النص المفهرس

صفحات 121-140

الصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَهُ: ( اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً، وَأَعْظِمْ لِي
بِهَا أَجْراً، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْراً ، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ أَيْضاً: ﴿ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيَِّ لَمَفْعُولًا﴾ نَصَّ الشَّافِعِيُّ
عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَيْضاً(١) .
١٥٤ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنٍ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( النَّسَائِّ)) عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
بِاللَّيْلِ: ((سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)) ، قَالَ
التِّرْ مِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ [١٤١٤٥ - ت٥٨٠ - س٢٢٢/٢ وانظر الملحق] .
زَادَ الْحَاكِمُ: (( فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) ، قَالَ: وَهَذِهِ أُلزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ
عَلَى شَرْطِ ((الصَّحِيحَيْنِ)) [ك٢٢٠/١].
١٥٥ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((آللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً ... )) إِلَى آخِرِهِ .. فَرَوَاهُ
التِّرْمِذِيُ مَرْفُوعاً مِنْ رِوَايَةِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِإِسْنَادِ حَسَنِ ، وَقَالَ
اُلْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ [ت ٥٧٩_ ٢١٩/١٥]، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٩ - بَابُ مَا يَقُولُ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَیْنِ
السُّنَّةُ: أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ حِينٍ يَبْتَدِىءُ بِالرَّفْعِ، وَيَمُدَّ التَّكْبِيرَ إِلَى أَنْ يَسْتَوِيَ
جَالِساً، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ، وَالْخِلاَفَ فِي مَدِّهَا، وَأَلْمَدَّ الْمُبْطِلَ
لَهَا ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ وَأَسْتَوَى جَالِساً .. فَالسُّنَّةُ أَنْ يَدْعُوَ :
١٥٦ - بِمَا رَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَنٍ أَبِي دَاوُودَ )) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) وَ((النَّسَائِيِّ))
وَ( الْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهَا عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي صَلَةِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ، وَقِيَامِهِ الطَّوِيلِ بِـ( الْبَقَرَةِ) وَ(النِّسَاءِ) وَ( آلِ
(١) كذا نقله عنه في ((المجموع)) (٧٤/٤).
١٢١

عِمْرَانَ ) ، وَرُكُوعِهِ نَحْوَ قِيَامِهِ، وَسُجُودِهِ نَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ: (وَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ
السَّجْدَتَيَّنِ: ((رَبِّ؛ أَغْفِرْ لِي، رَبِّ؛ أَغْفِرْ لِي )) وَجَلَسَ بِقَذَرِ سُجُودِهِ) (١)
[٨٧٤٥ - شما٢٧٥ - سك ١٣٨٣ - هق١٠٩/٢ وانظر الملحق] .
١٥٧ - وَبِمَا رَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَّنِ اٌلْبَيْهَقِيِّ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي
حَدِيثِ مَبيتِهِ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَصَلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي اللَّيْلِ، فَذَكَرَهُ قَالَ: ( وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ .. قَالَ: (( رَبِّ ؛ أَغْفِرْ
لِي، وَأَرْحَمْنِي ، وَأَجْبُرْنِي، وَأَرْفَعْنِي، وَأَرْزُقْنِي، وَأَهْدِنِي))) [مق١٢٢/٢].
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُودَ: ((وَعَافِي))، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ [د٨٥٠]
فَضْ [في بيان هيئة التكبير وجلسة الاستراحة]:
فَإِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ .. قَالَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأُولَى سَوَاءَ ، فَإِذَا رَفَعَ
رَأْسَهُ مِنْهَا .. رَفَعَ مُكَبِّراً، وَجَلَسَ لِلإِسْتِرَاحَةِ جَلْسَةً لَطِيفَةً بِحَيْثُ تَسْكُنُ حَرَكَتُهُ
سُكُوناً بَيِّناً ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وَيَمُدُّ اُلْتَّكْبِيرَةَ الَّتِي رَفَعَ بِهَا مِنَ السُّجُودِ
إِلَى أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِماً، وَيَكُونُ أَلْمَدُّ بَعْدَ اللَم مِنْ: ( أَللهُ)، هَذَا أَصَخُ اُلْأَوْجُهِ
لِأَصْحَابِنَا، وَلَهُمْ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَرْفَعُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ وَيَجْلِسُ لِلِإِسْتِرَاحَةِ ، فَإِذَا نَهَضَ ..
كَبَّرَ ، وَوَجْهُ ثَالِثُ: أَنَّهُ يَرْفَعُ مِنَ الشُّجُودِ مُكَبِّراً، فَإِذَا جَلَسَ .. قَطَعَ التَّكْبِيرَ، ثُمَّ
يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ .
وَلَاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لاَ يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ فِي هَذَا أَلْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا :
اَلْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَخُ ؛ لِئَلَأَّ يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاَةِ عَنْ ذِكْرٍ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ جَلْسَةَ الإِسْتِرَاحَةِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ فِي (( صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ))
وَغَيْرِهِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَذْهَبُنَا أَسْتِحْبَابُهَا لِهَذِهِ السُّنَّةِ
(١) تقدم برقم (١٢٨).
١٢٢

الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ عَقِبَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا ، وَلاَ
تُسْتَحَبُّ فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ أَمْرَهَا فِي (( شَرْح
اَلْمُهَذَّبِ)) [٤٠٤/٣] بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى، وَفِي ((شَرْح مُسْلِمٍ)) [٢١٥/٤] أَيْضاً، وَلَيْسَ
مَقْصُوداً فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلاَّ بَيَانُ الْأَذْكَارِ خَاصَّةً، وَاللهُ أَعْلَمُ .
١٠ - بَابُ أَذْكَارِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ
إِعْلَمْ : أَنَّ الْأَذْكَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَىُ .. يَفْعَلُهَا كُلَّهَا فِي الثَّانِيَةِ
عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأُولَى مِنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفُرُوعِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّ
فِي أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهِيَ رُكْنٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ
الثَّانِيَةُ ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُكَبِّرُ فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّمَا التَّكْبِيرَةُ الَّتِي قَبْلَهَا لِلَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ مَعَ
أَنَّهَا سُنّةٌ .
الثَّانِي: لاَ يُشْرَعُ دُعَاءُ أَلِاسْتِفْتَاحِ فِي الثَّانِيَةِ بِخِلاَفِ الْأُولَى.
الثَّالِثُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَتَعَوَّذُ فِي الْأُولَى بِلاَ خِلاَفٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلاَفٌ ،
اُلأَصَحُ : أَنَّهُ يَتَعَوَّذُ .
الرَّابِعُ: الْمُخْتَارُ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّانِيَةِ تَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الْأُولَى ، وَفِيهِ الْخِلَفُ
اُلَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ(١) .
١١ - بَابٌ أَلْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ
إِعْلَمْ : أَنَّ أَلْقُنُوتَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ سُنَّةٌ .
١٥٨- لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ
(١) في هامش ( ب): ( بلغ الولد شهاب الدين - زاده الله توفيقاً - قراءة ومقابلة، ولله الحمد . كتبه ابن
العطار ) .
١٢٣

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ) رَوَاهُ أَلْحَاكِمُ أَبُو
عَبْدِ اللهِ فِي كِتَابِ ((أَلْأَرْبَعِينَ )) ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ عِنْدَنَا فِي الصُّبْحِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ ، لَوْ تَرَكَهُ ..
لَمْ تَبْطُلْ صَلاَتُهُ ، لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْداً أَوْ سَهْواً، وَأَمَّا غَيْرُ
الصُّبْحِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .. فَهَلْ يَقْنُتُ فِيهَا؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الأَصَحُّ الْمَشْهُورُ مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ .. قَنَتُوا ،
وَإِلاَّ .. فَلاَ (١)، وَالثَّانِي: يَقْتُنُونَ مُطْلَقاً، وَالثَّالِثُ: لاَ يَقْنُونَ مُطْلَقاً، وَاللهُ
أَعْلَمُ .
وَيُسْتَحَبُّ أَلْقُنُوتُ عِنْدَنَا فِي النَّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الرَّكْعَةِ
اَلْأَخِيرَةِ مِنَ الْوَتْرِ، وَلَنَا وَجْهُ: أَنْ يَقْنُتَ فِيهَا فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَوَجْهٌ
ثَالِثٌ: فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا هُوَ
اُلْأَوَّلُ ، وَاللهُ أَعلَمُ .
فَضَّ [في محل القنوت وما ورد في ألفاظه من آثار] :
◌ِعْلَمْ: أَنَّ مَحلَّ الْقُنُوتِ عِنْدَنَا فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ
الثَّانِيَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ : يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ .
قَالَ أَصْحَابْنَا: فَلَوْ قَنَتَ شَافِعِيٌّ قَبْلَ الرُّكُوعِ .. لَمْ يُحْسَبْ لَهُ عَلَى الأَصَحِّ ،
وَلَنَا وَجْهُ: أَنَّهُ يُحْسَبُ، وَعَلَى الْأَصَحِّ: يُعِيدُهُ بَعْدَ الزُّكُوعِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ،
وَقِيلَ : لاَ يَسْجُدُ .
وَأَمَّا لَفْظُهُ : فَأَلاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ :
(١) قوله : ( نازلة ) أي : نازلة عامة ، أو خاصة في معنى العامة ؛ لعود ضررها على المسلمين على
الأوجه ، كوباء أو طاعون ، وكأسر عالم أو شجاع ؛ الأحاديث الصحيحة [عند البخاري ٣٠٦٤،
ومسلم ٦٧٧] : ( أنه صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة ) .
((الفتوحات)) (٢٨٨/٢).
١٢٤

١٥٩ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) وَ((أَلِّرْمِذِيِّ))
وَ(( النَّسَائِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ((الْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ
اُلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي أَلْوِتْرِ : ((اللَّهُمَّ؛ أَهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ
عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ
مَا قَضَيْتَ(١) ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، تَبَارَكْتَ
رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ))) [«١٤٢٥ - ت٤٦٤- س٢٤٨/٣ -ق١١٧٨ -مق٢٠٩/٢].
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، قَالَ: وَلاَ نَعْرِفُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا .
وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ: أَنَّ مُحَمَّدَ أَبْنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ أَبْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ : (إِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الدُّعَاءُ الَّذِي كَانَ أَبِي يَدْعُو بِهِ فِي
صَلاَةِ الْفَجْرِ فِي قُنُوتِهِ ) [هق ٢٠٩/٢] .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ هَذَا الدُّعَاءِ : ( آللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ ) ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ فِي هَذَا اُلْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ حَسَنِ :
((وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ)) [س٢٤٨/٣].
قَالَ أَصْحَابْنَا: وَإِنْ قَنَتَ بِمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .. كَانَ
حَسَناً ، وَهُوَ : أَنَّهُ قَنَتَ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ : ( آللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ ،
وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ ، أَللَّهُمَّ؛ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ،
(١) قوله: ((وقني شر ما قضيت)) أي: شر الفعل الذي قضيت به عليّ، وشر ما يقترن من وسوسة
الشيطان والهوى والنفس للإِنسان حتی یمنع ثوابه إِن کان ابتلاء ، ویحمل على الاستمرار فيه إِن كان
معصية، أو يمنع كماله إِن كان طاعة. وبما تقرر علم أن لا مخالفة بين ما ذكر وبين حديث: (( والشر
ليس إليك)). ((الفتوحات)) (٢٩٥/٢).
١٢٥

وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَىْ عَذَابَكَ، إِنَّ
عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ، اللَّهُمَّ؛ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ ،
وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ،
وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَجْعَلْ فِي
قُلُوبِهِمُ الْإِمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَثَبَتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ
وَعَدُوّهِمْ، إِلَهَ الْحَقِّ، وَأَجْعَلْنَا مِنْهُمْ) (١) .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ) ؛
لِأَنَّ قِتَالَهُمْ ذَلِكَ الزَّمَانَ كَانَ مَعَ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا أَلْيَوْمَ .. فَالِاخْتِيَارُ أَنْ
يَقُولَ : (عَذِّبِ الْكَفَرَةَ ) ؛ فَإِنَّهُ أَعَمُّ .
قَوْلُهُ: (نَخْلَعُ) أَيْ: نَتَّرُكُ، وَقَوْلُهُ: ( يَفْجُرُكَ ) أَيْ : يُلْحِدُ فِي صِفَاتِكَ ،
وَقَوْلُهُ : (نَحْفِدُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ؛ أَيْ: نُسَارِعُ ، وَقَوْلُهُ: ( أَلْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ؛
أَي : أَلْحَقَّ، وَقَوْلُهُ: ( مُلْحَقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَيُقَالُ: بِفَتْحِهَا ،
ذَكَرَهُ أَبْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُهُ: ( ذَاتَ بَيْنِهِمْ) أَيْ: أُمُورَهُمْ وَمُوَاصَلاَتِهِمْ ،
وَقَوْلُهُ : (أَلْحِكْمَةَ): هِيَ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الْقَبِيحِ، وَقَوْلُهُ: ( وَأَوْزِعْهُمْ) أَيْ :
أَلْهِمْهُمْ، وَقَوْلُهُ : ( وَأَجْعَلْنَا مِنْهُمْ) أَيْ: مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ قُنُوتِ عُمَرَ وَمَا سَبَقَ ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ..
فَالْأَصَخُ : تَأْخِيرُ قُوتِ عُمَرَ، وَإِنْ أَقْتَصَرَ .. فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا
يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ مُنْفَرِداً أَوْ إِمَامَ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ ، وَاللهُ
أَعْلَمُ .
(١) أخرجه أبو داوود في ((المراسيل)) (٨٩)، والبيهقي (٢/ ٢١٠)، وعبد الرزاق (٤٩٦٨)، وابن
أبي شيبة (٢١٣/٢).
١٢٦

وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْقُنُوتَ لاَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ ، فَأَيُّ دُعَاءٍ دَعَا
بِهِ .. حَصَلَ الْقُنُوتُ، وَلَوْ قَنَتَ بِآيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى
الدُّعَاءِ .. حَصَلَ الْقُنُوتُ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ
مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ وَلاَ يُجْزِئُ غَيْرُهُ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي إِمَاماً .. أَنْ يَقُولَ: ( آللَّهُمَّ؛ أَهْدِنَا )
بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ أَلْبَاقِي، وَلَوْ قَالَ: ( أَهْدِنِي) .. حَصَلَ أَلْقُنُوتُ وَكَانَ
مَكْرُوهاً ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِمَامِ تَخْصِيصُ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ .
١٦٠ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَؤُمُ عَبْدٌ قَوْماً فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ
دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ .. فَقَدْ خَانَهُمْ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [د٩٠ - ت٣٥٧].
فَضَّكُ [في رفع اليدين في القنوت وموضع الإسرار والجهر به] :
أَخْتَلَفَ أَصْحَابْنَا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ وَمَسْحِ الْوَجْهِ بِهِمَا عَلَى ثَلاَثَةِ
أَوْجُهِ : أَصَخُهَا : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُهُمَا وَلاَ يَمْسَحُ أَلْوَجْهَ ، وَالثَّانِي : يَرْفَعُ
وَيَمْسَحُهُ ، وَالثَّالِثُ : لاَ يَمْسَحُ وَلاَ يَرْفَعُ .
وَأَتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَمْسَحُ غَيْرَ أَلْوَجْهِ مِنَ الصَّدْرِ وَنَحْوِهِ ، بَلْ قَالُوا : ذَلِكَ
مكروهٌ .
وَأَمَّا الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ وَالْإِسْرَارُ بِهِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِداً ..
أَسَرَّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ إِمَاماً .. جَهَرَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ
الْأَكْثَرُونَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسِرُ كَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ فِي الصَّلاَةِ .
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ: فَإِنْ لَمْ يَجْهَرِ أَلْإِمَامُ .. فَنَتَ سِرّاً كَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ ؛ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ
١٢٧

فِيهَا أَلْإِمَامَ سِرّاً، وَإِنْ جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقُنُوتِ: فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يَسْمَعُهُ .. أَمَّنَ عَلَىُ
دُعَائِهِ ، وَشَارَكَهُ فِي الثَّنَاءِ فِي آخِرِهِ ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَسْمَعُهُ .. قَنَتَ سِرّاً، وَقِيلَ :
يُؤَمِّنُ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ مَعَ سَمَاعِهِ ، وَالْمُخْتَارُ: أَلْأَوَّلُ .
وَأَمَّا غَيْرُ الصُّبْحِ إِذَا قَنَتَ فِيهَا - حَيْثُ نَقُولُ بِهِ - : فَإِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةَ - وَهِيَ
الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ - فَهِيَ كَالصُّبْحِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَتْ ظُهْراً أَوْ عَصْراً ..
فَقِيلَ: يُسِرُّ فِيهَا بِأَلْقُنُوتِ ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَالصُّبْحِ .
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قُنُوتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا
اُلْقُرَّاءَ بِثْرِ مَعُونَةَ .. يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ الْجَهْرَ بِأَلْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ(١) .
١٦١ - فَفِي ((صَحِيحِ أَلْبُخَارِيِّ)) فِي (بَابِ تَفْسِيرِ قَوْلِ الهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جَهَرَ بِالْقُنُوتِ فِي قُنُوتِ النَّازِلَةِ ) [خ ٤٥٦٠ وانظر الملحق] .
١٢ - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ
أعلَمْ: أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ فَحَسْبُ كَالصُّبْحِ وَالنَّوَافِلِ .. فَلَيْسَ فِيهَا
إِلاَّ تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعاً .. فَفِيهَا تَشَهُّدَانِ: أَوَّلٌ وَثَانٍ .
وَيُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ ثَلاَثُ تَشَهُّدَاتٍ ، وَيُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ فِي صَلاَةٍ
الْمَغْرِبِ أَرْبَعُ تَشَهُّدَاتٍ (٢)، مِثْلُ: أَنْ يُدْرِكَ أَلْإِمَامَ بَعْدَ أُلُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَيُتَابِعَهُ
(١) والقراء: هم سبعون رجلاً كانوا من أهل الصفّة الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لطلب العلم
وقراءة القرآن والتفقه في الدين ، ومع ذلك كانوا ردءاً للمسلمين إِذا نزلت بهم نازلة ؛ لوصولهم غاية
بالغة من الشجاعة ، وكانوا يحتطبون بالنهار ويشترون به الطعام لأهل الصفة ، ويقرؤون ويصلون
الليل ، والمراد بأصحاب الصفة إِذا أُطلقوا : قوم فقراء غرباء زهاد ، وكانوا يأوون في صفة آخر
مسجده صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع السخاوي منهم جملة في مؤلفه (( رجحان الكفة في بيان أهل
الصفة)). ((الفتوحات)) (٣١٢/٢).
(٢) كذا في النسخ : ( ثلاث تشهدات) و(أربع تشهدات ) ، والمعتبرُ في تذكير العدد وتأنيثه تذكيرُ الواحد =
١٢٨

فِي التَّشَهُدِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَّ رَكْعَةٌ، فَإِذَا سَلَّمَ
أَلْإِمَامُ .. قَامَ الْمَسْبُوقُ لِيَأْتِيَ بِالزَّكْعَتَيْنِ أَلْبَاقِيَتَيْنِ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي رَكْعَةً وَيَتَشَهَّدُ
عَقِبَهَا ؛ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّالِثَةَ وَيَتَشَهَّدُ عَقِبَهَا .
أَمَّا إِذَا صَلَّى نَافِلَةً فَنَوَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ؛ بِأَنْ نَوَى مِئَّةَ رَكْعَةٍ ..
فَاَلِخْتِيَارُ: أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهَا عَلَى تَشَهُّدَيْنِ؛ فَيُصَلِّي مَا نَوَاهُ إِلَّ رَكْعَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدُ ،
ثُمَّ يَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدُ النَّشَهُدَ الثَّانِ وَيُسَلِّمُ .
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : لاَ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَىْ تَشَهّدَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ
يَكُونَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رَكْعَةٌ
وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى تَشَهُدَيْنِ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ . . بَطَلَتْ صَلاَتُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَجُوزُ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاَلْأَصَحُّ : جَوَازُهُ فِي كُلِّ
رَكْعَتَيْنِ لاَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ اُلتَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ وَاحِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَسُنّةٌ
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ: فَسُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ وَأَبِي
حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ، وَوَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ ؛ فَلَوْ تَرَكَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ .. صَحَّتْ صَلاَتُهُ
وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْداً أَوْ سَهْواً، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَ[في ذكر الاختلاف في ألفاظ التشهد والثابت منها] :
وَأَمَّا لَفْظُ اُلْتَّشَهُدِ : فَثَبَتَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثُ تَشَهُّدَاتٍ :
١٦٢ - أَحَدُهَا: روَايَةُ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وتأنيثه من المعدود ، لا تذكير الجمع وتأنيثه ، خلافاً للبغداديين ؛ فإنهم يعتبرون لفظ الجمع ، كما
=
ذكر الأشموني في (( شرح الألفية)) (٤/ ٦١)، فعليه يتخرج ما هنا .
١٢٩

((اُلْتَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ، اُلسَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) [خ٨٣١-
م ٤٠٢] .
١٦٣ - الثَّانِي: رِوَايَةُ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ :
((التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ اللهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ(١) ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَىْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) [٤٠٣].
١٦٤ - الثَّالِثُ: رِوَايَةُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَأَشْهَدُ(٢) أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) [٤٠٤].
١٦٥ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) بِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ الْفَاسِمِ قَالَ: عَلَّمَتْنِي
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٢٠/٢): (في ((شرح المشكاة)) لابن حجر:
وكأن وجه مخاطبته بذلك : الإِشارة إِلى أنّ الله يكشف له صلى الله عليه وسلم عن المصلين من أمته
حتى يكون كالحاضر معهم ؛ ليشهد لهم بأفضل الأعمال ، وليكون تذكر حضوره سبباً لمزيد الخضوع
والخشوع ، ثم رأيت الأئمة عدّوا من خصائصه صلى الله عليه وسلم : أن أعمال أمته تعرض عليه ،
ويستغفر لهم، واستدلوا بما رواه ابن المبارك [في ((الزهد)) ١٦٦] عن ابن المسيب: (( ليس من يوم
إِلا ويعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أعمال أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم ؛
ليشهد عليهم ، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا))))، ويشهد له حديث الترمذي (٣٢٣٣): ((فعلمت ما في السماوات وما في الأرض)).
(٢) لفظة ( أشهد) زيادة من (ج ).
١٣٠

عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: هَذَا تَشَهُّدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( اُلْتَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الهِ
وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ )) [مق١٤٤/٢ وانظر الملحق].
وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ ، وَهِيَ : أَنَّ تَشَهّدَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ
تَشَهُّدِنَا .
١٦٦- وَرَوَيْنَا فِي (( مُوَطَِّ مَالِكِ)) وَ(( سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهِمَا بِالْأَسَانِيدِ
الصَّحِيحَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ - وَهُوَ بِتَشْدِيدِ أَلْيَاءِ -: أَنَّهُ سَمِعَ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يُعَلِّمُ النَّاسَ النَّشَهُدَ يَقُولُ :
قُولُوا :
( التَّحِيَّاتُ للهِ ، الزَّاكِيَاتُ للهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ اللهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ﴾ [ط٩٠/١ - هق ١٤٤/٢].
١٦٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((أَلْمُوَطَّأِ)) وَ((سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهِمَا أَيْضاً بِإِسْنَادٍ صَحِيحِ
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتْ :
( التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ للهِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ
عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ).
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا فِي هَذِهِ اَلْكُتُبِ :
( التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الزَّاكِيَاتُ للهِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ
لَاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ
١٣١

وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَىْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) [ط٩١/١ - مق١٤٤/٢].
١٦٨ - وَرَوَيْنَا فِي ((الْمُوَطَّأِ)) وَ(( سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) أَيْضاً بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ
مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ :
( بِأَسْمِ اللهِ ، التَّحِيَّاتُ اللهِ، الصَّلَوَاتُ للهِ، الزَّاكِيَاتُ اللهِ ، السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ، شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ، شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ). [ط١/ ٩١ - مق ٢/ ١٤٢] وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَهَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّشَهُدِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ( وَالثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَةُ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَىْ)
هَذَا كَلاَمُ الْبَيْهَقِيِّ(١).
وَقَالَ غَيْرُهُ : الثَّلاثَةُ صَحِيحَةٌ ، وَأَصَكُهَا : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ يَجُوزُ النَّشَهُّدُ بِأَيِّ تَشَهُّدٍ شَاءَ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، هَكَذَا نَصَّ
عَلَيْهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَأَفْضَلُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ:
حَدِيثُ أَبْنِ عَبَّاسٍ؛ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ لَفْظِ ( الْمُبَارَكَاتِ ).
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ: (وَلِكَوْنِ الْأَمْرِ فِيهَا عَلَى السَّعَةِ
وَالتَّخْسِيرِ .. اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ )، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَ [في بيان حكم من اقتصر على بعض ألفاظ التشهد] :
اُلِإِخْتِيَارُ أَنْ يَأْتِيَ بِتَشَهْدِ مِنَ الثَّلاَثَةِ الْأُوَلِ بِكَمَالِهِ ، فَلَوْ حَذَفَ بَعْضَهُ . . فَهَلْ
يُجْزِئُهُ ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ :
فَاعْلَمْ: أَنَّ لَفْظَ (الْمُبَارَكَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ وَالزَّاكِيَاتِ ) سُنَّةٌ لَيْسَ
بِشَرْطِ فِي التَّشَهُّدِ ، فَلَوْ حَذَفَهَا كُلَّهَا وَأَقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: ( التَّحِيَّاتُ للهِ ، السَّلامُ
(١) ((سنن البيهقي)) (١٤٦/٢). وانظر الملحق رقم (١٦٨)
١٣٢

عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ... ) إِلَى آخِرِهِ . . أَجْزَأَهُ، وَهَذَا لَاَ خِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا .
وَأَمَّا بَاقِي الْأَلْفَاظِ مِنْ قَوْلِهِ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ . .. ) إِلَى آخِرِهِ ..
فَوَاجِبٌ لاَ يَجُوزُ حَذْفُ شَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ لَفْظُ (وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ) ؛ فَفِيهِمَا ثَلاَثَةُ
أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا :
أَصَكُهَا : لاَ يَجُوزُ حَذْفُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ ؛
لِتَّفَاقِ الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِمَا .
وَالثَّانِي : يَجُوزُ حَذْفُهُمَا .
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ حَذْفُ ( وَبَرَكَاتُهُ ) دُونَ ( وَرَحْمَةُ اللهِ ) .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَبْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ :
( التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، سَلَامٌ عَلَى عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ) .
وَأَمَّا لَفْظُ ( السَّلاَمُ ): فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ: ( السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ) ، وَكَذَا
( السَّلاَمُ عَلَيْنَا ) بِالْأَلِفِ وَاللَّم فِيهِمَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ( سَلَامٌ) بِحَذْفِهِمَا
فِيهِمَا .
قَالَ أَصْحَابْنَا: كِلاَهُمَا جَائِزٌ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ: ( السَّلاَمُ ) بِالْأَلِفِ وَاللَّم ؛
لِكَوْنِهِ الْأَكْثَرَ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ اُلزِّيَادَةِ وَالإِحْتِيَاطِ .
وَأَمَّا الْتَّسْمِيَةُ قَبْلَ الثَّحِيَّاتِ : فَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثاً مَرْفُوعاً فِي (( سُنَنِ النَّسَائِيِّ)»
وَ((أَلْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِ هِمَا بِإِثْبَاتِهَا(١)، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِثْبَاتُهَا فِي تَشَهُّدِ أَبْنِ عُمَرَ (٢)، لَكِنْ
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: (إِنَّ زِيَادَةَ التَّسْمِيَةِ غَيْرُ
(١) أخرجه النسائي (٢٤٣/٢)، والبيهقي (١٤١/٢)، والحاكم (٢٦٧/١)، وابن ماجه (٩٠٢ )
وغيرهم عن جابر .
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٩١/١)، والبيهقي (١٤٢/٢)، وتقدم برقم (١٦٨).
١٣٣

صَحِيحَةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، فَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا:
لاَ تُسْتَحَبُّ الْتَّسْمِيَةُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُسْتَحَبُّ ، وَأَلْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لاَ يَأْتِي
بِهَا؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوُا الَّشَهُدَ لَمْ يَرْؤُوهَا.
فَضَ [في بيان حكم ترتيب ألفاظ التشهد] :
إِعْلَمْ : أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي التَّشَهُدِ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَلَوْ قَدَّمَ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْضٍ .. جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ ، أَلَّذِي قَالَهُ أَلْجُمْهُورُ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ
الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي ((أَلْأُمّ ))، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ كَأَلْفَاظِ ( اُلْفَاتِحَةِ ) ، وَيَدُلُّ
لِلْجَوَازِ: تَقْدِيمُ السَّلاَمِ عَلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَتَأْخِيرُهُ فِي
بَعْضِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا (أَلْفَاتِحَةُ) .. فَأَلْفَاظُهَا وَتَرْتِيبُهَا مُعْجِزٌ؛ فَلاَ يَجُوزُ
تَغْيِيرُهُ .
وَلاَ يَجُوزُ النَّشَهُدُ بِالْعَجَمِيَّةِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَى الْعَرَبِيّةِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ .. تَشَهَّدَ
بِلِسَانِهِ وَيَتَعَلَّمُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَكْبِيرَةِ آلْإِحْرَامِ .
فَضَ [في بيان أن السنة في التشهد الإسرار] :
السُّنَّةُ فِي التَّشَهُدِ : الْإِسْرَارُ ؛ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ
الْحَدِيثِ :
١٦٩- مَا رَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ((أَلْبَيْهَقِيِّ)) عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفِيَ اُلْتَّشَهُدَ ) ، قَالَ
التِّرْ مِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ [٩٨٦٥- ت٢٩١- هق ١٤٦/٢ -
١٤ /٢٣٠] .
وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: ( مِنَ السُّنَّةِ كَذَا) .. كَانَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : ( قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، أَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ
١٣٤

اَلْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَلَوْ جَهَرَ بِهِ ..
كُرِهَ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلاَتُهُ ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .
١٣ - بَابُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ اُلَّشَهُدِ
أَعْلَمْ: أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
رَحِمَهُ اللهُ بَعْدَ النَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، لَوْ تَرَكَهَا فِيهِ .. لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ ، وَلاَ تَجِبُ
الصَّلاَةُ عَلَى آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ اُلْمَشْهُورِ ،
لَكِنْ تُسْتَحَبُّ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجِبُ(١).
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ: ( اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ
الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرََّتِهِ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ
إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ ،
كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ).
١٧٠ - رَوَيْنَا هَذِهِ أَلْكَيْفِيَّةَ فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ
كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [خ ٣٣٧٠ - ٤٠٦٢]، إِلاّ
بَعْضَهَا(٢) ؛ فَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةٍ غَيْرِ كَعْبٍ ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي ( كِتَابِ الصَّلاَةِ
عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَاللهُ أَعْلَمُ(٣).
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٤٥/٢): (قال ابن حجر الهيتمي في ((شرح
المشكاة)): ووجهه ظاهر؛ لأن الحديث صريحٌ فيه، وهو قوله عطفاً على المأمور به: ((وعلى آل
محمد)) ) .
(٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (١٩٨/٢): (قلت: البعض المستثنى
أربعة أشياء: ((عبدك ورسولك))، ثانيها: ((النبي الأمي))، ثالثها: ((وأزواجه وذريته))، رابعها:
((في العالمين)) ) .
(٣) انظر (ص٢١٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٣٥٧/٢): (وأحال المصنف
رحمه الله تعالى ونفع به تفصيل ما أجمله في كلامه هنا مما أشرنا إلى أصوله على كتاب الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر شيئاً ، بل قال : وقد بينا صفة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه
١٣٥

وَأَلْوَاجِبُ مِنْهُ: ( آللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ )، وَإِنْ شَاءَ .. قَالَ: ( صَلَّى اللهُ
عَلَى مُحَمَّدٍ )، وَإِنْ شَاءَ .. قَالَ: (صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)، أَوْ (صَلَّى اللهُ عَلَى
النَّبِيِّ ) .
وَلَنَا وَجْهُ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلَّ قَوْلُهُ: ( اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وَلَنَا وَجْهُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولُ: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى أَحْمَدَ)، وَوَجْهُ: أَنَّهُ يَقُولُ: (صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ ) ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا التَّشَهُدُ الْأَزَّلُ .. فَلاَ تَجِبُ فِيهِ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلاَ
خِلاَفٍ ، وَهَلْ تُسْتَحَبُّ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَصَخُهُمَا: تُسْتَحَبُ ، وَلاَ تُسْتَحَبُّ الصَّلاَةُ
عَلَى الْآلِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : تُشْتَحَبُّ ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي التَّشَهُدِ
اْلْأَوَّلِ عِنْدَنَا، بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّخْفِيفِ ، بِخِلاَفِ
اٌلَّشَهُدِ الْأَخِيرِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
١٤ - بَابُ الذُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ
أَعْلَمْ : أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّشَهُدِ الْأَخِيرِ مَشْرُوعٌ بِلاَ خِلاَفٍ .
١٧١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ«مُسْلِمٍ )) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمُ النَّشَهُدَ ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ :
((ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ))، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: ((أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو)) ، وَفِي
رِوَايَاتٍ لِمُسْلِمٍ : ((ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ)) [خ٨٣٥م٤٠٢].
وَأَعْلَمْ : أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاحِبٍ، وَيُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُهُ، إِلاَّ أَنْ
يَكُونَ إِمَاماً ، وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ وَالذُّنْيَا، وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ
بِالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ، وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعَوَاتٍ يَخْتَرِعُهَا، وَأَلْمَأْتُورَةُ أَفْضَلُ ، ثُمَّ
وسلم وما يتعلق بها ، وبيان أقلها وأكملها في كتاب أذكار الصلاة ، وكأنه نسي عند الكتابة في ذلك
=
المكان ما عزم عليه من البيان ، ولا عيب على الإنسان في السهو النسيان ) .
١٣٦

الْمَأْثُورَةُ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي غَيْرِهِ ، وَأَفْضَلُهَا هُنَا
مَا وَرَدَ هُنَا .
وَثَبَتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَدْعِيَةٌ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا :
١٧٢ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ
التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ .. فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعِ : مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ،
وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الذَّجَّالِ)) (١) [خ ١٣٧٧ - ١٣٠/٥٨٨٢].
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْهَا: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ ..
فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعِ ، يَقُولُ: آللَّهُمَّ؛ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ أَلْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ اَلْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))
[م١٢٨/٥٨٨] .
١٧٣ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ
اُلْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ))(٢) [خ ٨٣٢-٥٨٩٢].
(١) قوله: ((ومن عذاب القبر)) فيه أبلغ ردٌّ على المعتزلة في إِنكارهم له ومبالغتهم في الحطُّ على أهل السنة
في إثباته . وقوله: ((ومن فتنة المحيا والممات)) المراد : الاستعاذة من جميع فتن الدارين ؛ في
الحياة من كل ما يضرُّ ببدنٍ أو دين أو دنيا للداعي ولمن له به تعلق مع عدم الصبر ، وفي الموت قُبيله
عند الاحتضار من تسويل الشيطان الكفرَ حينئذٍ ومن شدائد سكراته . وقوله : ((ومن شر المسيح
الدجال)) فيه دلالة على عظيم فتنته وقوة بليته ، وحكمة تقديم ذكر عذاب القبر على فتنة الدجال
وغيرها : أن عذابه أطول زمناً وأبلغ مكانةً وأفظع موقعاً وأخوف هلاكاً لخطره ، وتأخير فتنة الدجال :
أنه يقع آخر الزمان قرب قيام الساعة . والدجال : المبالغ في الكذب بادعائه الإِحياء والإِماتة
وغيرهما . واستعاذ صلى الله عليه وسلم من فتنته ؛ حثاً لنا على الاستعاذة منها ؛ فإنه لا يسلم منها إِلا
الفذ النادر، أعاذنا الله منها بمنّه وكرمه. ((الفتوحات)) ( ٦/٣).
(٢) المأثم : الإِثم نفسه ، أو الأمر الذي يأثم به الإِنسان من جميع العصيان ، والمغرم ؛ أي : غرم المال=
١٣٧

١٧٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ .. يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ بَيْنَ
اُلَّشَهُدِ وَالتَّسْلِيمِ: ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا
أَعْلَنْتُ ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلَّ
أَنْتَ)) [م٧٧١] .
١٧٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي ، قَالَ: ((قُلِ : أَللَّهُمَّ ؛
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً ، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ . . فَأَغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ
عِنْدِكَ، وَأَرْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [خ٨٣٤- م٢٧٠٥].
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( ظُلْماً كَثِيراً ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي بَعْضٍ
رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : ( كَبِيراً) بِالْبَاءِ الْمُوَخَّدَةِ(١) ، وَكِلَهُمَا حَسَنٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ
بَيْنَهُمَا فَيُقَالَ : (ظُلْماً كَثِيراً كَبِيراً ) .
وَقَدِ أَحْتَجَّ أَلْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) وَأَلْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا
اُلْحَدِيثِ لِلدُّعَاءِ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ(٢)، وَهُوَ أَسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ( فِي
صَلاَّتِي ) يَعُمُّ جَمِيعَهَا، وَمِنْ مَظَانٌّ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ هَذَا الْمَوْطِنُ .
١٧٦ - وَرَوَيْنَا بِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي (( سُنَّنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ ،
في المعاصي ، أو الاستدانة لمعصية ، أو لطاعةٍ مع العجز عن وفائه . قيل : أما استدانته لحاجته مع
=
القدرة على الوفاء .. فلا يُستعاذ منها . وبالجملة: فالمأثم إِشارة إِلى حق الله، والمغرم إِلى حق
العباد. ((الفتوحات)) (٨/٣ - ١٠).
(١) وكذا في بعض روايات (( البخاري))، كما في النسخة اليونينية .
(٢) إِذ ترجم الإمام البخاري للباب بقوله : ( باب الدعاء قبل السلام ) وذكر الحديث تحته ، وكذا البيهقي
في ((السنن)) (١٥٤/٢) .
١٣٨

عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ (١): ((كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلاَةِ؟ )) قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ : آللَّهُمَّ ؛ إِنِّي
أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، أَمَا إِنِّي لاَ أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ)) [٧٩٢٥].
( الدَّنْدَنَةُ): كَلامٌ لاَ يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَمَعْنَى ((حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ)) أَيْ: حَوْلَ الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ، أَوْ حَوْلَ مَسْأَلَتِهِمَا: إِحْدَاهُمَا: سُؤَالُ طَلَبٍ، وَالثَّانِيَةُ: سُؤَالُ
أَسْتِعَاذَةٍ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ : ( اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ
وَأَلْعَافِيَّةَ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالثُّقَى وَالْعَفَافَ وَأَلْغِنَى)(٢) ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَابُ السَّلاَمِ لِلنَّخَلُّلِ مِنَ الصَّلاَةِ
أَعْلَمْ : أَنَّ السَّلاَمَ لِلشَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلاَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهَا
لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِهِ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ
وَأَلْخَلَفِ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي السَّلاَمِ أَنْ يَقُولَ عَنْ يَمِينِهِ : ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ)، وَعَنْ يَسَارِهِ : ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ ) ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ أَنْ
(١) في هامش ( ب): ( قال الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن العطار رضي الله عنه : ذكر ابن الجوزي
رحمه الله في ((تلقيح الفهوم)) [ص ٤٧٥] له هذا الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لرجلٍ .. وقال: اسم هذا الرجل: سليم الأنصاري، والله أعلم ) . وقد : جاء التصريح
باسمه عند الإِمام أحمد في (( مسنده» (٧٤/٥).
(٢) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٤١/١٧): (العفاف والعفة: هو التنزه عما
لا يباح والكف عنه ، والغنى هنا : غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم ) ، ويستفاد من
هذه الأحاديث وغيرها : أنه يتأكد على كل مصلٍّ - إِلا الإِمام حيث لم يرضوا بتطويله - : الدعاءُ سراً
بعد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقبل السلام لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات بما أحب ، والمتعلق
بالآخرة أولى؛ لأنه المقصود الأعظم. ((الفتوحات)) (١٩/٣-٢٠).
١٣٩

يَقُولَ مَعَهُ : (وَبَرَكَاتُهُ)؛ لِأَنَّهُ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُودَ(١) ، وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ؛
مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَزَاهِرٌ السَّرْخَسِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي ((أَلْحِلْيَةِ))، وَلَكِنَّهُ شَاذٌ ،
وَالْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُصَلِّي إِمَاماً أَوْ مَأْمُوماً أَوْ مُنْفَرِداً، فِي جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ ،
فِي فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ .. فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَلْتَفِتُ بِهِمَا إِلَى
الْجَانِبَيْنِ .
وَأَلْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ .. فَسُنَّةٌ، لَوْ تَرَكَهَا .. لَمْ يَضُرَّهُ، ثُمَّ
اُلْوَاجِبُ مِنْ لَفْظِ السَّلاَمِ أَنْ يَقُولَ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ)، وَلَوْ قَالَ: ( سَلَامٌ
عَلَيْكُمْ ) .. لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَوْ قَالَ: (عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ) .. أَجْزَأَهُ عَلَى
اَلْأَصَحِّ، فَلَوْ قَالَ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكَ ) ، أَوْ (سَلَاَمِي عَلَيْكَ)، أَوْ ( سَلاَمِي
عَلَيْكُمْ ) ، أَوْ ( سَلاَمُ اللهِ عَلَيْكُمْ ) ، أَوْ ( سَلاَمُ عَلَيْكُمْ) بِغَيْرِ تَنْوِينِ ، أَوْ قَالَ :
( اُلسَّلامُ عَلَيْهِمْ) .. لَمْ يُجْزِئْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِلاَ خِلاَفٍ ، وَتَبْطُلُ صَلاَتُهُ إِنْ قَالَهُ
عَامِداً عَالِماً فِي كُلِّ ذَلِكَ، إِلَّ فِي قَوْلِهِ: ( أَلسَّلامُ عَلَيْهِمْ) ؛ فَإِنَّهُ لاَ تَبْطُلُ صَلاَتُهُ
بِهِ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَإِنْ كَانَ سَاهِياً .. لَمْ تَبْطُلْ وَلاَ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الصَّلاَةِ ، بَلْ
يَحْتَاجُ إِلَى أَسْتِثْنَافِ سَلَامٍ صَحِيحٍ، وَلَوِ أُقْتَصَرَ الْإِمَامُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ .. أَتَى
الْمَأْمُومُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ: (إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ..
فَالْمَأْمُومُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ .. سَلَّمَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ .. أُسْتَدَامَ الْجُلُوسَ
لِلدُّعَاءِ وَأَطَالَ مَا شَاءَ)، وَاللهُ أَعْلَمُ .
(١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (٢٣٨/٢) بعد أن سرد طرقاً أخرى غير رواية
أبي داوود: (فهذه عدة طرق ثبت فيها ((وبركاته))، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة).
١٤٠