَسْتِحْبَابِ الرَّجَزِ حَالَ الْمُبَارَزَةِ
فِيهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَاذَا .
(١) الرجز أحد بحور الشعر على الصحيح، وقال بعضهم: ليس بشعر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تكلم
به ، وقوله هنا هو من مجزوء الرجز! وأجيب بأن شرط كونه شعراً القصد ، وهو منتفٍ فيما جاء من
كلامه صلى الله عليه وسلم موزوناً كما هنا. ((الفتوحات)) ( ٧١/٥).
(٢) حيدرة : اسم للأسد ، وسمي به لغلظه ، والحادر الغليظ القوي ، وكان علي رضي الله عنه سمي في
ابتداء ولادته حيدرة ، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله ، فذكّره علي بذلك ؛ ليخيفه
ويضعف نفسه . قالوا : وكانت أم علي سمته أول ولادته باسم جده لأمه أسد بن هشام بن عبد مناف ،
وكان أبو طالب غائباً، فلما قدم .. سماه علياً. ((الفتوحات)) (٧٠/٥).
(٣) أي: يوم هلاك اللئام، وهم الرضع ، من قولهم : لئيم راضع ؛ أي : رضع اللؤم في بطن أمه .
((الفتوحات)) ( ٧٠/٥).
٣٥٣

٥٨٦ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ )) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَكِنَّ، رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ ، لَقَدْ
رَأَيْتُهُ وَهُوَ عَلَىْ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا ، وَالنَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِّبْ))(١)
[خ ٢٨٦٤ - م١٧٧٦ /٧٨] .
وَفِي رِوَايَةٍ: ( فَنَزَلَ وَدَعَا وَأَسْتَنْصَرَ ) [م٧٩/١٧٧٦].
٥٨٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ الْبَرَاءِ أَيْضاً قَالَ: رَأَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَنَا اُلتُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، وَقَدْ وَارَى اُلتُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ ، وَهُوَ
يَقُولُ :
((اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا))
إِنَّ الْأَلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
[خ ٢٨٣٧، ٤١٠٦ - م١٨٠٣].
٥٨٨- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَعَلَ
(١) تقدم برقم (٥٨٣)، وقال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١١٧/١٢): (هذا
الجواب الذي أجاب به البراء رضي الله تعالى عنه من بديع الأدب ؛ لأن تقدير الكلام : فررتم كلُّكم ،
فيقضي أن النبي صلى الله عليه وسلم وافقهم في ذلك ، فقال البراء : لا والله ؛ ما فرَّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولكنَّ جماعةً من الصحابة جرى لهم كذا وكذا ) . وأما قوله صلى الله عليه
وسلم: (( أنا ابن عبد المطلب)) : فلأن انتسابه لجده أشهر من أبيه ؛ لأن أباه مات شاباً فرباه جده
وكان سيد قريش ، لا للمفاخرة والمباهاة ، كيف وقد نهى أن يفتخر الناس بآبائهم ؟! ولا للعصبية ،
كيف وقد ذمها في غير موضع؟ !. ((الفتوحات)) ( ٧٣/٥).
٣٥٤

أَلْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ، وَيَنْقُلُونَ الثُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ - أَيْ :
ظُهُورِهِمْ - وَيَقُولُونَ [من الرجز]:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْإِسْلاَمِ.
وَفِي رِوَايَةٍ :
عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُهُمْ :
((اللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الْآخِرَةِ فَبَارِكْ فِي الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ))
[خ ٢٨٣٤، ٢٨٣٥] .
٩ - بَابُ أَسْتِحْبَابِ إِظْهَارِ الصَّبْرِ وَأَلْقُوَّةِ لِمَنْ جُرِحَ، وَأَسْتِبْشَارِهِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ
الْجُرْحِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَإِظْهَارِهِ السُّرُورَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ
لاَّ ضَيْرَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ، بَلْ هَذَا مَطْلُوبُنَا، وَهُوَ نِهَايَةُ أَمَلِنَا وَغَايَةُ سُؤْلِنَا
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ *﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
اَلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ
وَأَتَّقَوْ أَبْرٌ عَظِيمُ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ
وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .
٥٨٩ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -
فِي حَدِيثِ الْقُرَّاءِ أَهْلِ بِثْرِ مَعُونَةَ الَّذِينَ غَدَرَتِ الْكُفَّارُ بِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ -: أَنَّ رَجُلاً مِنَ
الْكُفَّارِ طَعَنَ خَالَ أَنَسٍ - وَهُوَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ - فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ : ( اللهُ أَكْبَرُ ،
٣٥٥

فُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) [خ٢٨٠١- م٦٧٧ / ١٤٧ في الإِمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد]. وَسَقَطَ فِي
رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ: ((اللهُ أَكْبَرُ)).
قُلْتُ : ( حَرَامٌ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ .
١٠ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ وَغَلَبُوا عَدُوَّهُمْ
يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالإِعْتِرَافِ بِأَنَّ
ذَلِكَ مِنْ فَضْلِهِ لاَ بِحَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا، وَأَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلْيَحْذَرُوا مِنَ
اُلْإِعْجَابِ بِأَلْكَثْرَةِ؛ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهَا التَّعْجِيزُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا
رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِينَ﴾ .
١١ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى هَزِيمَةً فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْعِبَاذُ بِاللهِ الْكَرِيمِ
يُسْتَحَبُّ إِذَا رَأَى ذَلِكَ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَىْ وَأَسْتِغْفَارِهِ وَدُعَائِهِ، وَأَسْتِنْجَازِ
مَا وَعَدَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصْرِهِمْ وَإِظْهَارِ دِينِهِ ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءِ الْكَرْبِ الْمُتَقَدِّم: ( لاَ
إِلَهَ إِلَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ)(١) [خ٦٣٤٧ -م٢٧٣٠].
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِغَيْرِهِ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالَّتِي سَتَأْتِي فِي
مَوَاطِنِ الْخَوْفِ وَاَلْهَلَكَةِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي ( بَابِ الرَّجَزِ ) أَلَّذِي قَبْلَ هَذَا: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ .. نَزَلَ وَأَسْتَنْصَرَ وَدَعَا)(٢) [م٧٩/١٧٧٦] ، وَكَانَ
عَاقِبَةَ ذَلِكَ النَّصْرُ ، وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
(١) تقدم برقم (٣٥٧) .
(٢) تقدم برقم ( ٥٨٦) .
٣٥٦

٥٩٠- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ أَلْبُخَارِيِّ)) (١) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (لَمَّا
كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَأَنْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ .. قَالَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي
أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي: أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّ صَنَعَ هَؤُلاءِ -
يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى أَسْتُشْهِدَ، فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً
بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ) [خ ٢٨٠٥] .
١٢ - بَابُ ثَنَاءِ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ بَرَاعَةٌ فِي الْقِتَالِ
٥٩١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ -
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ إِغَارَةِ الْكُفَّارِ عَلَىْ سَرْحِ الْمَدِينَةِ ،
وَأَخْذِهِمُ اللَّقَاحَ ، وَذَهَابِ سَلَمَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ فِي أَثَرِهِمْ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا أَلْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ،
وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ)) [م١٨٠٧ وانظر الملحق].
١٣ - بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ
فِيهِ أَحَادِيثُ سَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَىْ فِي : ( كِتَابِ أَذْكَارِ الْمُسَافِرِ ) ، وَبِاللهِ
التَّوْفِيقُ .
(١) في هامش الأصل و(ج): ( نسخة: و((مسلم)) [١٩٠٣]).
٣٥٧

١٢ - كِتَابُ أَذْكَارِ الْمُسَافِرِ
أَعْلَمْ: أَنَّ الْأَذْكَارَ الَّتِي تُسْتَحَبُ لِلْحَاضِرِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاخْتِلاَفِ الْأَحْوَالِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ .. تُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَيْضاً، وَيَزِيدُ الْمُسَافِرُ بِأَذْكَارٍ ، فَهِيَ
اُلْمَقْصُودَةُ بِهَذَا الْبَابِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ جِدّاً، وَأَنَا أَخْتَصِرُ مَقَاصِدَهَا إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَأَبَوِّبُ لَهَا أَبْوَاباً تُنَاسِبُهَا، مُسْتَعِيناً بِاللهِ تَعَالَىُ، مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ .
١ - بَابُ الاسْتِخَارَةِ وَالإِسْتِشَارَةِ
أَعْلَمْ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ السَّفَرُ : أَنْ يُشَاوِرَ فِيهِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ
النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِيرَةَ(١)، وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى :
﴿وَشَاوِرُهُمْ فِ آلْأَمْرِ﴾، وَدَلَائِلُهُ كَثِيرَةٌ .
وَإِذَا شَاوَرَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ .. أُسْتَخَارَ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ ؛ فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ، وَدَعَا بِدُعَاءِ الإِسْتِخَارَةِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ .
وَدَلِيلُ الإِسْتِخَارَةِ: الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) (٢) [١١٦٢]،
وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ آدَابَ هَذَا الدُّعَاءِ ، وَصِفَةَ هَذِهِ الصَّلاَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٢- بَابُ أَذْكَارِهِ بَعْدَ أَسْتِقْرَارِ عَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ
فَإِذَا اُسْتَقَرَّ عَزْمُهُ عَلَى السَّفَرِ .. فَلْيَجْتَهِدْ فِي تَحْصِيلِ أُمُورٍ ، مِنْهَا :
أَنْ يُوصِيَ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ ، وَلْيُشْهِدْ عَلَى وَصِيَّتِهِ ، وَيَسْتَحِلَّ كُلَّ مَنْ
(١) في (ب): ( والخبرة ).
(٢) تقدم برقم (٣٥٤) .
٣٥٨

بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ فِي شَيْءٍ أَوْ مُصَاحَبَةٌ، وَيَسْتَرْضِيَ وَالِدَيْهِ وَشُيُوخَهُ وَمَنْ يُنْدَبُ إِلَى
بِرِّهِ وَأَسْتِعْطَافِهِ، وَيَتُوبَ إِلَى اللهِ تَعَالَىْ وَيَسْتَغْفِرَهُ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ
وَأَلْمُخَالَفَاتِ ، وَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ تَعَالَى الْمَعُونَةَ عَلَى سَفَرِهِ .
وَلْيَعْتَهِدْ عَلَى تَعَلُّمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ :
فَإِنْ كَانَ غَازِياً .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْغَازِي مِنْ أُمُورِ الْقِتَالِ وَالدَّعَوَاتِ (١)،
وَأُمُورِ الْغَنَائِمِ ، وَتَعْظِيمِ تَخْرِيمِ الْهَزِيمَةِ فِي الْقِتَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ حَاجّاً أَوْ مُعْتَمِراً .. تَعَلَّمَ مَنَسِكَ الْحَجِّ، أَوِ أَسْتَصْحَبَ مَعَهُ كِتَاباً
بِذَلِكَ، وَلَوْ تَعَلَّمَهَا وَأَسْتَصْحَبَ كِتَاباً .. كَانَ أَفْضَلَ، وَكَذَلِكَ الْغَازِي وَغَيْرُهُ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ كِتَاباً فِيهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَ تَاجِراً .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْبُيُوعِ، وَمَا يَصِحُ مِنْهَا وَمَا
يَبْطُلُ، وَمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ، ويُسْتَحَبُّ ويُكْرَهُ وَيُبَاحُ ، وَمَا يُرَجَّحُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّداً سَائِحً(٢) مُعْتَزِلَاً لِلنَّاسِ .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أُمُورِ دِينِهِ ،
فَهَذَا أَهَمُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَهُ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِيدُ .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الصَّيْدِ، وَمَا يَحِلُّ مِنَ الْحَيَوَانِ
وَمَا يَحْرُمُ، وَمَا يَحِلُّ بِهِ الصَّيْدُ وَمَا يَحْرُمُ ، وَمَا يُشْتَرَطُ ذَكَاتُهُ، وَمَا يَكْفِي فِيهِ قَتْلُ
اَلْكَلْبِ أَوِ السَّهْمِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ رَاعِياً .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْتَزِلُ
النَّاسَ، وَتَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّفْقِ بِالذَّوَابِ، وَطَلَبِ النَّصِيحَةِ لَهَا وَلِأَهْلِهَا ،
(١) أي: إِلى الإِسلام قبل القتال. ((الفتوحات)) (١٠٠/٥).
(٢) السياحة : السير في البلدان للاعتبار بالمصنوعات كما هو شأن كثير من المتعبدين المعتبرين بالآلاء ،
المتفكرين في الملكوت الأعلى. ((الفتوحات)) ( ١٠١/٥).
٣٥٩

وَأَلِعْتِنَاءِ بِحِفْظِهَا وَالتَّقُظِ لِذَلِكَ، وَأَسْتَأْذَنَ أَهْلَهَا فِي ذَبْحِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَبْحِهِ فِي
بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِعَارِضٍ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ رَسُولاً مِنْ سُلْطَانٍ إِلَى سُلْطَانٍ أَوْ نَحْوِهِ .. أَهْتَمَّ بِتَعَلُّمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ
مِنْ آدَابِ مُخَاطَبَاتِ الْكِبَارِ، وَجَوَابَاتِ مَا يَعْرِضُ فِي الْمُحَاوَرَاتِ، وَمَا يَحِلُّ لَهُ
مِنَ الصِّيَافَاتِ والْهَدَايَا وَمَا لاَ يَحِلُّ ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاةِ النَّصِيحَةِ وَإِظْهَارِ
مَا يُبْطِئُهُ، وَعَدَمِ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالنَّفَاقِ، وَأَلْحَذَرِ مِنَ التَّسَبُّبِ إِلَى مُقَدِّمَاتِ
اُلْغَدْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَحْرُمُ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ .
وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً أَوْ عَامِلاً فِي قِرَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ .. تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِمَّا يَجُوزُ
أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ ، وَمَا يَجُوزُ اُلتَّصَرُّفُ
فِيهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، وَمَا يُشْتَرَطُ اَلْإِشْهَادُ فِيهِ وَمَا يَجِبُ ، وَمَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ وَلاَ
يَجِبُ ، وَمَا يَجُوزُ لَهُ مِنَ الْأَسْفَارِ وَمَا لاَ يَجُوزُ .
وَعَلَى جَمِيعِ اٌلْمَذْكُورِينَ أنْ يَتَعَلَّمَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ رُكُوبَ الْبَحْرِ الْحَالَ الَّتِي يَجُوزُ
فِيهَا رُكُوبُ الْبَحْرِ ، وَالْحَالَ الَّتِي لاَ يَجُوزُ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، لاَ يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَسْتِقْصَاؤُهُ، وَإِنَّمَا
غَرَضِي هُنَا : بَانُ الْأَذْكَارِ خَاصَّةً، وَهَذَا التَّعَلُمُ الْمَذْكُورُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَذْكَارِ كَمَا
قَدَّمْتُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ، وَأَسْأَلُ اللهَ التَّوْفِيقَ وَخَاتِمَةَ الْخَيْرِ لِي وَلِأَحْبَابِي
وَأَلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ .
٣- بَابُ أَذْكَارِهِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ أَلْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ
يُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدَ إِرَادَتِهِ الْخُرُوجَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ؛
٥٩٢ - لِحَدِيثِ الْمُقَطَّمِ بْنِ الْمِقْدَامِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَمُهُمَا
عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَراً ) رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ [وانظر الملحق].
٣٦٠