النص المفهرس

صفحات 181-200

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَعَارَّ)): هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ:
أَسْتَيْقَظَ .
٢٨٩ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِإِسْنَادٍ لَمْ يُضَعَّفْهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ: (( لاَ
إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ ، اللَّهُمَّ ؛
زِدْنِي عِلْماً، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ؛ إِنَّكَ أَنْتَ
اَلْوَهَّابُ)) [٥٠٦١٥].
٢٩٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ )) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ -
تَعْنِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
أَلْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ )) [سني ٧٥٧].
٢٩١ - وَرَوَيْنَا فِيهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا رَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ
نَفْسَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبَّحَهُ وَأَسْتَغْفَرَهُ وَدَعَاهُ .. تَقَبَّلَ مِنْهُ)) [سني ٧٥٣ وانظر الملحق].
٢٩٢ - وَرَوَيْنَا في ((كِتَابِ اٌلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ(( أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادٍ
جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ .. فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاَثَ
مَرَّاتٍ ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَضْطَجَعَ .. فَلْيَقُلْ: بِأَسْمِكَ اللَّهُمَّ
وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي .. فَأَرْحَمْهَا، وَإِنْ رَدَدْتَهَا ..
فَأَحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ٣٤٠١ -
ق٣٨٧٤ _ سني ٧٦٥] .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : ( صَنِفَةُ الْإِزَارِ) بِكَسْرِ النُّونِ : جَانِبُهُ الَّذِي لاَ هُدْبَ فِيهِ ،
وَقِيلَ : جَانِبُهُ أَّ جَانِبٍ كَانَ .
١٨١

٢٩٣ - وَرَوَيْنَا فِي «مُوَطَّأِ اَلْإِمَامِ مَالِكِ)) رَحِمَهُ اللهُ فِي ( بَابِ الدُّعَاءِ ) آخِرَ
( كِتَابِ الصَّلاَةِ ) عَنْ مَالِكِ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ
يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: ( نَامَتِ أَلْعُيُونُ، وَغَارَتِ النُّجُومُ، وَأَنْتَ حَيٌّ
قَيُومٌ ) [ط٢١٩/١ وانظر الملحق] .
قُلْتُ: مَعْنَى ( غَارَتْ ) : غَرُبَتْ .
٣١ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَلِقَ فِي فِرَاشِهِ فَلَمْ يَنَمْ (١)
٢٩٤ - رَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
( شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَقاً أَصَابَتِي فَقَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ ؛
غَارَتِ النُّجُومُ، وَهَدَأَتِ الْعُيُونُ، وَأَنْتَ حَيٌّ قَيُّومٌ، لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ(٢)،
يَا حَيُّ يَاقَيُّومُ؛ أَهْدِىءْ لَيْلِي، وَأَنِمْ عَيْنِي ))، فَقُلْتُهَا .. فَأَذْهَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِّي
مَا كُنْتُ أَجِدُ ) [سني٧٤٩ وانظر الملحق].
٢٩٥ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَبِأَلْبَاءِ الْمُؤَخَّدَةِ
- : ( أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَصَابَهُ أَرَقٌ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ عِنْدَ مَنَامِهِ بِكَلِمَاتِ اللهِ الثَّمَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ ، وَمِنْ شَرِّ
عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ). هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ؛
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى تَابِعِيٌّ [سني ٧٥٠].
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : (الْأَرَقُ): هُوَ السَّهَرُ(٣)
(١) القلق : أن لا يستقر فى مكان واحد ، وقلقه : حركه .
(٢) قال الإِمام البغوي رحمه الله تعالى في ((معالم التنزيل)) (٢٣٨/١): ( السِّنَةُ: النعاس ، وهو النوم
الخفيف ، أما النوم : فهو الثقل المزيل للقوة والعقل ، والوسنان : بين النائم واليقظان ) .
(٣) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى في ((النهاية)) (١/ ٤٠): (رجل أرِقٌ .. إِذا سهر لعِلَّة، فإِن كان السهر
من عادته .. قيل : أُرُق ، بضم الهمزة والراء ) .
١٨٢

٢٩٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ - عَنْ
بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا أَنَامُ اللَّيْلِ مِنَ الْأَرَقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ .. فَقُلِ: اللَّهُمَّ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا
أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ؛ كُنْ لِي جَاراً
مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعاً أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَأَنْ يَبْغِيَ عَلَيَّ ، عَزَّ جَارُكَ ،
وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)) [ت٣٥٢٣].
٣٢ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا كَانَ يَفْزَعُ فِي مَنَامِهِ
٢٩٧ - رَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ السُّنِّيِّ)) وَغَيْرِهَا عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْفَزَعِ كَلِمَاتٍ: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ الثَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ ،
وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ )) ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهُنَّ
مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ .. كَتَبَهُ فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَبْنِ السُّنِّيِّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَا أَنَّهُ
يَفْزَعُ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ ..
فَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ النَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ [وَعِقَابِهِ] ، وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ ، وَمِنْ
هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ))، فَقَالَهَا فَذَهَبَ عَنْهُ [٣٨٩٣٥ - ت٣٥٢٨ - سني ٧٤٨].
٣٣- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يُحِبُّ أَوْ يَكْرَهُ
٢٩٨ و٢٩٩ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا ..
فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلْيَحْمَدِ اللهَ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا - وَفِي رِوَايَةٍ :
١٨٣

فلا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّ مَنْ يُحِبُّ(١) - وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ .. فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ
الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ؛ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُهُ))(٢) [خ ٦٩٨٥].
٣٠٠ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلْزُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - وَفِي رِوَايَةٍ :
الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ - مِنَ اللهِ، وَأَلْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَمَنْ رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ .. فَلْيَنْفُثْ
عَنْ شِمَالِهِ ثَلاَثاً ، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ)) [خ٦٩٩٥- م٢٢٦١].
وَفِي رِوَايَةٍ ((فَلْيَبْصُقْ)) بَدَلَ: ((فَلْيَنْفُثْ)) [خ٧٠٠٥]. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ
النَّفَثُ ، وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ لاَ رِيقَ مَعَهُ .
٣٠١ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اُللهِ
(١) أخرجها البخاري عن أبي قتادة رضي الله عنه (٧٠٤٤). وقال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في
((شرح مسلم)) (١٨/١٥): ( سببه: أنه إِذا أخبر بها من لا يحب .. ربما حمله البغض أو الحسد
على تفسيرها بمكروه فقد تقع على تلك الصفة ، وإلا .. فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء
تفسيرها ) .
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٨٧/٣): ( قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في
تذكرته المسماة بـ ((طرف الفوائد وظرف الفرائد)) : حاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاث :
حمد الله عليها ، والاستبشار بها ، والإِخبار بها ، للكن لمن يحب دون من يكرهه . وآداب الرؤيا
المكروهة أربعة : التعوذ بالله من شرها وشر الشيطان ، وأن يتفل حين يستيقظ من نومه ، ولا يذكرها
لأحدٍ أصلاً . زاد البخاري غير موصول ومسلم موصولا خامسة ؛ وهي : الصلاة [خ ٧٠١٧ - م
٢٢٦٣]، وزاد مسلم سادسة وهي: التحول من جنبه الذي كان عليه [م ٢٢٦٢]. قال الإمام النووي
رحمه الله تعالى : وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات كلها ويعمل بجميع ما تضمنته ، فإِن اقتصر على
بعضها .. أجزأه في دفع ضررها ؛ كما صرحت به الأحاديث . قيل : وبقيت سابعة ؛ وهي : قراءة آية
الكرسي ، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة ، ومستند ذلك خبر البخاري وغيره: (( أَنَّ من قرأها
في ليلةٍ .. لا يضره الشيطان)) [خ ٣٢٧٥] . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وحكمة التفل :
طرد الشيطان الحاضر للرؤيا المكروهة وتحقيره واستقذاره ، وخصت به اليسار ؛ لأنها محل الأقذار
ونحوها، والتثليث للتأكيد. اهـ قال العلقمي رحمه الله تعالى في ((شرح الجامع الصغير)): ( وحكمة
التحول : التفاؤل بتحول الحال . قال شيخنا - يعني: السيوطي - : ولمجانبة محل الشيطان ، ولهذا
أُمِرَ الناعس يوم الجمعة بالتحول عن مكانه. اهـ، وهذا معنى حديث: (( الرؤيا من الله، والحُلم من
الشيطان))؛ فالرؤيا اسم للمحبوب ، والحُلم اسمٌ للمكروه وإِن كانتا جميعاً من خلق الله تعالى وتدبيره
وبإرادته ، ولا فعل للشيطان فيهما ، للكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويُسرُّ بها).
١٨٤

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا .. فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ
ثَلاَثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ أَلَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ))
[م ٢٢٦٢] .
٣٠٢ - وَرَوَى أَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا
يَكْرَهُهَا .. فَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ)) [ت٢٢٩١ وانظر الملحق].
٣٠٣ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) وَقَالَ فِيهِ: ((إِذَا رَأَىْ أَحَدُكُمْ رُؤْيَا
يَكْرَهُهَا .. فَلْيَتْفُلْ [عَنْ يَسَارِهِآ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ لْيَقُلِ: آللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَسَيِّئَاتِ الْأَحْلاَمِ .. فَإِنَّهَا لاَ تَكُونُ شَيْئاً)) [سني ٧٧٠ وانظر الـ
٣٤ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قُصَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيَا
٣٠٤ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ
قَالَ لَهُ: رَأَيْتُ رُؤْيَا، قَالَ: (( خَيْراً رَأَيْتَ، وَخَيْراً يَكُونُ)) [سني ٧٧٣ وانظر الملحق].
٣٠٥ - وَفِي رِوَايَةٍ: (( خَيْراً تَلْقَاهُ، وَشَرّاً تُوَقَّاهُ، خَيْراً لَنَا وَشَرّاً عَلَىْ أَعْدَائِنَا ،
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [سني ٧٧٢ وانظر الملحق] .
٣٥ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الدُّعَاءِ وَالإِسْتِغْفَارِ فِي النَّصْفِ الثَّانِي مِنْ كُلِّ لَيْلَةِ
٣٠٦ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَنْزِلُ رَبَّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي .. فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ
يَسْأَلُنِي .. فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي .. فَأَغْفِرَ لَهُ؟))(١) [خ١١٤٥ -م١٦٨/٧٥٨].
(١) هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان مشهوران، فمذهب جمهور السلف وبعض
المتكلمين : الإيمان بحقيقتها على ما يليق بجلاله تعالى ، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ،
ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيهه سبحانه عن سائر سمات الحدوث ، وفي مذهب أكثر
المتكلمين وجماعة من السلف ، وحكي عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب=
١٨٥

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((يَنْزِلُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ
يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي ..
فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي .. فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي .. فَأَغْفِرَ
لَهُ؟ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ أَلْفَجْرُ)) [١٦٩/٧٥٨٢].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا مَضَىْ شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلْنَاهُ » [٧٥٨٢/ ١٧٠] .
٣٠٧ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ
مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآَخِرِ ، فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فِي
تِلْكَ السَّاعَةِ .. فَكُنْ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [١٢٧٧٥ - ت٣٥٧٩].
٣٦- بَابُ الذُّعَاءِ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ كُلَّ لَيْلَةٍ
رَجَاءَ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ
٣٠٨ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ :
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوافِقُهَا رَجُلٌ
مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى خَيْراً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .. إِلَّ أَعْطَاهُ إِيَّهُ، وَذَلِكَ كُلَّ
لَيْلَةٍ)) [م٧٥٧].
٣٧ - بَابُ أَسْمَاءِ اللهِ اَلْحُسْنَى
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ .
٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مواطنها ، فعليه الخبر مؤول بتأويلين : أحدهما : أن الحديث على حذف مضاف ؛ أي : ينزل ملك
=
ربنا، وقد روي (( يُنزل)) بضم التحتية ، وهو مبين ما ذكرنا . والثاني : أن المراد بالنزول : الإقبال
على الداعي بالإِجابة واللطف والرحمة ، وقبول المعذرة كما هو عادة الكرماء ، ولا سيما الملوك إِذا
نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين. ((الفتوحات)) ( ١٩٤/٣).
١٨٦

قَالَ: ((إِنَّ للهِ تَعَالَىْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَسْماً ، مِئَةً إِلَّ وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا .. دَخَلَ
الْجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ ،
اُلْمَلِكُ، أَلْقُدُّوسُ، السَّلاَمُ، أَلْمُؤْمِنُ ، أَلْمُهَيْمِنُ ، أَلْعَزِيزُ، أَلْجَبَّارُ،
اُلْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِىءُ، الْمُصَوِّرُ، أَلْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، أَلْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ،
اَلْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ ، أَلْمُذِلُّ ،
السَّمِيعُ ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، أَلْحَلِيمُ، اُلْعَظِيمُ،
اُلْغَفُورُ ، الشَّكُورُ ، الْعَلِيُّ، أَلْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ ، الْمُغِيثُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ،
اُلْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ ، الْمَجِيدُ ،
الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ ، أَلْحَقُّ، أَلْوَكِيلُ، أَلْقَوِيُّ، أَلْمَتِينُ، أَلْوَلِيُّ، أَلْحَمِيدُ ،
الْمُخْصِي، الْمُبْدِىءُ ، الْمُعِيدُ ، الْمُحْبِيِ، الْمُمِيتُ ، أَلْحَيُّ ، الْقَيُّومُ ،
أَلْوَاجِدُ ، أَلْمَاجِدُ ، أَلْوَاحِدُ ، الصَّمَدُ ، الْقَادِرُ ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ ،
اُلْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، أَلْوَالِيِ، أَلْمُتَعَالِ، الْبَرُّ، الثَّوَّابُ،
الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُ، الرَّؤُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَاَلِ وَالْإِكْرَامِ ، الْمُقْسِطَ،
الْجَامِعُ ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ ، الضَّارُّ، النَّفِعُ، النُّورُ، أَلْهَادِي،
الْبَدِيعُ، أَلْبَاقِي، أَلْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ)) ، هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ إِلَى قَوْلِهِ: ((يُحِبُّ الْوَتْرَ )) ، وَمَا بَعْدَهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ
[خ ٦٤١٠ - م٢٦٧٧ - ت٣٥٠٧].
قَوْلُهُ: ((الْمُغِيثُ)) رُوِيَ بَدَلَهُ: ((الْمُقِيتُ)) بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّةِ، وَرُوِيَ :
((الْقَرِيبُ)) بَدَلَ: ((الرَّقِيبُ))، وَرُوِيَ: ((أَلْمُبِينُ)) - بِالْمُؤَخَّدَةِ - بَدَلَ:
((اُلْمَتِينُ)) بِالْمُثَنَّةِ فَوْقُ، وَأَلْمَشْهُورُ الْمُثَنَّةُ (١).
(١) قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في ((شرح السنة)) (٣٠٨/٣) بعد ذكر الحديث: ( يحتمل أن
يكون ذكر هذه الأسامي من بعض الرواة ، وجميع هذه الأسامي في كتاب الله ، وفي أحاديث الرسول
صلى الله عليه وسلم نصاً أو دلالة ، ولله عز وجل أسماء سوى هذه الأسامي ، أتى بها الكتاب =
١٨٧

وَمَعْنَىْ ( أَحْصَاهَا): حَفِظَهَا، هَكَذَا فَسَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ وَاَلْأَكْثَرُونَ، وَيُؤَيِّدُهُ :
أَنَّ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: ((مَنْ حَفِظَهَا .. دَخَلَ الْجَنَّةَ)) [٢٦٧٧٢] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ
مَنْ عَرَفَ مَعَانِيَهَا وَآمَنَ بِهَا، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ: مَنْ أَطَاقَهَا بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ لَهَا ،
وَتَخَلَّقَ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَعَانِيهَا(١) .
والسنة ) . منها ما جاء في حديث ابن ماجه (٣٨٦١)، وهي: ( الأبد ، الأحد ، البار ، البرهان ،
=
التام ، الجميل ، الحافظ ، الدائم، ذو القوة ، الراشد ، الرب ، السامع ، الصادق ، العالم ،
الفاطر ، القائم ، القاهر ، القديم ، الكافي ، المعطي ، المنير ، الواقي ، الوتر ) . وجاء أيضاً في
كتاب (( الجامع الأقصى في أسماء الله الحسنى)) زيادة أسام أخر، وهي: ( الأبدي ، الأجود ،
الأحكم ، الأرحم ، الأزلي ، الأعلى ، الأكرم ، الإله ، البادىء ، البالغ ، الجواد ، الحنان ،
الحبيّ ، الخلاّق ، الدهر ، الديّان ، ذات الله ، ذو الجبروت ، ذو الطول ، ذو العرش ، ذو العزة ،
ذو العظمة ، ذو الفضل ، ذو الكبرياء ، ذو المعارج ، ذو الملكوت ، ذو الملك والملكوت ،
الرازق ، الرفيع ، رفيع الدرجات ، الرفيق ، رمضان ، زين السماوات والأرض ، السُّوح ، السِّير ،
السخي ، سريع الحساب ، السيد ، الشافي ، الشاكر ، الشاهد ، الشخص ، الشديد ، شديد
العقاب ، الشيء ، الصانع ، صريخ المستصرخين ، الطاهر ، الطبيب ، الطيب ، العلاّم ، الفاخر ،
الغالب ، الغيور ، الفاتح ، الفارج ، الفالق ، الفرد ، كاشف الكرب ، الكفيل ، المالك ، مالك يوم
الدين ، مؤنس كل وحيد ، المتكلم ، المثيب ، مجري السحاب ، المجمِّل ، المحسن ، المحيط ،
مخرج الحي من الميت ، مخرج الميت من الحي ، المدبر ، المريد ، المروّح عن المغمومين ،
المستعان ، مصرف القلوب ، المطهر ، المفرِّج ، المفضّل ، المفضِل ، مقلب القلوب ، المليك ،
منتهى العابدين ، منجي الغرقي ، المنزل ، المنزُّل ، المنشء ، المنعم ، منقذ الهلكى ، المنان ،
المنيب ، الموجود ، مولج الليل في النهار ، مولج النهار في الليل ، المولى ، المهلك ، النصير ،
النظيف ، الوافي ، الوفي ، هو (( عند الصوفية))) .
(١) في هامش (ب): ( بلغ أبو العباس وفقه الله تعالى قراءة ومقابلة، ولله الحمد . كتبه ابن العطار ) .
١٨٨

٢ - كِتَابُ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ
أَعْلَمْ: أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآَنِ هِيَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ (١)، وَأَلْمَطْلُوبُ: الْقِرَاءَةُ
بِالتَّدَبُرِ، وَلِلْقِرَاءَةِ آدَابٌ وَمَقَاصِدُ، وَقَدْ جَمَعْتُ قَبْلَ هَذَا فِيهَا كِتَاباً مُخْتَصَراً ،
مُشْتَمِلاً عَلَى نَفَائِسَ مِنْ آدَابِ الْقُرَّاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَصِفَاتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، لَاَ يَنْبَغِي
الِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَخْفَىْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ(٢)، وَأَنَا أُشِيرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَى مَقَاصِدَ مِنْ
ذَلِكَ مُخْتَصَرَةٍ ، وَقَدْ دَلَلْتُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَإِيضَاحَهُ عَلَى مَظِنَّتِهِ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
فَضَ [في الكلام عن ختم القرآن في مدة معينة] :
يَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَىْ تِلاَوَتِهِ لَيْلاً وَنَهَاراً، سَفَراً وَحَضَراً، وَقَدْ كَانَتْ لِلسَّلَفِ -
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَخْتِمُونَ فِيهِ ؛ فَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ
يَخْتِمُونَ فِي كُلِّ شَهْرَينٍ خَتْمَةً ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَتْمَةً ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ
عَشْرِ لَيَالٍ خَتْمَةً ، وَآخَرُونَ فِي ثَمَانِ لَيَالٍ خَتْمَةً ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ سَبْعٍ لَيَالٍ -
وَهَذَا فِعْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ - وَآخَرُونَ فِي كُلِّ سِتِّ لَيَالٍ، وَآخَرُونَ فِي
خَمْسٍ ، وَآخَرُونَ فِي أَرْبَعِ ، وَكَثِرُونَ فِي كُلِّ ثَلاَثٍ ، وَكَانَ كَثِيرُونَ يَخْتِمُونَ فِي
كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَةً، وَخَتَمَ جَمَاعَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَتَيْنِ ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ
يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلاَثَ خَتَمَاتٍ ، وَخَتَمَ بَعْضُهُمْ فِي الْيَوْمِ وَالَّيْلَةِ ثَمَانٍ خَتَمَاتٍ : أَرْبَعاً فِي
اللَّيْلِ ، وَأَرْبَعاً فِي النَّهَارِ .
(١) لأن القرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه الفكر والتأمل في لطف مبانيه والعمل بما فيه ، فكان
الاشتغال به أفضل . نعم ؛ ما ورد من الذكر مختصاً بمكانٍ أو زمانٍ أو حالٍ كأذكار الطواف وليلة
الجمعة وحال النوم .. فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالتلاوة. ((الفتوحات)) (٢٢٧/٣).
(٢) وقد سمّاه: ((التبيان في آداب حملة القرآن))، وهو مطبوع متداول.
١٨٩

وَمِمَّنْ خَتَمَ أَرْبَعاً فِي اللَّيْلِ وَأَرْبَعاً فِي النَّهَارِ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ أَبْنُ الْكَاتِبِ الصُّوفِيُّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَهَذَا أَكْثَرُ مَا بَلَغَنَا فِي الْيَوْمِ وَاَللَّيْلَةِ .
٣١٠ - وَرَوَى السَّيِّدُ الْجَلِيلُ أَحْمَدُ الدَّوْرَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ - مِنْ
عُبَّادِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - : أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ،
وَيَخْتِمُهُ أَيْضاً فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَيَخْتِمُهُ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي
رَمَضَانَ خَتْمَتَيْنِ وَشَيْئاً، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْعِشَاءَ فِي رَمَضَانَ إِلَى أَنْ يَعْضِيَ رُبُعُ
اللَّيْلِ ، [وانظر الملحق
٣١١ - وَرَوَى أَبْنُ أَبِي دَاوُودَ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ: أَنَّ مُجَاهِداً - رَحِمَهُ اللهُ - كَانَ
يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (١).
وَأَمَّا الَّذِينَ خَتَمُوا الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ .. فَلاَ يُحْصَوْنَ؛ لِكَثْرَتِهِمْ ، فَمِنْهُمْ
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ(٢).
وَأَلْمُخْتَارُ : أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِأَخْتِلاَفِ الْأَشْخَاصِ ، فَمَنْ كَانَ يَظْهَرُ لَهُ بِدَقِيقِ
اَلْفِكْرِ لَطَائِفُ وَمَعَارِفُ .. فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرِ يَحْصُلُ لَهُ مَعَهُ كَمَالُ فَهْمِ مَا يَقْرَأُ ،
وَكَذَا مَنْ كَانَ مَشْغُولاً بِنَشْرِ الْعِلْمِ، أَوْ فَصْلِ الْحُكُومَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ غَيْرِ
ذَلِكَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ .. فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَذَرِ
لاَ يَحْصُلُ بِسَبَبَهِ إِخْلاَلٌ بِمَا هُوَ مُرْصَدٌ لَهُ ، وَلاَ فَوَاتُ كَمَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ
هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ .. فَلْيَسْتَكْثِرْ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى حَدِّ الْمَلَلِ أَوِ الْهَذْرَمَةِ
فِي الْقِرَاءَةِ .
تنبيه : هذا والذي قبله وما في معناه .. من أنواع الكرامات ؛ وهو المباركة في الوقت بحيث يجري فيه
(١)
من الخير ما لا يجري فيما هو أطول منه ، ومنه ما نقل أَنَّ المصنف نفع الله به وزّعت مؤلفاته من يوم
ولادته إلى يوم وفاته كل يوم كراساً كتابةً وتأليفاً. ((الفتوحات)) (٢٣٣/٣).
(٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (١٦٠/٣): (لم ينقله أبو عبيد - أي:
في (( فضائل القرآن)) - ولا ابن أبي داوود في (( كتابيهما)) عن غير هؤلاء الثلاثة ، فكأن الشيخ أراد
بالكثرة من جاء بعدهم ) .
١٩٠

وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَلْخَتْمَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ :
٣١٢ - مَا رَوَيْنَاهُ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((التِّرْمِذِيِّ)»
وَ((النَّسَائِيِّ)) وَغَيْرِهَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ))(١)
[د ١٣٩٠ - ت٢٩٤٩ - سك ٨٠١٣].
وَأَمَّا وَقْتُ الِبْتِدَاءِ وَالْخَتْمِ .. فَهُوَ إِلَىْ خِيرَةِ الْقَارِىءِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْتِمُ فِي
اَلْأُسْبُوعِ مَرَّةً .. فَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَبْتَدِىءُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَخْتِمُ لَيْلَةَ
الْخَمِيسِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي ((الْإِحْيَاءِ)) [٢٧٦/١]: (الْأَفْضَلُ أَنْ يَخْتِمَ
خَتْمَةً بِاللَّيْلِ ، وَأُخْرَى بِالنَّهَارِ ، وَيَجْعَلَ خَتْمَةَ النَّهَارِ يَوْمَ آلْإِثْنَيْنِ فِي رَكْعَتَي أَلْفَجْرِ
أَوْ بَعْدَهُمَا، وَيَجْعَلَ خَتْمَةَ اللَّيْلِ لَيْلَةَ أَلْجُمُعَةِ فِي رَكْعَتَي الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهُمَا ؛
لِيَسْتَقْبِلَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ).
٣١٣ - رَوَى أَبْنُ أَبِي دَاوُودَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ : ( كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ أَلنَّهَارِ ) .
٣١٤- وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ الْإِمَامِ قَالَ: (مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ
أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَارِ .. صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَأَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ
مِنَ اللَّيْلِ .. صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ ). وَعَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ .
٣١٥ - وَرَوَيْنَا فِي « مُسْنَدِ آلْإِمَامِ الْمُجْمَعِ عَلَى حِفْظِهِ وَجَلَالَتِهِ وَإِنْقَانِهِ وَبَرَاعَتِهِ
أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ)» - رَحِمَهُ اللهُ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
(١) جعلت الثلاث غاية في ذلك؛ لأنها محتملة للتدبر والفهم، أما من أراد فهم معناه على حقيقته .. فقد
يمضي عمره في فهم آية ولا يحيط بها ولا ببعضها . هذا كلّه في تفهم معانيه ، أما الثواب على
قراءته .. فحاصل لمن قرأه، سواء فهمه أم لا؛ للتعبد بلفظه. ((الفتوحات)) (٢٣٦/٣).
١٩١

( إِذَا وَافَقَ خَتْمُ الْقُرْآنِ أَوَّلَ اللَّيْلِ .. صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَإِنْ وَافَقَ
خَتْمُهُ آخِرَ اللَّيْلِ .. صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ ) ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: هَذَا
حَسَنٌ عَنْ سَعْدٍ [مي ٣٥٢٦ وانظر الملحق] .
فَضََّّ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَارَةِ لِلْقِرَاءَةِ :
أَعْلَمْ : أَنَّ أَفْضَلَ أَلْقِرَاءَةِ مَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ
رَحِمَهُمُ اللهُ : أَنَّ تَطْوِيلَ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ بِالْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ السُّجُودِ
وَغَيْرِهِ .
وَأَمَّا أَلْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ .. فَأَفْضَلُهَا قِرَاءَةُ اللَّيْلِ، وَالنَّصْفُ الْأَخِيرُ مِنْهُ
أَفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلِ (١)، وَاَلْقِرَاءَةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَأَلْعِشَاءِ مَحْبُوبَةٌ .
وَأَمَّا قِرَاءَةُ النَّهَارِ .. فَأَفْضَلُهَا مَا بَعْدَ صَلَةِ الصُّبْحِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي
وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ، وَلاَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْىِ عَنِ الصَّلاَةِ .
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبْنُ أَبِي دَاوُودَ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ مُعَانِ بْنِ رِفَاعَةَ رَحِمَهُ اللهُ، عَنْ
مَشْيَخَةٍ : ( أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْقِرَاءَةَ بَعْدَ أَلْعَصْرِ وَقَالُوا: إِنَّهَا دِرَاسَةُ يَهُودَ) .. فَغَيْرُ
مَقْبُولٍ وَلاَ أَصْلَ لَهُ .
وَيَخْتَارُ مِنَ الْأَيَّامِ: أَلْجُمُعَةَ، وَأَلْإِثْنَيْنِ، وَأَلْخَمِيسَ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ ، وَمِنَ
اُلْأَعْشَارِ : الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَلْعَشْرَ أَلْأَخِيرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمِنَ
الشُّهُورِ : رَمَضَانَ .
فَضْكُ فِي آدَابِ أَلْخَتْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ :
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَتْمَ لِلْقَارِىءِ وَحْدَهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي صَلاَةٍ .
(١) لأن فيه التجليات الإلهية، وفيه ساعة الإِجابة ، وقياساً على صلاةِ النفل؛ إِذ هو فيه أفضل منه في
النصف الأول. ((الفتوحات)) (٢٤٠/٣).
١٩٢

وَأَمَّا مَنْ يَخْتِمُ فِي غَيْرِ صَلَاَةٍ وَالْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَخْتِمُونَ مُجْتَمِعِينَ .. فَيُسْتَحَبُّ
أَنْ يَكُونَ خَتْمُهُمْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ يَوْم الْخَتْمِ إِلَّ أَنْ يُصَادِفَ يَوْماً نَهَى الشَّرْعُ عَنْ صِيَامِهِ ؛ وَقَدْ
صَحَّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَالْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ وَحَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتِ التَّابِعِيِّينَ
الْكُوفِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللهُ أَجْمَعِينَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصْبِحُونَ صِيَاماً أَلْيَوْمَ أَلَّذِي يَخْتِمُونَ
فِيهِ(١) .
وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ مَجْلِسٍ الْخَتْمِ لِمَنْ يَقْرَأُ وَلِمَنْ لاَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ.
٣١٦- فَقَدْ رَوَيْنَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمَرَ الْخُيَّصَ بِالْخُرُوجِ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ) [خ٣٢٤-
م٨٩٠ / ١٢] .
٣١٧ - وَرَوَيْنَا فِي (( مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كَانَ
يَجْعَلُ رَجُلاً يُرَاقِبُ رَجُلاً يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ . . أَعْلَمَ أَبْنَ عَبَّاسٍ ؛
فَيَشْهَدُ ذَلِكَ [مي ٣٥١٥ وانظر الملحق] .
٣١٨- وَرَوَى أَبْنُ أَبِي دَاوُودَ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ (٢)، عَنْ قَتَادَةَ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ
آلْإِمَامِ صَاحِبٍ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِذَا خَتَمَ
اَلْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا [وانظر الملحق].
(١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (٣/ ١٧٠): ( أخرجه أبو بكر بن أبي
داوود) أي: في كتاب ((شريعة المقارىء))، ثم ذكر سنده، وقال: ( وهذا السند على شرط
الصحيح)، وأخرج حديث المسيب بن رافع ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (١٦٩/٧). وكأن
الحكمة في فعلهم وصيامهم يوم الختم : شكر نعمة تيسير ذلك ، والتوصل إِلى تعدد أسباب إِجابة
الدعاء. ((الفتوحات)) ( ٢٤٣/٣).
(٢) في كتاب ((شريعة المقارىء))، ورواه أيضاً الدارمي (٣٥١٧)، والطبراني في ((الكبير))
(٢٤٢/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٠٧٠) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦٩/٧)، وابن
الضُّرَيْس في ((فضائل القرآن)) (٨٤ ).
١٩٣

٣١٩ - وَرَوَى بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - بِالنَّاءِ الْمُثَنَّةِ فَوْقُ ، ثُمَّ
الْمُثَنَّةِ تَحْتُ، ثُمَّ أَلْبَاءُ الْمُؤَخَّدَةُ - التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ الْإِمَامِ قَالَ: ( أَرْسَلَ إِلَيَّ
مُجَاهِدٌ وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ فَقَالاَ: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ؛ لِأَنَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْتِمَ اَلْقُرْآنَ ،
وَالدُّعَاءُ يُسْتَجَابُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ ) ، وَفِي بَعْضٍ رِوَايَاتِهِ الصَّحِيحَةِ: (وَأَنَّهُ كَانَ
يُقَالُ: إِنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عِنْدَ خَاتِمَةِ الْقُرْآنِ)(١).
٣٢٠- وَرَوَىْ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ خَتْم
اُلْقُرْآنِ؛ يَقُولُونَ: تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ) .
فَضَكَآ في استحباب الدعاء عقب الختم] :
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عَقِبَ الْخَتْمِ اسْتِحْبَاباً مُتَأَكِّداً تَأْكِيداً شَدِيداً؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
٣٢١ - وَرَوَيْنَا فِي (( مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ)) عَنْ حُمَيْدِ الْأَعْرَجِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: ( مَنْ
قَرَّأَ اُلْقُرْآنَ ثُمَّ دَعَا .. أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ أَرْبَعَةُ آلآفِ مَلَكِ ) [مي ٣٥٢٤ وانظر الملحق].
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِالْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ ،
وَأَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ ذَلِكَ أَوْ كُلُّهُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ(٢)، وَصَلاَحِ
سُلْطَانِهِمْ وَسَائِرٍ وُلاَةٍ أُمُورِهِمْ، وَفِي تَوْفِيقِهِمْ لِلطَّاعَاتِ، وَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ،
وَتَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىُ، وَقِيَامِهِمْ بِالْحَقِّ وَأَجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ ، وَظُهُورِهِمْ عَلَى
أَعْدَاءِ الدِّينِ وَسَائِرِ الْمُخَالِفِينَ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى أَحْرُفٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ (( آدَابِ
اَلْقُرَّاءِ ))(٣) ، وَذَكَرْتُ فِيهِ دَعَوَاتٍ وَجِيزَةً ، مَنْ أَرَادَهَا .. نَقَلَهَا مِنْهُ.
(١) أخرجه الدارمي (٣٥٢٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦٩/٧)، والبيهقي في ((الشعب))
(٢٠٧٢) وابن الضَّرَيْس في ((فضائل القرآن)) ( ٨٦).
(٢) أما الدعاء للمسلمين .. فلما فيه من أداء حقهم الناشىء عما قام عنده من عظيم الشفقة ومزيد الرحمة
مع ما فيه من إِجابة الدعاء ؛ ففي الحديث: (( دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند
رأسه ملك موكل ، كلما دعا لأخيه بخير .. قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل)) رواه مسلم
(٢٧٣٣). ((الفتوحات)) (٢٤٧/٣).
(٣) انظر ((التبيان)) (ص ١٥٩).
١٩٤

وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْخَتْمَةِ . . فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى مُتَّصِلاً بِالْخَتْمِ ؛ فَقَدِ
اُسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ، وَأَحْتَجُوا فِيهِ :
٣٢٢ - بِحَدِيثِ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( خَيْرُ الْأَعْمَالِ .. الْحَلُّ وَأَلُّحْلَةُ))، قِيلَ: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: ((أَفْتِتَاحُ الْقُرْآنِ
وَخَتْمُهُ )) [وانظر الملحق] .
فَضَلُ فِيمَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ وَوَظِيفَتِهِ الْمُعْتَادَةِ :
٣٢٣ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ
مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ اُلُّهْرِ .. كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ)) (١)
[م٧٤٧] .
فَضَُّّ فِي الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ :
٣٢٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ،
فَوَ الَّذِي نَفْسٌ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ؛ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّاً مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا))(٢) [خ٥٠٣٣-٧٩١٢].
٣٢٥- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبٍ أَلْقُرْآنِ كَمَثَلِ الْأِبِلِ
اَلْمُعَقَّلَةِ؛ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا .. أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا .. ذَهَبَتْ)) [خ ٥٠٣١- م٧٨٩] .
٣٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
(١) تقدم برقم ( ١٣).
(٢) العقال : الحبل الذي يعقل به البعير حتى لا يند ولا يشرد، شبه القرآن في حفظه بدوام تكراره ببعير
أحكم عقاله ، ثم أثبت له التفلتُ - الذي هو من صفات المشبه به - أشدُّهُ وأبلغُهُ ؛ تحريضاً على مداومة
تعهده وعدم التفريط في شيءٍ من حقوقه. ((الفتوحات)) (٢٥٠/٣).
١٩٥

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى
اُلْقَذَاةُ(١) يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي .. فَلَمْ أَرَ ذَنْباً
أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوْنِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا))(٢) تَكَلَّمَ اُلِّرْمِذِيُّ فِیهِ
[دا ٤٦ - ت٢٩١٦ وانظر الملحق] .
٣٢٧ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ)) عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَرَّأَ اَلْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ ..
لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ)) [«١٤٧٤ - مي ٣٣٨٣].
فَضَلْ فِي مَسَائِلَ وَآدَابٍ يَنْبَغِي لِلْقَارِىءِ الاِعْتِنَاءُ بِهَا :
وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدّاً، نَذْكُرُ مِنْهَا أَطْرَافاً مَحْذُوفَةَ الْأَدِلَّةِ؛ لِشُهْرَتِهَا، وَخَوْفَ
آلْإِطَالَةِ الْمُمِلَّةِ بِسَبِيِهَا .
فَأَوَّلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ : الْإِخْلاَصُ فِي قِرَاءَتِهِ ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهَا اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ،
وَأَلاَ يَقْصِدَ بِهَا تَوَصُّلاً إِلَى شَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَأَذَّبَ مَعَ الْقُرْآنِ، وَيَسْتَحْضِرَ
فِي ذِهْنِهِ أَنَّهُ يُنَاجِي اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَتْلُو كِتَابَهُ، فَيَقْرَأُ عَلَى حَالٍ مَنْ يَرَى اللهَ
تَعَالَىُ ؛ فِإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ . . فَإِنَّ اللهَتَعَالَى يَرَاهُ .
فَضَ [في الاستياك لقراءة القرآن وكيفيته] :
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَلْقِرَاءَةَ: أَنْ يُنَظِّفَ فَمَهُ بِالسِّوَاكِ وَغَيْرِهِ ، وَأَلِاخْتِيَارُ فِي
السِّوَاكِ أَنْ يَكُونَ بِعُودِ الْأَرَاكِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِيدَانِ، وَبِالسُّعْدِ ،
القذاة : ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك .
(١)
(٢) لمَّا عدَّ إِخراج القذاة من الحسنات تعظيماً لبيت الله تعالى .. عدَّ أيضاً النسيان من أعظم الجرم ، تعظيماً
لكلامه سبحانه، فكأنَّ فاعل ذلك عدَّ الحقير عظيماً بالنسبة إِلى العظيم فأزاله عنه ، وصاحب هذا عدّ
العظيم حقيراً فأزاله عن قلبه . فانظر إلى هذه الأسرار العجيبة التي احتوتها هذه الكلمات اليسيرة ،
والحمد لله الذي هدانا لهذه الآية. ((الفتوحات)) (٢٥٢/٣).
١٩٦

وَأَلْأُشْنَانِ، وَالْخِرْقَةِ الْخَشِنَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَظَّفُ (١) ، وَفِي حُصُولِهِ بِالْإِصْبَعِ
اُلْخَشِنَةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَشْهَرُهَا عِنْدَهُمْ: لاَ يَحْصُلُ ، وَالثَّانِي :
يَحْصُلُ ، وَالثَّالِثُ: يَحْصُلُ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ، وَلاَ يَحْصُلُ إِنْ وَجَدَ .
وَيَسْتَاكُ عَرْضاً مُبْتَدِئاً بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ ، وَيَنْوِي بِهِ أَلْإِنْيَانَ بِالسُّنَّةِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَ: يَقُولُ عِنْدَ السِّوَاكِ: ( اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لِي فِيهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ).
وَيَسْتَاكُ فِي ظَاهِرِ اْلْأَسْنَانِ وَبَاطِنِهَا، وَيُمِرُ السِّوَاكَ عَلَى أَطْرَافِ أَسْنَانِهِ
وَكَرَاسِيٍّ أَضْرَاسِهِ وَسَقْفِ حَلْقِهِ إِمْرَاراً لَطِيفاً، وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ مُتَوَسِّطٍ ، لَاَ شَدِيدٍ
اُلْيُوسَةِ وَلاَ شَدِيدِ الِّينِ ، فَإِنِ اشْتَدَّ يُّبْسُهُ .. لَيَّنَّهُ بِالْمَاءِ .
أَمَّا إِذَا كَانَ فَمُهُ نَجِساً بِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ .. فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ قَبْلَ غَسْلِهِ(٢) ،
وَهَلْ يَحْرُمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَكُهُمَا: لاَ يَحْرُمُ، وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ .
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ بَقَايَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْفُصُولِ الَّتِي قَدَّمْتُهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ .
فَضَ [في تدبر القرآن واستحباب البكاء والتباكي في قراءته] :
يَنْبَغِي لِلْقَارِىِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ الْخُشُوعَ وَالنَّدَبُّرَ وَالْخُضُوعَ(٣)، فَهَذَا هُوَ
الْمَقْصُودُ الْمَطْلُوبُ، وَبِهِ تَنْشَرِعُ الصُّدُورُ وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ ، وَدَلاَئِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ
تُخْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَقَدْ بَاتَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَتْلُو الْوَاحِدُ مِنْهُمْ آيَةً
وَاحِدَةً لَيْلَةً كَامِلَةً أَوْ مُعْظَمَ لَيْلَةٍ يَتَدَبَّرُهَا، وَصَعِقَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ عِنْدَ أَلْقِرَاءَةِ ،
وَمَاتَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ .
(١) وأولاه بعد الأراك النخل؛ لأنه آخر سواك استاك به صلى الله عليه وسلم، وصح أنه كان أراكاً ، لكن
الأول أصح، أو كل راوٍ قال بحسب علمه، أو وقع كلا الأمرين في ذلك الزمن. ((الفتوحات))
(٢٥٧/٣) .
(٢) ينبغي أن محل كراهة ذلك ما لم تعم به بلوى اللَّثَات ، وإلا: فلو بلي إِنسان بجريان الدم من لِثَّته ..
فينبغي عدم الكراهة. ((الفتوحات)) (٢٥٩/٣).
(٣) أي: سكون القلب والتذلل به للرب. ((الفتوحات)) (٢٦٠/٣).
١٩٧

وَيُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ وَاُلْتَّبَاكِي لِمَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْبُكَاءِ؛ فَإِنَّ الْبُكَاءَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ
صِفَةُ الْعَارِفِينَ، وَشِعَارُ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْفَانِ
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خَشُوعًا﴾، وَقَدْ ذَكَرْتُ آثاراً كَثِيرَةً وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ فِي ((اٌلْتِّبْيَانِ
فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ ))(١) .
قَالَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ صَاحِبُ الْكَرَامَاتِ وَالْمَعَارِفِ وَالْمَوَاهِبِ وَاللَّطَائِفِ إِبْرَاهِيمُ
اُلْخَوَّاصُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ : قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ ،
وَخَلاَءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ الَّيْلِ، وَالنَّضَرُعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ)(٢).
فَضَرٌ [في أفضلية قراءة القرآن في المصحف على القراءة من الحفظ] :
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ حِفْظِهِ (٣)، هَكَذَا قَالَهُ
أَصْحَابْنَا، وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنِ السَّلَفِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ ،
بَلْ إِنْ كَانَ الْقَارِىءُ مِنْ حِفْظِهِ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ النَّدَبُرِ وَالْفِكْرِ وَجَمْع الْقَلْبِ وَالْبَصَرِ
أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ .. فَالْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ أَفْضَلُ ، وَإِنِ أُسْتَوَيَا ..
فَمِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ، وَهَذَا مُرَادُ السَّلَفِ .
فَضَكُ [في رفع الصوت بالقراءة والإسرار بها] :
جَاءَتْ آثَارٌ بِفَضِيلَةِ رَفْع الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، وَآثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْإِسْرَارِ ، قَالَ
اُلْعُلَمَاءُ: وَأَلْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْإِسْرَارَ أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ
يَخَافُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفِ الرِّيَاءَ .. فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، بِشَرْطِ أَلَّ يُؤْذِيَ غَيْرَهُ؛ مِنْ
مُصَلِّ أَوْ نَائِمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا .
(١) انظر ((التبيان)) (ص ٨٥-٨٧).
(٢) ((الرسالة القشيرية)) (ص ٤٠).
(٣) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((المجموع)) (١٨٩/٢): (لأنها تجمع القراءة والنظر في
المصحف وهو عبادة أخرى ، كذا قاله القاضي حسين وغيره من أصحابنا ، ونص عليه جماعات من
السلف ، ولم أر فيه خلافاً ) .
١٩٨

وَدَلِيلُ فَضِيلَةِ الْجَهْرِ : أَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ،
وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِىءِ ، وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى أَلْفِكْرِ ، وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ
يَطْرُدُ النَّوْمَ ، وَيَزِيدُ فِي النَّشَاطِ ، وَيُوقِظُ غَيْرَهُ مِنْ نَائِمِ وَغَافِلٍ وَيُنَشِّطُهُ ، فَمَتَى
حَضَرَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّيَاتِ . . فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ .
فَضْل في بيان ما يستحب في القراءة وما يحرم] :
وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، وَتَزْبِينُهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ
بِالتَّمْطِيطِ، فَإِنْ أَفْرَطَ حَتَّى زَادَ حَرْفاً أَوْ أَخْفَى حَرْفاً . . فَهُوَ حَرَامٌ .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ .. فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ: إِنْ أَفْرَطَ .. فَحَرَامٌ، وَإِلاَ ..
فَلاَ، وَاَلْأَحَادِيثُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْسِينِ الصَّوْتِ كَثِرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ
وَغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي (( آدَابِ الْقُرَّاءِ)) قِطْعَةً مِنْهَا(١) .
فَصَ في بيان ما يستحب للقارىء إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف] :
وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَارِىءِ إِذَا ابْتَدَأَ مِنْ وَسَطِ السُّورَةِ .. أَنْ يَبْتَدِىءَ مِنْ أَوَّلِ اَلْكَلاَم
اَلْمُرْتَبطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَفَ .. يَقِفُ عَلَى الْمُرْتَبطِ وَعِنْدَ أَنْتِهَاءِ
اُلْكَلاَمِ ، وَلاَ يَتَفَيَّدُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلاَ فِي الْوَقْفِ بِالْأَجْزَاءِ وَالْأَحْزَابِ وَالْأَعْشَارِ ؛ فَإِنَّ
كَثِيراً مِنْهَا فِي وَسَطِ الْكَلاَمِ الْمُرْتَبِطِ، وَلاَ يَغْتَرُ الْإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ لِهَذَا الَّذِي
نَهَيْنَا عَنْهُ مِمَّنْ لاَ يُرَاعِي هَذِهِ أُلآدَابَ، وَأَمْتَثِلْ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ أَبُو عَلِيٍّ
اَلْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( لاَ تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا، وَلاَ
تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ أَلْهَاِلِكِينَ )(٢) .
وَلِهَذَا أَلْمَعْنَى قَالَ الْعُلَمَاءُ: قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِكَمَالِهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ قَدْرِهَا مِنْ
(١) انظر ((التبيان)) (ص ١٠٩).
(٢) أخرجه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٢٤٠)، من طريق أبي عبد الله الحاكم ، وأخرج نحوه من قول
سفيان ( ٢٣٨ و٢٣٩).
١٩٩

سُورَةٍ طَوِيلَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى الإِرْتِبَاطُ عَلَى كَثِرٍ مِنَ النَّاسِ ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ فِي بَعْضٍ
اُلْأَحْوَالِ وَالْمَوَاطِنِ .
فَضْكٌ [في بيان بدعة منكرة يفعلها كثيرون من جهلة المصلين] :
وَمِنَ أَلْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنْ جَهَلَةِ الْمُصَلِّينَ بِالنَّاسِ التَّرَاوِيحَ ؛ مِنْ
قِرَاءَةِ ( سُورَةِ أَلْأَنْعَام ) بِكَمَالِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مُعْتَقِدِينَ
أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، زَاعِمِينَ أَنَّهَا نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، فَيَجْمَعُونَ فِي فِعْلِهِمْ هَذَا أَنْوَاعاً
مِنَ الْمُنْكَرَاتِ : مِنْهَا : أَعْتِقَادُهَا مُسْتَحَبَّةً، وَمِنْهَا: إِبِهَامُ الْعَوَامِّ ذَلِكَ، وَمِنْهَا :
تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَمِنْهَا: التَّطْوِيلُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَمِنْهَا:
هَذْرَمَةُ الْقِرَاءَةِ ، وَمِنْهَا: الْمُبَالَغَةُ فِي تَخْفِيفِ الرَّكَعَاتِ قَبْلَهَا .
فَضَكْ [في جواز أن يقال سورة البقرة أو قراءة فلان أو نحو ذلك] :
يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ ) ، وَ( سُورَةُ آلٍ عِمْرَانَ) ، وَ( سُورَةٌ
النِّسَاءِ ) ، وَ( سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ)، وَكَذَلِكَ أَلْبَاقِي، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ
بَعْضُ السَّلَفِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ ، وَأَلَّتِي
يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَكَذَلِكَ أَلْبَاقِي، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرٍ عُلَمَاءِ
الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُخْصَرَ ، وَكَذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ .
وَكَذَلِكَ لاَ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو، أَوْ قِرَاءَةُ أَبْنِ كَثِيرٍ
وَغَيْرِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ ، وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: ( كَانُوا يَكْرَهُونَ :
سُنَّةُ فُلاَنٍ ، وَقِرَاءَةُ فُلاَنٍ )(١)، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
(١) أخرجه ابن حزم في ((الإِحكام)) (٤ / ٦٠٧)، وأخرجه ابن أبي داوود كما قاله الحافظ ابن حجر
رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (٢٣٥/٣)، وقال: ( إِسناده صحيح إِليه ) .
٢٠٠