النص المفهرس

صفحات 201-220

فَضَّ [في بيان كراهية وجواز ما يقوله الرجل إذا نسي شيئاً من القرآن] :
يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: ( نَسِيتُ آيَةَ كَذَا ) أَوْ ( سُورَةَ كَذَا) ، بَلْ يَقُولُ : ( أُنْسِيتُهَا )
أَوْ ( أَسْقَطْتُهَا ) .
٣٢٨_ رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقُولُ أَحَدُكُمْ : نَسِيتُ آيَةً
كَذَا وَكَذَا، بَلْ هُوَ نُسِّيَ)) (١) [م٢٢٩/٧٩٠ وانظر الملحق] .
وَفِي رِوَايَةِ (( الصَّحِيحَيْنِ)) أَيْضاً: ((بِثْسَمَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ
وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ)) [خ ٥٠٣٢ -م٧٩٠ /٢٢٨].
٣٢٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ فَقَالَ: ((رَحِمَهُ اللهُ؛ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ
أَسْقَطْتُهَا)) [خ ٥٠٤٢- م٢٢٤/٧٨٨] .
وَفِي رِوَايَةٍ فِي (( الصَّحِيحِ)): ((كُنْتُ أُنْسِيتُهَا)) [خ ٥٠٣٨- م٨
فَضَ﴾ [في بيان أن آداب القراءة كثيرة فمن أراد المزيد فعليه بمراجعها] :
أَعْلَمْ: أَنَّ آدَابَ الْقَارِىءِ وَالْقِرَاءَةِ لاَ يُمْكِنُ أَسْتِقْصَاؤُهَا فِي أَفَلَّ مِنْ
مُجَلَّدَاتٍ ، وَلَكِنَّا أَرَدْنَا الْإِشَارَةَ إِلَى بَعْضٍ مَقَاصِدِهَا الْمُهِمَّاتِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ
اُلْفُصُولِ الْمُخْتَصَرَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ شَيْءٌ مِنْ
آدَابِ الذَّاكِرِ وَالْقَارِىءِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضاً فِي أَذْكَارِ الصَّلاَةِ جُمَلٌ مِنَ اْلآدَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ
بِأَلْقِرَاءَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَوَالَةَ عَلَىْ كِتَابِ ((التِّبْيَانِ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ )) لِمَنْ أَرَادَ
مَزِيداً ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
(١) كذا في النسخ: ( لا يقول)، وفي هامش الأصل ( نسخة: لا يقل )، وهي موافقة لرواية مسلم،
ووقع عنده بدل قوله : ( آية كذا وكذا ) قوله : ( آية كيت وكيت ) .
٢٠١

[في الحث على مداومة قراءة القرآن] :
فِظ
يُخْلِي عَنْهَا يَوْماً وَلَيْلَةً، وَيَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ الْقِرَاءَةِ بِقِرَاءَةِ آلْآيَاتِ الْقَلِيلَةِ .
إِعْلَمْ : أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ آكَدُ الْأَذْكَارِ كَمَا قَدَّمْنَا؛ فَيَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا، فَلاَ
٣٣٠- وَقَدْ رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَرَأَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ آيَةً .. لَمْ يُكْتَبْ
مِنَ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ قَرَأَ مِئَةَ آيَةٍ .. كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِثْتَيْ آيَةٍ .. لَمْ يُحَاجُهُ
الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَرَأَ خَمْسَ مِئَةٍ .. كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْأَجْرِ )) [سني ٦٧١].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ قَرَأَ أَرْبَعِينَ آيَةً)) بَدَلَ: ((خَمْسِينَ)) [سني ٦٧٢].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((عِشْرِينَ آيَةً)) [سني ٦٩٨].
٣٣١ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ .. لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ)) [سني٧٠٢].
وَجَاءَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِنَحْوِ هَاذَا .
وَرَوَيْنَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي قِرَاءَةِ سُوَرٍ فِي أَلْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مِنْهَا: ( يَسَ ) ،
وَ( تَبَارَكَ الْمُلْكُ)، وَ( ألْوَاقِعَةُ) وَ(الدُّخَانُ ).
٣٣٢- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((مَنْ قَرَأَ ( يَسّ) فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ .. غُفِرَ لَهُ))(١) .
٣٣٣- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((مَنْ قَرَأَ ( سُورَةَ الدُّخَانِ ) فِي لَيْلَةِ [جُمُعَةٍ] . . أَصْبَحَ
مَغْفُوراً لَهُ))(٢) .
(١) أخرجه الطيالسي في ((مسنده)) (٢٤٦٧)، والدارمي (٣٤٦٠)، والطبراني في ((المعجم الصغير))
(٤١٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٤٦٣)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٧٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٨٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٤٧٧)، وابن الضُّرَيْس في ((فضائل القرآن))
(٢٢٢)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٧٩)، وانظر الملحق.
٢٠٢

٣٣٤ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ قَرَّأَ ( سُورَةَ الْوَاقِعَةِ) فِي كُلِّ لَيْلَةٍ .. لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ))(١) .
٣٣٥- وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لاَ يَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى يَقْرَأَ: ((أَلَمّ تَنْزِيلُ اَلْكِتَابِ)) وَ((تَبَارَكَ الْمُلْكُ)) (٢).
٣٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ: ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ) .. كَانَتْ لَهُ كَعَدْلِ نِصْفِ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ
قَرَّأَ: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) .. كَانَتْ لَهُ كَعَدْلِ رُبْع الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ: (قُلْ
هُوَ اللهُ أَحَدٌ) .. كَانَتْ لَهُ كَعَدْلٍ ثُلُثِ الْقُرْآنِ))(٣) [سني ٦٨٦].
٣٣٧ - وَفِي رِوَايَةٍ: (( مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ (حَمّ) .. عُصِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ
مِنْ كُلِّ سُوءٍ))(٤) [سني٦٨٧].
وَاَلْأَحَادِيثُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَاَلْعِصْمَةُ.
(١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٢٤٩٨)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٨٠)، وانظر
الملحق . قال في ((فتح الإِلله)): ( كأن المراد: أن قارئها بسبب قراءتها وتأمل ما فيها من أن مسبب
الأسباب وموجد المسببات هو الله تعالى وحده لا شريك له بشهادة: ﴿أَمَّ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ
اُلَّرِعُونَ﴾، ﴿أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ .. يحصل له غنى النفس المسبب عن التوكل
المفاد من تلك الآيات ؛ إِذ هو مباشرة الأسباب مع شهود المسبب ، ومن حصل له غنى النفس ..
حصل له الغنى المطلق عن الناس ، والافتقار الحقيقي إِلى الله تعالى ، فلا تصيبه فاقة إِليهم أبداً ) .
((الفتوحات)) (٢٨٠/٣) .
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٩٢)، والدارمي (٣٤٥٤)، وأحمد (٣٤٠/٣)، والطبراني في (( الأوسط))
(١٥٠٦)، و((الصغير)) (٩٥٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧١١)، وابن السني في
(( عمل اليوم والليلة)) ( ٦٧٥) ، وانظر الملحق .
وأخرجه عن أنس الترمذي (٢٨٩٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٥١٦)، وأخرجه عن ابن عباس
(٣)
البيهقي في ((الشعب)) (٢٥١٤).
(٤) وأخرجه بنحوه الترمذي (٢٨٧٩)، والدارمي (٣٤٢٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٤٧٤)،
وابن السني ( ٧٦).
٢٠٣

٣- كِتَابُ حَمْدِ الهِ تَعَالَى
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى﴾، وَقَالَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَلِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَدَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُونيّ
أَذْكُرَّكُمْ وَاشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ .
وَأْلآيَاتُ الْمُصَرِّحَةُ بِالْأَمْرِ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَبِفَضْلِهِمَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
٣٣٨- وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ(( مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ
الْإِسْفَرَابِيِّ)»(١) الْمُخَرَّجِ عَلَى ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) رَحِمَهُمُ اللهُ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ
لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِـ(أَلْحَمْدُ للهِ) .. أَقْطَعُ))(٢) [ر٤٨٤٠ - ق١٨٩٤].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِـ ( حَمْدِ اللهِ ))) [حب ٢ - سي٤٩٨ - قط ٢٢٩/١].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِـ (الْحَمْدِ) .. فَهُوَ أَقْطَعُ)) [حب ١].
وَفِي رِوَايَةٍ: «كُلُّ كَلاَمٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِـ ( الْحَمْدُ للهِ) .. فَهُوَ أَجْذَمُ )) [٤٨٤٠٥].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِـ( بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) ..
أَقْطَعُ ))(٣) .
(١) لم نجده في ((مسند أبي عوانة)) المطبوع؛ ذلك أنه بدأ الكتاب مباشرة بـ ( كتاب الإِيمان )، دون خطبة
الحافظ أبي عوانة، وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (٢٧٩/٣):
( أخرجه أبو عوانة في أول (( صحيحه )) في خطبته ) فليتنبه .
(٢)
في (أ) و(ج) و( د): ( فهو أقطع ).
(٣) أخرجه بلفظ (البسملة) الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١٢٣٢)،
والسبكي في ((طبقات الشافعية)) (١٢/١)، وأخرجه بلفظ (الذكر) أحمد في ((المسند)) "
٢٠٤

رَوَيْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا فِي (( كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ)) لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرُّهَاوِيِّ ،
وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْصُولاً كَمَا ذَكَرْنَا ، وَرُوِيَ مُرْسَلاً، وَرِوَايَةُ
الْمَوْصُولِ جَيِّدَةُ الْإِسْنَادِ، وَإِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً .. فَالْحُكْمُ
لِلإِتِّصَالِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ.
وَمَعْنَى ( ذِي بَالٍ ) أَيْ : لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ ، وَمَعْنَى ( أَقْطَعُ ) أَيْ : نَاقِصٌ قَلِيلُ
الْبَرَكَةِ ، وَ(أَجْذَمُ ) بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِـ (الْحَمْدُ للهِ) لِكُلِّ مُصَنِّفٍ ، وَدَارِسٍ ،
وَمُدَرِّسٍ، وَخَطِيبٍ ، وَخَاطِبٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ : ( أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ وَكُلِّ أَمْرٍ
طَلَبَهُ: حَمْدَ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِ الهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) [أم١٠٦/٦].
فَضَاق [في بيان الأمكنة التي يستحب فيها حمد الله تعالى] :
إِعْلَمْ: أَنَّ الْحَمْدَ مُسْتَحَبٌّ فِي أَبِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ كَمَا سَبَقَ ، وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَ
اَلْفَرَاغِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَالْعُطَاسِ، وَعِنْدَ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ - وَهُوَ طَلَبُ زَوَاجِهَا
- وَكَذَا عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ
فِي أَبْوَابِهَا بِدَلاَئِلِهَا وَتَفْرِيعِ مَسَائِلِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَا يُقَالُ بَعْدَ
اُلْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ فِي بَابِهِ .
وَيُسْتَحَبُّ فِي أَبْتِدَاءِ أُلْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ كَمَا سَبَقَ، وَكَذَا فِي أَبْتِدَاءِ دُرُوسٍ
الْمُدَرِّسِينَ، وَقِرَاءَةِ الطَّالِبِينَ، سَوَاءٌ قَرَّأَ حَدِيثاً أَوْ فِقْهاً أَوْ غَيْرَهُمَا، وَأَحْسَنُ
اُلْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ: ( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
(٣٥٩/٢)، وأخرجه بلفظ (الحمد) أيضاً الخليلي في ((الإِرشاد)) (١١٨)، والخطيب في
=
((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١٢٣٣)، وانظر الملحق رقم (٣٣٨).
٢٠٥

فَضَك [في بيان ما هو ركن وشرط في خطبة الجمعة وغيرها] :
حَمْدُ اللهِ تَعَالَىْ رُكْنٌ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، لَا يَصِحُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلاَّ بِهِ،
وَأَقَلُّ أَلْوَاجِبِ : (الْحَمْدُ للهِ)، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الثََّاءِ ، وَتَفْصِيلُهُ مَعْرُوفٌ
فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا بِالْعَرَبِيّةِ .
فض(في استحباب بدء الدعاء وختمه بالحمد لله] :
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ دُعَاءَهُ بِـ(الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَكَذَلِكَ يَبْتَدِثُهُ
بِـ (الْحَمْدُ للهِ)، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
وَأَمَّا أَبْتِدَاءُ الدُّعَاءِ بِحَمْدِ اللهِ وَتَمْجِيدِهِ .. فَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
قَرِيباً فِي (كِتَابِ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى(١).
فَضَ[في استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه] :
يُسْتَحَبُّ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ حُصُولِ نِعْمَةٍ أَوِ أَنْدِفَاعِ مَكْرُوهٍ(٢)، سَوَاءٌ حَصَلَ
ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِصَاحِبِهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ .
٣٣٩ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَخَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ،
فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ
لِلْفِطْرَةِ ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ .. غَوَتْ أُمَّتُكَ) [م١٦٨].
فضلافي بیان ما يقوله العبد إذا قبض له ولد] :
٣٤٠ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ
سیأتي برقم (٣٥٢) .
(١)
(٢) لأن ذلك من شكر النعمة ، وشكر النعم سبب لزيادتها ودوامها ، ولذا استحب سجود الشكر عند
حدوثها بشرطه. ((الفتوحات)) ( ٢٩٥/٣).
٢٠٦

عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ وَلَدُ اَلْعَبْدِ .. قَالَ اللهُ
تَعَالَى لِمَلاَئِكَتِهِ(١) : قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ
فُؤَادِهِ(٢) ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ
وَأَسْتَرْجَعَ ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَبْنُوا لِعَبْدِي بَيْئاً فِي الْجَنَّةِ، وَسَقُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ))
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ١٠٢١].
وَاَلْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْحَمْدِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ جُمْلَةٌ
مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي فَضْلِ ( سُبْحَانَ اللهِ) وَ( الْحَمْدُ للهِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَضَ [في بيان طريقة بر يمين من حلف ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد ونحوه] :
قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِينَ: لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ: لَيَحْمَدَنَّ اللهَ
تَعَالَى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَجَلِّ الثَّحَامِيدِ - فَطَرِيقُهُ فِي بِّ يَمِينِهِ أَنْ
يَقُولَ : ( الْحَمْدُ للهِ حَمْداً يُوافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِىءُ مَزِيدَهُ ) .
وَمَعْنَى ( يُوَافِي نِعَمَهُ) أَيْ : يُلاَقِيهَا فَتَحْصُلُ مَعَهُ ، وَ( يُكَافِىءُ ) بِهَمْزَةٍ فِي
آخِرِهِ؛ أَيْ: يُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ، وَمَعْنَاهُ: يَقُومُ بِشُكْرِ مَا زَادَهُ مِنَ النِّعَمِ
وَاُلْإِحْسَانِ .
قَالُوا: وَلَوْ حَلَفَ: لَيْنِيَنَّ عَلَى اللهِ تَعَالَىْ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ .. فَطَرِيقُ أَلْبِرِّ أَنْ
يَقُولَ : ( لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي آخِرِهِ : ( فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَىْ ).
تنبيهاً لهم على عظيم فضل ثواب الصابرين .
(١)
(٢) كنى بثمرة الفؤاد عن الولد؛ لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة ؛ إِذ القلب خلاصة البدن ، وخلاصته
اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها ، فلشدة شغف هذه
اللطيفة بالولد .. صار كأنه ثمرتها. ((الفتوحات)) (٢٩٦/٣).
٢٠٧

وَصَوَّرَ أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّيِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ حَلَفَ: لَيْنِيَنَّ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِأَجَلِّ
الثَّنَاءِ وَأَعْظَمِهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِ الذِّكْرِ : ( سُبْحَانَكَ ).
وَعَنْ أَبِي نَصْرِ الثَّمَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ : ( قَالَ آدَمُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَبِّ؛ شَغَلْتَنِي بِكَسْبٍ يَدِي ، فَعَلِّمْنِي شَيْئاً فِيهِ مَجَامِعُ
الْحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ، فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ: يَا آدَمُ؛ إِذَا أَصْبَحْتَ .. فَقُلْ
ثَلَاثاً: وَإِذَا أَمْسَيْتَ .. فَقُلْ ثَلاَثاً: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْداً يُوَافِي نِعَمَهُ
وَيُكَافِىءُ مَزِيدَهُ؛ فَذَلِكَ مَجَامِعُ الْحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ)(١) ، وَاللهُ أَعْلَمُ(٢).
(١) انظر الملحق رقم (١/٣٤٠).
(٢) في هامش (ب): ( بلغ شهاب الدين - وفقه الله تعالى - قراءة ومقابلة ، ولله الحمد . كتبه ابن
العطار) .
٢٠٨

٤ - كِتَابُ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(١).
وَأَلْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهَا وَأَلْأَمْرِ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى أَحْرُفٍ
مِنْ ذَلِكَ ؛ تَنْبيهاً عَلَى مَا سِوَاهَا ، وَتَبْرِيكاً لِلْكِتَابِ بِذِكْرِهَا .
٣٤١ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ
صَلَةً .. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً)) (٢) [م٣٨٤].
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٠٣/٣): (في ((الشفا)) للقاضي عياض: إن
الإِجماع منعقد على أَنَّ في هذه الآية من تعظيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في
غيرها . وعبر بالجملة الاسميّة المفيدة للدوام والاستمرار ؛ لتدل على دوام صلاة الله وملائكته على
نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه قرينة باهرة لم توجد لغيره صلى الله عليه وسلم . وفي هذا بلوغ
للمؤمنين بأنهم ينبغي لهم إِدامة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تأسياً بالله وملائكته في ذلك . وهذا
أتم من تشريف آدم عليه السلام بأمر الملائكة بالسجود ؛ لاختصاصه بالملائكة ، والصلاة شاركهم
تعالى فيها ، وسجودهم كان تأدباً ، وأمرهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كان توقيراً له
وتعظيماً ، وأيضاً فذاك وقع مرة وانقطع ، وهذا دائم إِلى يوم القيامة ) .
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٠٦/٣): (في (( مسالك الحنفا)) نقلاً عن
الإِمام : تضاعفت الصلاة ؛ لأنها ليست حسنة واحدة بل حسنات ؛ إِذ بها تجديد للإِيمان بالله تعالى
أولاً ، ثم بالرسول ثانياً ، ثم تعظيمه ثالثاً ، ثم بالعناية بطلب الكرامة له رابعاً ، ثم تجديد الإِيمان
باليوم الآخر خامساً ، ثم بذكر الله سادساً - وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة - ثم تعظيماً له بنسبتهم إِليه
سابعاً ، ثم بإظهار المودة لهم ثامناً ، ثم بالابتهال والتضرع في الدعاء تاسعاً ، ثم بالاعتراف عاشراً بأن
الأمر كله لله ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإِن جلَّ قدره فهو محتاج إلى رحمة ربه ، فهذه عشر
حسنات سوى ما ورد الشرع من أن الحسنة بعشر أمثالها ) .
٢٠٩

٣٤٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ صَلَّىُ عَلَيَّ وَاحِدَةً .. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
عَشْراً )) [م٤٠٨] .
٣٤٣- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. أَكْثَرُهُمْ
عَلَيَّ صَلاَةً)) (١)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ [ت ٤٨٤].
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةً وَعَمَّارٍ
وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَنَسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ .
٣٤٤ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) بِالْأَسَانِيدِ
الصَّحِيحَةِ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ . . يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ ؛
فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)) ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَّتْنَا
عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟! قَالَ: يَقُولُ: بَلِيتَ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ
أَجْسَادَ الْأَنْبَاءِ)) (٢) [١٥٣١٥ - ..
[١٥٣١٥ - سك ١٦٧٨ - ق١٠٨٥ وانظر الملحق] .
(١) قوله: ((أولى الناس بي يوم القيامة ... )) قال السيوطيُّ: ( قال ابن حبان: أي أَقْرَبُهُم منّي في
القيامة ، قال : فيه بيانُ أنّ أولاهم به صلى الله عليه وسلم أهل الحديث ؛ إذ ليس من هذه الأمَّةِ قومٍ
أكثر صلاةً عليه منهم ، وقال الخطيب البغدادي : قال لنا أبو نعيم : هذه منقبة شريفة يختص بها رواةً
الآثار ونَقَلَتها؛ لأنه لا يُعْرَفُ لِعِصَابَةٍ من العلَمَاء منَ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أكثرُ مما
يُعْرَفُ لههذه العِصابة نسخاً وذكراً ، وكذا قال غيره : في ذلك بشارة عظيمة لهم ؛ لأنهم يصلُّون عليه
صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً ، نهاراً وليلاً، عند القراءةِ والصلاةِ ، فهم أكثر الناس صلاةٌ ) .
((الفتوحات)) (٣٠٧/٣). وانظر تماماً للفائدة كتاب الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى
(( شرف أصحاب الحديث)) ؛ ففيه من الغالي والنفيس ما فيه .
(٢) قال الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى في ((نوادر الأصول)) (ص٣٨٦): (إِن الأرض تبرأت منهم ولم
تتبعهم بما أكلوا فيها ؛ لأنهم تناولوا ما تناولوا منها بالحق والعدل - فخلفاء النبيين ممن أعطي الحق
والعدل كذلك ليس للأرض عليهم سلطان - ويحقق ما قلنا : حديث جابر رضي الله عنه [عند =
٢١٠

قُلْتُ : ( أَرَمْتَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَإِسْكَانِ اُلْمِيمٍ، وَفَتْح التَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، قَالَ
اَلْخَطَّابِيُّ: ( أَصْلُهُ: أَرْمَمْتَ، فَحَذَفُوا إِحْدَى الْمِيمَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ اُلْعَرَبِ
كَمَا قَالُوا: ظَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا؛ أَيْ: ظَلَلْتُ، فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ)(١) . وَقَالَ غَيْرُهُ :
إِنَّمَا هُوَ : أَرَمَّتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ ؛ أَيْ : أَرَّتِ اَلْعِظَامُ ،
وَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٣٤٥ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) فِي آخِرِ ( كِتَابِ أُلْحَجِّ ) فِي ( بَابِ زِیَارَةِ
اُلْقُبُورِ ) بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اُللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ
تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ)) (٢) [٢٠٤٢٥].
٣٤٦ - وَرَوَيْنَا فِيهِ أَيْضاً بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضاً : أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ .. إِلَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ
رُوحِي حَتَىْ أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ)) [٢٠٤١٥].
عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٦٠٢) وغيره]: (( أن شهداء أحد لما نقلوا من قبورهم أخرجوا بعد
=
نحو من أربعين سنة رطاباً [ينثنون] ، حتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه ، فانبعث الدم
طرياً))) . فإِذا كان هذا حال الشهداء في قبورهم .. فانظر ما حال الصديقين.
(١) ((معالم السنن)) (٦٣٥/١).
(٢) قال ابن الإمام رحمه الله تعالى في ((سلاح المؤمن)) (ص٣٨): ( يحتمل أن يكون المراد الحث على
كثرة زيارته ، ولا يجعل قبره كالعيد الذي لا يأتي في العام إِلا مرتين ) . ونظر فيه السخاوي وتلميذه
القسطلاني رحمهما الله تعالى واستظهر أنه صلى الله عليه وسلم إِنما أشار بذلك إِلى ما في الحديث
الآخر من نهيه عن اتخاذ قبره مسجداً، ويكون المراد بقوله: (( لا تجعلوا قبري عيداً)) أي: من حيث
الاجتماع عنده للهو والزينة والرقص وغيرها من المحدثات التي تعمل في الأعياد . وقد اتفق الأئمة من
بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا على أن زيارته صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات .
وقيل : العيد اسم من الاعتياد ؛ يقال : عاده واعتاده وتعوده : صار له عادة ؛ أي : لا تجعلوا قبري
محلاً لاعتياد المجيء إِليه متكرراً تكريراً كثيراً بحيث يؤدي إلى الملل وسوء الأدب وسقوط الإِعظام
والإِجلال بالظاهر والباطن ، ومن لم يقدر على ذلك .. فليصل عليَّ؛ فإِن فيها كفاية عن ذلك.
((الفتوحات)) (٣١٤/٣).
٢١١

١ - بَابُ أَمْرِ مَنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَالنَّسْلِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
٣٤٧ - رَوَيْنَا فِ «كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ .. فَلَمْ يُصَلِّ
عَلَيَّ )) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ٣٥٤٥] .
٣٤٨- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ .. فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ ؛
فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً .. صَلَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِهَا (١) عَشْراً)) [سني ٣٨٠].
٣٤٩ - وَرَوَيْنَا فِيهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اُللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ .. فَقَدْ شَقِيَ))
[سني ٣٨١] .
٣٥٠- وَرَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْبَخِيلُ: مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ .. فَلَمْ يُصَلِّ
عَلَيَّ))(٢)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [ت٣٥٤٦].
(١) لفظة: ( بها) زيادة من (ج). وفي هامش (أ): (هذا نقله الشيخ علاء الدين رحمه الله، قلت:
روى النسائي بإِسناده في «سننه)) [٥٠/٣] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي صلاة واحدة .. صلى الله عليه عشر صلوات ، وحط عنه عشر
خطيئات ، ورفعت له عشر درجات)) ، والله أعلم ) .
(٢) قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في ((القول البديع)) (ص٣١٠): ( البخل: إِمساك ما يُقتنىُ
عمن يستحقه). وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٢٣/٣): ( قال ابن حجر
الهيتمي في ((شرح المشكاة)): وهو صلى الله عليه وسلم يستحق على أمته وجوباً أو ندباً - على
الخلاف فيه - أن يصلوا عليه مطلقاً ومقيداً ، فمن أمسك منهم عن ذلك .. كان أشر الممسكين وأشح
البخلاء المحرومين ، فيخشى عليه المقت والبوار ، وأن يكون من أهل العار والشَّنار . أجارنا الله من
ذلك بمنه . آمين ) .
٢١٢

٣٥١- وَرَوَيْنَاهُ فِي ((كِتَابِ النَّسَائِيِّ)) مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [سك ٨٠٤٦] .
قَالَ أَلْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ: ( يُرْوَىُ عَنْ بَعْضٍ أَهْلِ
اُلْعِلْمِ قَالَ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً فِي الْمَجْلِسِ ..
أَجْزَأَ عَنْهُ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ) .
٢ - بَابُ صِفَةِ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ قَدَّمْنَا فِي ( كِتَابِ أَذْكَارِ الصَّلاَةِ ) صِفَةَ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَبَيَانَ أَكْمَلِهَا وَأَقَلِّهَا .
وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبْنُ أَبِي زَيْدٍ أَلْمَالِكِيُّ مِنِ اسْتِحْبَابِ زِيَادَةٍ عَلَى
ذَلِكَ؛ وَهِيَ: ((وَأَرْحَمْ مُحَمَّداً وَآَلَ مُحَمَّدٍ )) .. فَهَذِهِ بِدْعَةٌ لاَ أَصْلَ لَهَا، وَقَدْ
بَالَغَ أَلْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَبْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ (( شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ)) فِي إِنْكَارِ
ذَلِكَ، وَتَخْطِئَةِ أَبْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي ذَلِكَ، وَتَجْهِيلٍ فَاعِلِهِ (١)، قَالَ: (لِأَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَنَا كَيْفِيَّةَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَّى
ذَلِكَ .. أَسْتِقْصَارٌ لِقَوْلِهِ وَأَسْتِدْرَادٌ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (٢)، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
(١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى - كما في ((تحفة الأبرار)) (ص٨١) -: (قد سبق إِلى إِنكار
ذلك من الفقهاء الشافعية الصيدلانيُّ ، وحكاه عنه الرافعي ولم يتعقبه ، ومن المحدثين المالكية أبو عمر
ابن عبد البر في ((الإستذكار)) [٣٢٣/٢] ، وليس بجيد منهم؛ فإِنها وردت من حديث أبي هريرة ،
ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث بريدة )، فحديث أبي هريرة عند البخاري في ((الأدب المفرد)»
(٦٤١)، وحديث ابن مسعود عند الحاكم (٢٦٩/١)، وحديث بريدة عند أحمد (٣٥٣/٥)، ثم
قد ثبت في الصحيح عند البخاري ( ٦٠١٠) في حديث الأعرابي: ( اللهم ارحمني ومحمداً ) . وقال
الحافظ السيوطي بعدُ : ( الذي دلت عليه هذه الأحاديث جواز الدعاء له بالرحمة على سبيل التبعية
الذكر الصلاة والسلام ، وأما على وجه الإِفراد ؛ كأن يقال : النبي رحمه الله .. فلا شك في منعه ، وهو
خلاف الأدب ، وخلاف المأمور به عند ذكره من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، ولا ورد ما يدل
م
عليه البتة ، ورب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً ، ونظيره هنا الصلاة على غير الأنبياء ؛ فإِنها
تجوز على وجه التبعية لهم، وتمتنع على وجه الاستقلال، والله أعلم). وانظر (( الدر المنضود في
الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود)) ( ص٩٨ ) للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى .
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٤٧٠).
٢١٣

فَضْكٌ [في استحباب الجمع بين الصلاة والتسليم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]:
إِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . فَلْيَجْمَعْ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ ،
وَلاَ يَقْتَصِرْ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ فَلاَ يَقُلْ: ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ) فَقَطْ ، وَلاَ ( عَلَيْهِ
السَّلاَمُ ) فَقَطْ .
فَضَك [في استحباب رفع الصوت بالصلاة والتسليم على رسول الله وّ﴿ عند ذكره في قراءة الحديث والتلبية]:
يُسْتَحَبُّ لِقَارِىءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ فِي مَعْنَاهُ(١) إِذا ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ ، وَلاَ يُبَالِغُ فِي الرَّفْعِ مُبَالَغَةً
فَاحِشَةً. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ: الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ
اُلْبَغْدَادِيُّ وَآخَرُونَ، وَقَدْ نَقَلْتُهُ إِلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ(٢).
وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالصَّلاَةِ
عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّلْبِيَةِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٣- بَابُ أَسْتِفْتَاحِ الدُّعَاءِ بِالْحَمْدِ للهِ تَعَالَى
وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
٣٥٢ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ
عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً يَدْعُو فِي
صَلاَتِهِ ؛ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالَىْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَجِلَ هَذَا))، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ :
(( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ .. فَلْيَبْدَأُ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى
(١) أي : كالمملي والمستملي في المجالس الحديثية.
(٢) ((إرشاد طلاب الحقائق)) (ص١٦٩).
٢١٤

النَبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ(١) صَحِيحٌ [١٤٨١٥ - ت٣٤٧٧ - س٤٤/٣].
٣٥٣- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
(إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ .. حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى
نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) [ت ٤٨٦] .
ثُلْتُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَسْتِحْبَابِ أَبْتِدَاءِ الدُّعَاءِ بِالْحَمْدِ اللهِ تَعَالَى وَالثََّاءِ،
ثُمَّ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ يُخْتَمُ الدُّعَاءُ بِهِمَا ،
وَأَلْآثَارُ فِي هَذَا أَلْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
٤ - بَابُ الصَّلاَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَآلِهِمْ تَبَعاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ
أَجْمَعُوا عَلَى الصَّلاَةِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ
مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى جَوَازِهَا وَأَسْتِخْبَابِهَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ أُسْتِقْلاَلاً، وَأَمَّا
غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ .. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِمُ أَبْتِدَاءً، فَلاَ يُقَالُ: ( أَبُو بَكْرٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ) .
وَأَخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَنْعِ: فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ حَرَامٌ ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ:
مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهِ ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ خِلاَفُ الْأَوْلَىْ وَلَيْسَ مَكْرُوهاً ،
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ ،
وَقَدْ نُهِينَا عَنْ شِعَارِهِمْ ، وَأَلْمَكْرُوهُ: هُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌّ مَقْصُودٌ .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَأَلْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الصَّلاَةَ صَارَتْ مَخْصُوصَةً فِي لِسَانِ
السَّلَفِ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَنَا: (عَزَّ وَجَلَّ)
مَخْصُوصٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَكَمَا لاَ يُقَالُ: ( مُحَمَّدٌ عَزَّ وَجَلَّ) - وَإِنْ كَانَ
(١) لفظة: ( حسن ) زيادة من (أ).
٢١٥

عَزِيزاً جَلِيلاً - لاَ يُقَالُ: ( أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ) وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحاً.
وَأَتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعَأَ لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَيُقَالُ: ( اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (١)، وَأَصْحَابِهِ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرَِّتِهِ ،
وَتُبَّاعِهِ(٢) )؛ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِهِ فِي النَّشَهُدِ ، وَلَمْ يَزَلِ
السَّلَفُ عَلَيْهِ خَارِجَ الصَّلاَةِ أَيْضاً .
وَأَمَّا ( السَّلاَمُ ) : فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: ( هُوَ فِي
مَعْنَى (( الصَّلاَةِ)) ، فَلاَ يُسْتَعْمَلْ فِي الْغَائِبِ، وَلاَ يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ ، فَلاَ يُقَالُ:
((عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ))، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْأَحْيَاءُ وَاُلْأَمْوَاتُ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ ..
فَيُخَاطَبُ بِهِ فَيُقَالُ: ((سَلَامٌ عَلَيْكَ))، أَوْ ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ))، أَوِ (( السَّلَامُ عَلَيْكَ
وَعَلَيْكُمْ)))، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي إِنْضَاحُهُ فِي أَبْوَابِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَضَُّ﴾[ في استحباب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم] :
يُسْتَحَبُّ الثَّرَضِّي وَالثَّرَثُمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَالْعُبَّادِ وَسَائِرِ الْأَخْيَارِ، فَيُقَالُ: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، أَوْ (رَحِمَهُ اللهُ)، وَنَحْوُ
ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ قَوْلَهُ: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) مَخْصُوصٌ
بِالصَّحَابَةِ ، وَيُقَالُ فِي غَيْرِهِمْ: (رَحِمَهُ اللهُ) فَقَطْ . . فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَلاَ يُوَافَقُ
عَلَيْهِ ، بَلِ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَسْتِحْبَابُهُ، وَدَلَائِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ
تُخْصَرَ .
فَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ صَحَابِيّاً بْنَ صَحَابِيٍّ .. قَالَ: ( قَالَ أَبْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
(١) أتى بـ ( على) ؛ لأنه الوارد في الخبر ، وبه يرد على الشيعة كراهة الفصل بها بين النبي صلى الله عليه
وسلم وآله، وينقلون فيه حديثاً موضوعاً: ((من فرق بيني وبين آلي بـ(على) .. لم تنله شفاعتي)).
((الفتوحات)) ( ٣٤١/٣).
(٢) في هامش الأصل : ( نسخة : وأتباعه ).
٢١٦

عَنْهُمَا ) ، وَكَذَا أَبْنُ عَبَّاسِ ، وَأَبْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبْنُ جَعْفَرِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
وَنَحْوُهُمْ؛ لِيَشْمَلَهُ وَأَبَاهُ جَمِيعاً .
فَضَك [فيما يقال عند ذكر سيدنا لقمان والسيدة مريم] :
فَإِنْ قِيلَ : إِذَا ذُكِرَ لُقْمَانُ وَمَرْيَمُ .. هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِمَا كَالْأَنْبِيَاءِ ؟ أَمْ يُتَرَضَّى
كَالصَّحَابَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ ؟ أَمْ يَقُولُ: عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْجَمَاهِيرَ مِنَ
أَلْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا نَبَتَيْنِ، وَقَدْ شَذَّ مَنْ قَالَ: نَبِيَّانِ ، وَلاَ الْتِفَاتَ إِلَيْهِ ، وَلاَ
تَعْرِيجَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ (( تَهْذِيبِ اَلْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ))، فَإِذَا
عُرِفَ ذَلِكَ .. فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَلاَمَاً يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: ( قَالَ لُقْمَانُ أَوْ
مَرْيَمُ صَلَّى اللهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَيْهِ أَوْ وَعَلَيْهَا وَسَلَّمَ)، قَالَ: (لِأَنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ
عَنْ حَالٍ مَنْ يُقَالُ: رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ مِمَّا يَرْفَعُهُمَا ) ، وَأَلَّذِي
أَرَاهُ: أَنَّ هَذَا لاَ بَأْسَ بِهِ ، وَأَنَّ الْأَرْجَحَ أَنْ يُقَالَ: ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْ عَنْهَا ) ؛
◌ِأَنَّ هَذَا مَرْتَبَّهُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُمَا نَبِيْنِ ، وَقَدْ نَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ
إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ نَبِيَّةً، ذَكَرَهُ فِي ((أَلْإِرْشَادِ)) [ص٢٦٩].
وَلَوْ قَالَ : (عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَوْ عَلَيْهَا) .. فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَاللهُ
أَعْلَمُ .
٢١٧

٥- كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَالذَّعَوَاتِ لِلْأُمُورِ الْعَارِضَاتِ
◌ِعلَمْ : أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى حَسَبٍ
مَا تَقَدَّمَ وَتَبَّنَ ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ أَلْآنَ .. فَهِيَ أَذْكَارٌ وَدَعَوَاتٌ تَكُونُ فِي أَوْقَاتٍ
لِأَسْبَابِ عَارِضَةٍ ، فَلِهَذَا لاَ يُلْتَزَمُ فِيهَا تَرْتِيبٌ .
١ - بَابُ دُعَاءِ الإِسْتِخَارَةِ
٣٥٤ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا
كَالشُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ .. فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ
اُلْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلِ (١): اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ،
وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ ، وَأَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ ، اللَّهُمَّ؛ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي
وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَأَقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي
فِيهِ ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ
قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَأَصْرِفْهُ عَنِّي وَأَصْرِفْنِي عَنْهُ، وَأَقْدُرْ لِيَ أَلْخَيْرَ حَيْثُ
كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ ))، قَالَ: ((وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ)) [خ ١١٦٢].
قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُسْتَحَبُّ الِاسْتِخَارَةُ بِالصَّلاَةِ وَالذُّعَاءِ الْمَذْكُورِ، وَتَكُونُ الصَّلاَةُ
رَكْعَتَيْنِ مِنَ النَّافِلَةِ ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، وَبِتَحِيَّةِ
(١) أي : عقب الصلاة مستقبل القبلة رافعاً يديه بعد الحمد والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم
كما سيأتي؛ لأنهما سنتان في أول كل دعاء ووسطه وآخره. ((الفتوحات)) (٣٤٨/٣).
٢١٨

اُلْمَسْجِدِ وَغَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ ( الْفَاتِحَةِ ): ( قُلْ يَا أَيُّهَا
اَلْكَافِرُونَ )، وَفِي الثَّانِيَةِ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )، وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ ..
أُسْتَخَارَ بِالدُّعَاءِ(١).
وَيُسْتَحَبُّ أَفْتِتَاحُ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ وَخَتْمُهُ بِأَلْحَمْدِ للهِ وَالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِخَارَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ اَلْأُمُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ نَصُّ هَذَا الْحَدِيثِ
الصَّحِيحِ ، وَإِذَا اسْتَخَارَ .. مَضَى بَعْدَهَاَ لِمَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ(٢).
٣٥٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ -
عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ ..
قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ خِرْلِي وَأَخْتَرْ لِي)) [ت٣٥١٦].
٣٥٦- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَنَسُ؛ إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرِ . . فَأُسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيهِ
سَبْعَ مَزَّاتٍ ، ثُمَّ أَنْظُرْ إِلَى الَّذِي سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ)) إِسْنَادُهُ غَرِيبٌ ؛
فِيهِ مَنْ لاَ أَعْرِفُهُمْ [سني ٥٩٨ وانظر الملحق] .
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٥٤/٣): ( قال الحافظ الزين العراقي : لم أجد
في شيء من طرق الحديث تعيين ما يقرأ في ركعتي الاستخارة ، لكن ما ذكره النووي مناسب ؛ لأنهما
((سورتا الإِخلاص))، فناسب الإتيان بهما في صلاةٍ المراد منها إِخلاص الرغبة وصدق التفويض
وإظهار العجز، وسبق إِليه الغزالي، ولو قرأ ما وقع فيه ذكر الخيرة كآية ((القصص)) وآية
((الأحزاب)) .. لكان حسناً ).
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٥٦/٣): (قال ابن جماعة : ينبغي أن يكون
المستخير قد جاهد نفسه حتى لم يبق لها ميل إِلى فعل ذلك الشيء ولا إِلى تركه ؛ ليستخير الله تعالى
وهو مسلم له ذلك ؛ فإِن تسليم القياد مع ميلٍ إلى أحد الجانبين جناية في الصدق ، وأن يكون دائم
المراقبة لربه سبحانه وتعالى من أول صلاة الاستخارة إِلى آخر الدعاء ) .
٢١٩

أَبْوَابُ الْأَذْكَارِ الَّتِي نُقَالُ فِي أَوْقَاتِ الشِّذَّةِ وَعَلَى الْعَاهَاتِ
٢ - بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ وَالذُّعَاءِ عِنْدَ الْأُمُورِ الْمُهمَّةِ
٣٥٧- رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيٍّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ)) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ .. قَالَ ذَلِكَ) [خ٦٣٤٧ -٢٧٣٠٢].
قَوْلُهُ: ( حَزَبَهُ أَمْرٌ ) أَيْ : نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ، أَوْ أَصَابَهُ غَمٌّ .
٣٥٨- وَرَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَكْرَبَهُ أَمْرٌ .. قَالَ: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ؛ بِرَحْمَتِكَ
أَسْتَغِيثُ))، قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ اَلْإِسْنَادِ [ت ٣٥٢٤ -٥٠٩/١٥ وانظر الملحق].
٣٥٩ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ إِذَا هَمَّهُ الْأَمْرُ .. رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: (( سُبْحَانَ اللهِ أَلْعَظِيمِ))، وَإِذَا
أَجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ .. قَالَ: (( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ)) [ت٣٤٣٦].
٣٦٠- وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ،
(١) قوله: ((العظيم)) و((الكريم)) يجوز فيهما الجر على أنهما نعتان للعرش، وهو الثابت في رواية
الجمهور كما قال الحافظ ابن حجر ، ويجوز فيهما الرفع على أنهما نعتان للرب ، أو نعتان للعرش
والرفع فيهما على القطع على إضمار مبتدأ محذوف للمدح ، ورجح أبو بكر الأصم الأول ؛ لأن
وصف الرب بـ(العظيم ) أولى من وصف العرش به ، وفيه نظر ؛ لأن وصف ما يضاف للعظيم أقوى
في تعظيم العظيم ، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم ولم ينكر عليه سليمان عليه
السلام. انظر ((فتح الباري)) (١٤٦/١١).
٢٢٠