النص المفهرس

صفحات 41-60

يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بَعْدَهُ وَإِنْ أَحْدَثَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ .. صَلَّى
بِهِ وَقَرَأَ بِهِ فِي الصَّلاَةِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ خَارِجَ الصَّلاَةِ ، وَالصَّحِيحُ : جَوَازُهُ كَمَا
قَدَّمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ تَيَقُّمَهُ قَامَ مَقَامَ الْغُسْلِ .
وَلَوْ تَيَمَّمَ أَلْجُنُبُ ثُمَّ رَأَى مَاءً .. يَلْزَمُهُ أَسْتِعْمَالُهُ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ
وَجَمِيعُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ حَتَّى يَغْتَسِلَ، وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَقَرَّأَ، ثُمَّ أَرَادَ
الثَّيَّهُمَ لِحَدَثٍ أَوْ لِفَرِيضَةٍ أُخْرَى أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ .. لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ .
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَحْرُمُ ،
وَهُوَ ضَعِيفٌ .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْجُنُبُ مَاءً وَلاَ تُرَاباً .. فَإِنَّهُ يُصَلِّي لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ عَلَى حَسَبٍ
حَالِهِ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ خَارِجَ الصَّلاَةِ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلاَةِ مَا زَادَ
عَلَىْ ( أَلْفَاتِحَةِ )، وَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ( الْفَاتِحَةُ ) ؟ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَصَكُهُمَا : لاَ تَحْرُمُ، بَلْ تَجِبُ ؛ فَإِنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَصِحُّ إِلَّ بِهَا ، وَكَمَا جَازَتِ
الصَّلاَةُ لِلضَّرُورَةِ .. تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ.
وَالثَّانِي : تَحْرُمُ ، بَلْ يَأْتِي بِأَلْأَذْكَارِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا مَنْ لاَ يُحْسِنُ شَيْئاً مِنَ
اُلْقُرْآنِ .
وَهَذِهِ فُرُوعٌ رَأَيْتُ إِثْبَاتَهَا هُنَا؛ لِتَعَلُّقِهَا بِمَا ذَكَرْتُهُ، فَذَكَرْتُهَا مُخْتَصَرَةً ،
وَإِلاَّ . . فَلَهَا تَتِمَّاتٌ وَأَدِلَّةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَكُ [في بيان هيئة الذاكر]:
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الذَّاكِرُ عَلَىْ أَكْمَلِ الصِّفَاتِ ، فَإِنْ كَانَ جَالِساً فِي مَوْضِعٍ ..
أُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَلَسَ مُتَخَشِّعاً مُتَذَلِّلاً بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، مُطْرِقاً رَأْسَهُ(١)، وَلَوْ ذَكَرَ
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٣٣/١): (في ((فروع الفقيه محمد بن أبي بكر -
٤١

عَلَى غَيْرِ هَذِهِ أَلْأَحْوَالِ .. جَازَ وَلاَ كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ..
كَانَ تَارِكاً لِلأَفْضَلِ، وَالذَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ .
١١- وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْكِىءُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
[٢٩٧] وَمُسْلِمٌ [٣٠١].
وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي) [خ ٧٥٤٩].
١٢ - وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: (إِنِّي لَأَقْرَأُ جُزْئِي وَأَنَا
مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ) (١) .
فَضَُّ [في مواضع الذكر]:
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَذْكُرُ فِيهِ خَالِياً نَظِيفاً ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ فِي أَحْتِرَامِ
الذِّكْرِ وَالْمَذْكُورِ، وَلِهَذَا مُدِحَ الذِّكْرُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ، وَجَاءَ
عَنِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي مَيْسِرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (لاَ يُذْكَرُ اللهُ تَعَالَى إِلاَّ فِي مَكَانٍ
طَيِّبٍ )(٢).
=
الأشجعيّ اليمنيّ)): ((أفضل الجلسات التورّك ؛ وهو جلوس التشهُّد الأخير ؛ لأنه جلوس فرض ، ثم
الافتراش ؛ لأنه مطلوب في الصلاة )). ومختار أشياخنا: الأولُ؛ لأنه أكمل في الأدب ، وأقرب إِلى
حضور القلب، ولا ينافيه ما نقل القاضي عياض في ((شرح مسلم)): ((أَنَّ أكثر جلوسه صلى الله عليه
وسلم الاحتباءُ)) ؛ أي : فيقتضي إِكثارهُ من ذلك أفضليتهُ على سواه ؛ لما قال عِمِّي وشيخي الشيخ
الأوحد أحمد بن إِبراهيم بن علان الصدِّيقي سلَّمه اللهُ تعالى: ((إِنَّ القومَ إِنَّما فضَّلوا ما سبقَ ؛ لأنه
أقرب إلى الحضور ، ففضَّلوه لذلك، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا تطرقه الغفلة في آنٍ حتى يتوصَّل
بالجلسة أو نحوها إِلى ذلك الشأن ))، وهو جوابٌ حسنٌّ في غاية الإِحسان ) .
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٢٢)، وابن أبي شيبة (٣٨٤/٢)، وعنده (حزبي) بدل: ( جزئي ) ،
وهي موافقة لبعض السخ لدينا .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٩/١)، وابن سعد (١٠٧/٦).
٤٢

وَيَنْبَغِي أَيْضاً أَنْ يَكُونَ فَمُهُ نَظِيفاً، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَغَيُرٌ .. أَزَالَهُ بِالسِّوَاكِ .
فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاسَةٌ .. أَزَالَهَا بِالْغَسْلِ بِأَلْمَاءِ ، فَلَوْ ذَكَرَ وَلَمْ يَغْسِلْهَا .. فَهُوَ
مَكْرُوهٌ وَلاَ يَحْرُمُ ، وَلَوْ قَرَّأَ أَلْقُرْآنَ وَفَمُهُ نَجِسٌ .. كُرِهَ ، وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ
لِأَصْحَابِنَا : أَصَُهُمَا: لاَ يَحْرُمُ .
فَضَ [في الأحوال التي يكره فيها الذكر] :
أَعْلَمْ : أَنَّ الذِّكْرَ مَحْبُوبٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، إِلَّ فِي أَحْوَالٍ وَرَدَ الشَّرْعُ
بِأَسْتِثْنَائِهَا، نَذْكُرُ مِنْهَا هُنَا طَرَفاً؛ إِشَارَةً إِلَى مَا سِوَاهُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الذِّكْرُ(١) حَالَةَ الْجُلُوسِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِي حَالَةِ
الْجِمَاعِ ، وَفِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ لِمَنْ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ، وَفِي الْقِيَامِ فِي
الصَّلاَةِ ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالْقِرَاءَةِ ، وَفِي حَالَةِ النُّعَاسِ ، وَلاَ يُكْرَهُ فِي الطَّرِيقِ وَلاَ فِي
الْحَمَّامِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَ [في بيان حقيقة الذكر] :
الْمُرَادُ مِنَ الذِّكْرِ : حُصُورُ الْقَلْبِ ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مَقْصُودَ الذَّاكِرِ ،
فَيَحْرِصُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَيَتَدَبَّرُ مَا يَذْكُرُ، وَيَتَعَقَّلُ مَعْنَاهُ، فَالتَّدَبُّرُ فِي الذِّكْرِ
مَطْلُوبٌ كَمَا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْقِرَاءَةِ ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ ،
(١) المراد بـ(الذكر) هنا: الذكر باللسان؛ إِذ هو الذي يطلب تركه في المواضع الآتية، أما بالقلب ..
فيطلبُ حتى فيما يأتي ، قال أصحابنا : إِذا عطس قاضي الحاجة أو المجامِعُ .. حمِدَ اللهَ بقلبه ، وفي
((الحرز الثمين)) للهروي : ( الذكر عند نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب بالإِجماع . وأما
الذكر باللِّسان حالتئذٍ .. فليس مما شرع لنا ولا نَدَبنا إِليه صلى الله عليه وسلم ، ولا نُقُل عن أحدٍ من
الصحابة ، بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة ، وذكر نعمة الله تعالى بتسهيل إخراج هذا
المؤذي الذي لو لم يخرج .. لقتل صاحبه ، وهذا من أعظم الذكر ولو لم يُقَل باللُّسان ).
((الفتوحات)) (١٤٣/١).
٤٣

وَلِهَذَا: كَانَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَسْتِحْبَابَ مَدِّ الذَّاكِرِ قَوْلَهُ: (لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ) لِمَا فِيهِ مِنَ التَّدَبُّرِ، وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْخَلَفِ فِي هَـذَا مَشْهُورَةٌ ،
وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَك [في تدارك الذكر لمن اعتاد الملازمة عليه] :
يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكْرِ فِي وَقْتٍ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارِ ، أَوْ عَقِبٍ
صَلاَةٍ، أَوْ حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، فَفَاتَتْهُ . . أَنْ يَتَدَارَكَهَا، وَيَأْتِيَ بِهَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا ،
وَلاَ يُهْمِلْهَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَادَ الْمُلاَزَمَةَ عَلَيْهَا .. لَمْ يُعَرِّضُهَا لِلتَّقْوِيتِ، وَإِذَا تَسَاهَلَ
فِي قَضَائِهَا .. سَهُلَ عَلَيْهِ تَضْيِيعُهَا فِي وَقْتِهَا .
١٣ - وَقَدْ ثَبَتَ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ
مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ .. كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ)) (١) [م٧٤٧].
فِظَّ فِي أَحْوَالٍ تَعْرِضُ لِلذَّاكِرِ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَطْعُ الذِّكْرِ بِسَبِهَا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِهَا:
مِنْهَا: إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ .. رَدَّ السَّلاَمَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الذِّكْرِ (٢)، وَكَذَا إِذَا عَطَسَ عِنْدَهُ
عَاطِسٌ .. شَمَّتَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الذِّكْرِ، وَكَذَا إِذَا سَمِعَ الْخَطِيبَ، وَكَذَا إِذَا سَمِعَ
الْمُؤَذِّنَ .. أَجَابَهُ فِي كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَأَلْإِقَامَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الذِّكْرِ، وَكَذَا إِذَا رَأَى
مُنْكَراً .. أَزَالَهُ، أَوْ مَعْرُوفاً .. أَرْشَدَ إِلَيْهِ، أَوْ مُسْتَرْشِداً .. أَجَابَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى
(١) المراد بـ(الحزب) هنا: ما يرتِّبه الإِنسان على نفسه من ذكرٍ أو قراءةٍ أو صلاةٍ. وقوله: ( كتب له
كأنما قرأه من الليل) قال القرطبي رحمه الله تعالى في ((المفهم)) (٣٨٣/٢): ( هذا تفضُّلٌ مِنَ الله
تعالى ، وهذه الفضيلة إِنما تحصل لمن غلبه نومٌ أو عُذرٌ منعه من القيام مع أَنَّ نيته القيام ، قال :
وظاهره أَنَّ له أجره مكملاً مضاعفاً ؛ وذلك لحسن نيته وصدق تلهفه وتأسفه ، وهو قول بعض
شيوخنا . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون غير مضاعف ؛ إِذ التي يصليها ليلاً أكمل وأفضل ، والظاهرُ
الأوَّلُ ) .
(٢) محلُّه في غير المؤذِّن، أما هو إِذا سُلِّم عليه .. فالسنة له: تأخير الردِّ إِلى تمام الأذان ، وكذا يسنُّ له
تأخير تشميت العاطس إِلى تمامه. ((الفتوحات)) (١٥٢/١).
٤٤

الذِّكْرِ، وَكَذَا إِذَا غَلَبَهُ النُّعَاسُ أَوْ نَحْوُهُ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا كُلَّهُ(١).
فَضَ [في اشتراط التلفظ بالذكر حتى يعتد به] :
أَعْلَمْ : أَنَّ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا - وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ مُسْتَحَبَّةً -
لاَ يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا وَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ صَحِيحَ
السَّمْعِ لاَ عَارِضَ لَهُ(٢).
فَضَُّك [في بيان ما صنف في عمل اليوم واللية] :
إِعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ صَنَّفَ فِي عَمَلِ أَلْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ كُباً نَفِيسَةً ،
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٥٤/١): (قال النووي: معناه: أَنَّ الصادقَ
يدور مع الحقُّ حيثما دار ، فإِن كان له الفضل الشرعيُّ في الصلاةِ مثلاً .. صلَّى، وإِن كان في مجالسة
العلماء والصالحين والضيفان والعيال وقضاء حاجة مسلمٍ وجبر قلب مكسورٍ ونحو ذلك .. فعلَ
الأفضل وتركَ عادته ، وكذلك الصوم والقراءة والذكر والأكل والشرب والخلطة والعزلة والتنعم
والابتذال . وأما المُرائي .. فيلزم حالةً واحدةً بحيث لو عرض له مهمٌّ يرجِّحه الشَّرعُ عليها في بعض
الأحوال .. لم يأت بههذا المهمّ ، بل يحافظ على حالته ؛ لأنه يُراعي بعبادته وحالته المخلوقين ،
فيخاف من التغيير ذهابَ محبتهم إِياه ، فيحافظ على بقائها ، والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى ،
فحيث رجَّح الشِرِعُ حالاً .. صارَ إِليهِ، ولا يعرج على المخلوقين ) .
(٢) ليس المراد: أَنَّ من ذكر بقلبه من غير تلفُّظ بلسانه لا يكون معتداً به شرعاً؛ لأنَّ مداومة الذكر
لا تتصوَّر بدون اعتباره، بل هو أفضل أنواعه . والإِسماع هو أقلُّ الإِخفاء عند الجمهور . قال الهروي
رحمه الله تعالى في ((الحرز)): ( وفي مذهبنا هو القول المشهور، وهو عندنا حدُّ السرّ ، وأقل الجهر
أن يُسمع من بجانبه ، ومن هنا استشكل التوسُّط بينهما في قولهم: (( يتوسط بين الجهر والإِسِرار في
نفل الليل المطلق)) ، ثم حملوه علىُ أَنَّ المراد: الجهر تارة والإِسرار أخرى، وحمله ابن المُلَقُّن على
أدنى درجات الجهر؛ قال: وبه يرتفع الخلاف ؛ نقله عنه ابن المُزجَّد في (( التجريد)). وقيل: أقل
الإِخفاء تصحيح الحروف ؛ وهو مجرد التلفّظ من غير أن يكون هناك صوت يسمع ، ويسمَّى بالهمس .
قال أصحابنا : ولا يحرم على الجنب تحريك لسانه بالقرآن وهمسه بحيث لا يسمع نفسه ؛ لأنها ليست
بقراءة قرآن). لكن قال الراغب رحمه الله تعالى في ((مفرداته)) مادة: همس (ص٨٤٦ ):
( الهمس : الصوتُ الخفيُّ، وهمس الأقدام : أخفىُ مَا يَكون من صوتها، قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْسًا﴾ ) ، وهو يقتضي أن الهمس فيه صوتٌ مسموع إِلا أنه في غاية الخفاء . ويجمع بين الكلامين بأن
مراد الفقهاء لا يسمع نفسه ؛ أي : السماع المعتدّ به ؛ بأن يسمع مع الصوت الحروف ، أما لو سمع
الصوت من غير سماعه للحرف .. فلا اعتبار به. ((الفتوحات)) (١٥٦/١).
٤٥

رَوَوْا فِيهَا مَا ذَكَرُوهُ بِأَسَانِيدِهِمُ الْمُتَّصِلَةِ، وَطَرَّقُوهَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ (١) ، وَمِنْ
أَحْسَنِهَا «عَمَلُ الْيَوْم وَاللَّيْلَةِ)) لِلإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ
وَأَنْفَسُ وَأَكْثَرُ فَوَائِدَ كِتَابُ ((عَمَلِ أَلْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ )) لِصَاحِبِهِ أَلْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَا جَمِيعَ (( كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) عَلَى شَيْخِنَا الْإِمَامِ اَلْحَافِظِ أَبِي
الْبَقَاءِ خَالِدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَلْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَنَا أَلْإِمَامُ
اُلْعَلَّمَةُ أَبُو أَلْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ سَنَةَ أَثْنَيْنِ وَسِتٍّ مِئَةٍ،
قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ الْأَنْصَارِيُّ ،
قَالَ : أَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدِ بْنِ اَلْحَسَنِ الدُّونِيُّ ،
قَالَ : أَنَا الْقَاضِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَسَّارِ الدِّينَوَرِيُّ ،
قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْإِسْنَادَ هُنَا؛ لِأَنِّي سَأَنْقُلُ مِنْ ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ)» - إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى - جُمَلاً، فَأَحْبَيْتُ تَقْدِيمَ إِسْنَادِ الْكِتَابِ، وَهَذَا مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ
اَلْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا خَصَصْتُ ذِكْرَ إِسْنَادِ هَذَا الْكِتَابِ؛ لِكَوْنِهِ أَجْمَعَ الْكُتُبِ
فِي هَذَا الْفَنِّ، وَإِلَّ .. فَجَمِيعُ مَا أَذْكُرُهُ فِيهِ لِي بِهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ بِسَمَاعَاتٍ
مُتَّصِلَةٍ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى، إِلاَّ الشَّاذَ النَّادِرَ .
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا أَنْقُلُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْإِسْلاَمِ ، وَهِيَ :
((الصَّحِيحَانِ)) لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَ((سُنَنُ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ(«النَّسَائِيِّ)).
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا هُوَ مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ، كَـ(( مُوَطَِّ الْإِمَامِ مَالِكِ))
وَكَ« مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَبْنِ حَنْبَلٍ )) وَ(( أَبِي عَوَانَةَ)) ، وَ(( سُنَّنِ أَبْنِ مَاجَهْ))،
(١) أي : ذكروا كل حديث من طرق متعددة على ما وصلهم .
٤٦

وَ( الذَّارَقُطْنِيِّ)) ، وَ(( الْبَيْهَِيِّ))، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ وَمِنَ الْأَجْزَاءِ مِمَّا سَتَرَاهُ إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَضََّكُ [في تخريج أحاديث الكتاب] :
أَعْلَمْ : أَنَّ مَا أَذْكُرُهُ فِي هَذَا أَلْكِتَابِ مِنَ اْأَحَادِيثِ .. أُضِيفُهُ إِلَى الْكُتُبِ
الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا قَدَّمْتُهُ، ثُمَّ مَا كَانَ فِي صَحِيحَيٍ ((الْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) أَوْ
فِي أَحَدِهِمَا .. أَقْتَصِرُ عَلَى إِضَافَتِهِ إِلَيْهِمَا لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَهُوَ صِحَّتُهُ؛ فَإِنَّ
جَمِيعَ مَا فِيهِمَا صَحِيحٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي غَيْرِهِمَا .. فَأُضِيفُهُ إِلَى كُتُبِ السُّنَنِ
وَشِبْهِهَا، مُبيِّناً صِخَّتَهُ وَحُسْنَهُ، أَوْ ضِّعْفَهُ إِنْ كَانَ فِيهِ ضَّعْفٌ فِي غَالِبٍ أُلْمَوَاضِعِ ،
وَقَدْ أَغْفُلُ عَنْ صِخَّتِهِ وَحُسْنِهِ وَضَعْفِهِ .
وَأَعْلَمْ : أَنَّ((سُنَنَ أَبِي دَاوُودَ)) مِنْ أَكْثَرِ مَا أَنْقُلُ مِنْهُ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ :
( ذَكَرْتُ فِي كِتَابِي الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ ضُّعْفٌ شَدِيدٌ ..
بَنْتُّهُ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ شَيْئاً .. فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُ مِنْ بَعْضٍ)(١).
هَذَا كَلاَمُ أَبِي دَاوُودَ ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا صَاحِبُ هَذَا أَلْكِتَابِ
وَغَيْرُهُ، وَهِيَ: أَنَّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ فِي (( سُنَتِهِ)) وَلَمْ يَذْكُرْ ضَعْفَهُ .. فَهُوَ عِنْدَهُ
صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، وَكِلاَهُمَا يُخْتَجُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ ، فَكَيْفَ بِالْفَضَائِلِ ؟!
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَمَتَى رَأَيْتَ هُنَا حَدِيثاً مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُودَ وَلَيْسَ فِيهِ
تَضْعِيفٌ .. فَأَعْلَمْ: أَنَّهُ لَمْ يُضَعِّفْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ(٢).
وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُقَدِّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بَاباً فِي فَضِيلَةِ الذِّكْرِ مُطْلَقاً ، أَذْكُرُ فِيهِ
أَطْرَافاً يَسِيرَةً تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَذْكُرُ مَقْصُودَ الْكِتَابِ فِي أَبْوَابِهِ ، وَأَخْتِمُ
أُنظر ((رسالة أبي داوود لأهل مكة في وصف سننه)) (ص ٣٧-٤٤).
(١)
(٢)
أنظر تعليقات فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله على («رسالة أبي داوود)).
٤٧

اُلْكِتَابَ - إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - بِـ( بَابِ الِاسْتِغْفَارِ) تَفَاؤُلاً بِأَنْ يُخْتَمَ لَنَا بِهِ، وَأَللهُ
الْمُوَفِّقُ، وَبِهِ الثَّقَةُ، وَعَلَيْهِ التَّوَكُلُ وَاَلِعْتِمَادُ ، وَإِلَيْهِ التَّفْوِيضُ وَالِاسْتِنَادُ .
١ - بَابٌ مُخْتَصَرٌّ فِي أَحْرُفٍ مِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَذْكُرُونِي أَذْكُرَّكُمْ﴾،
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِيُّ
لَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.
١٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْ)) إِمَامَي الْمُحَدِّثِينَ: أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيِّ الْجُعْفِيِّ مَوْلاَهُمْ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ
مُسْلِمٍ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيِّ النَّْسَابُورِيِّ رَضِيَ الهُ عَنْهُمَا، بِأَسَانِيدِ هِمَا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَأَسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ
نَحْوِ ثَلاثِينَ قَوْلاً، وَهُوَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثاً - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللُّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِبَتَانِ إِلَى
الرَّحْمَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ))، وَهَذَا الْحَدِيثُ آخِرُ
شَيْءٍ فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) [خ ٧٥٦٣ - م٢٦٩٤].
١٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ؟ إِنَّ
أَحَبَّ الْكَلاَم إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ )) [م٨٥/٢٧٣١] .
وَفِي رِوَايَةٍ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْكَلاَمِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((مَا أَصْطَفَى اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)) [م٢٧٣١/ ٨٤].
١٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَرْبَعٌ :
٤٨

سُبْحَانَ اللهِ ، وَأَلْحَمْدُ للهِ ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، لاَ يَضُرُكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ ))
[م٢١٣٧] .
١٧ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيْمَانِ، وَأَلْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ
اُلْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ »
[م٢٢٣] .
١٨ - وَرَوَيْنَا فِيهِ أَيْضاً عَنْ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ ، وَهِيَ فِي
مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى أَلْحَالِ
الَّتِ فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ )) قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقَدْ
قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ أَلْيَوْمٍ .. لَوَزَنَتَّهُنَّ :
سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ))
[م٢٧٢٦] .
وَفِي رِوَايَةٍ: (( سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ
زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ )) [م٢٧٢٦].
وَرَوَيْنَاهُ فِي (( كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) وَلَفْظُهُ: ((أَلَاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهَا :
سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ، سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ،
سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ ،
سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ ،
سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ ))
[ت٣٥٥٥] .
١٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) أَيْضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
٤٩

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلاَ
إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ .. أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) [٢٦٩٥٢].
٢٠ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ )) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ
وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ أَلْمُلْكُ، وَلَهُ أَلْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ
مَرَّاتٍ . . كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)) (١) [خ٦٤٠٤ - م٢٦٩٣].
٢١ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِنَّةَ مَرَّةٍ .. كَانَتْ لَهُ عِدْلَ
عَشْرِ رِقَابٍ ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيَّةٍ ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ
الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ ، إِلَّ رَجُلٌ عَمِلَ
أَكْثَرَ مِنْهُ)) [خ٦٤٠٣ -م٢٦٩١].
وَقَالَ: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ .. حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ
كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ » [خ٦٤٠٥ -م٢٦٩١].
٢٢ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اُللهِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((أَفْضَلُ
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٠٥/١): (في (( شرح كشف المشكل)) لابن
الجوزي : وجه التخصيص بولد إِسماعيل كونه أشرف العرب ، وهم أشرف من غيرهم ، وكذا قال ابن
الجوزي في ((مفتاح الحصن)). قال الهروي في ((الحرز)): (( ولأنهم مشتركون معه في النسب
والحسب)). والمراد : أَنَّ لمن أتى بهذا الذكر من الثواب كثواب من أعتق أربعاً من الرقاب ، لكن
في أصل الثواب لا في كماله المتضاعف ، وعلى هذا - كما قال غير واحدٍ - يحمل ما ورد من
أشباهه، وهو كثيرٌ؛ كحديث [مسلم ٨١١]: (( ( قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن))؛ بناءً على أَنَّ
المراد به أن يحصل لقارئها من الثواب ثواب قارىء الثلث غير مضاعف ، بخلاف قارىء الثلث ؛
فتضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى ما لا يعلمه إلا الله ) .
٥٠

الذِّكْرٍ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ)) (١)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ٣٣٨٣ - ق ٣٨٠٠].
٢٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَّهُ وَأَلَّذِي لاَ يَذْكُرُهُ .. مَثَلُ
اُلْحَيِّ وَأَلْمَيِّتِ)) [غ ٦٤٠٧].
٢٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
جَاءَ أَغْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلاَمَاً أَقُولُهُ ،
قَالَ: ((قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَأَلْحَمْدُ للهِ
كَثِيراً ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)) ،
قَالَ: فَهَؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: (( قُلِ: الْلَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي وَأَرْحَمْنِي وَأَهْدِنِي
وَأَرْزُقْنِي)) [م٢٦٩٦].
٢٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ فِي كُلِّ
يَوْمِ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟))، فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَلْفَ حَسَنَةٍ ؟ قَالَ :
(( يُسَبِّحُ مِئَّةَ تَسْبِيحَةٍ .. فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ))
[م٢٦٩٨] .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُمَيْدِيُّ: (كَذَا هُوَ فِي ((كِتَابِ مُسْلِمٍ )) فِي
جَمِيع الرِّوَايَاتِ: ((أَوْ يُحَطُّ )) ، قَالَ الْبَرْقَانِيُّ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى
(١) فائدة : قال بعض العلماء : لهذه الكلمة أسماء ؛ منها : كلمة التوحيد ؛ فإنها تدل على نفي الشريك
على الإِطلاق ، وكلمة الإِخلاص؛ وفي ((الحرز)): ( كلمة الإِخلاص مجموع الشهادتين ، وسميت
بذلك ؛ لكونها لا تكون سبباً للخلاص إِلا مع الإِخلاص )، وكلمة الإِحسان ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ
جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾، ودعوة الحقِّ؛ قال ابن عباس: ( هو قول: لا إِلهَ إِلاَّ الله)، والكلمة
الباقية ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ فِ عَفِيِهِ ﴾ أي: قول: لا إِلله إِلَّ الله ، وكلمة الصدق ؛ قال
تعالى: ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: قول: لا إِلله إِلَّ الله. ((الفتوحات)) (١/ ٢١٧).
٥١

اَلْقَطَّانُ عَنْ مُوسَى الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَقَالُوا: ((وَيُحَطُّ)) بِغَيْرِ أَلِفٍ)(١).
٢٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَىُ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، فَكُلُّ
تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ ،
وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَيُجْزِىءُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ
يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَىْ)) (٢) [م٧٢٠] .
قُلْتُ: ( السُّلاَمَى) بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّم، وَهُوَ: أَلْعُضْوُ، وَجَمْعُهُ :
( سُلَاَمَيَاتٌ) بِفَتْحِ الْمِيمٍ وَتَخْفِيفِ أَلْيَاءِ .
٢٧ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا أَدُلُكَ عَلَى كَنْزِ مِنْ
كُنُوزِ الْجَنَّةِ ؟ ))، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((قُلْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ
بِاللهِ)) [خ٦٣٨٤-م٢٧٠٤] .
٢٨- وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَمْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا
نَوَىَ أَوْ حَصَىّ تُسَبِّحُ بِهِ (٣)، فَقَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) (١٩٩/١).
قوله : ( أمرٌ ونهي): مرفوعان عطفاً على (كلُّ)، أو مجروران عطفاً على مدخولها، وإِنما أسقطت
(٢)
( كل ) هنا اعتماداً على ما سبق ، قال ابن حجر الهيتمي : ( وكأن الحكمة هي الإِشارة إِلى ندرة
وقوعهما بالنسبة إِلى ما قبلهما ، ولا سيما من المعتزل عن الناس ) . وسكت في الحديث عن ذكر
الصدقة الحقيقية - وهي : إِخراج بعض المال - لوضوحها ، بخلاف ما ذكره في الخبر ؛ فإِن في تسميته
بالصدقة وإِجزائه عن الصدقة الحقيقية المتبادر إِرادتها من ظاهر الخبر خفاءً ، فيؤخذ منه أَنَّ للصدقة
إِطلاقين . ثم ليس المراد من الحديث حصر أنواع الصدقة بالمعنى الأعمّ فيما ذكر فيه ، بل التنبيه به
على ما بقي منها، ويجمعها كلُّ ما فيه نوع نفع للنفس أو للغير. ((الفتوحات)) (٢٣٤/١).
(٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٤٥/١): (قال ابن حجر الهيتمي في (( شرح
المشكاة)): قوله: ((دخل على امرأة)) أي: مَحْرَم له ، أو كان ذلك قبل نزول الحجاب ، على أنه =
٥٢

أَفْضَلُ؟)) فَقَالَ: (( سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ
مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا هُوَ
خَالِقٌ، وَاللهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَلْحَمْدُ للهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مِثْلَ ذَلِكَ ،
وَلَاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ مِثْلَ ذَلِكَ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [د١٥٠٠ - ت٣٥٦٨].
٢٩ - وَرَوَيْنَا فِيهِمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ يُسَيْرَةَ - بِضَمِّ أَلْيَاءِ الْمُثَنَّةِ تَحْتُ، وَفَتْح
السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - الصَّحَابِيَّةِ الْمُهَاجِرَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ(١) ؛
فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولاَتْ مُسْتَنْطَقَاتٌ)(٢) [«١٥٠١ - ت٣٥٨٣].
٣٠ - وَرَوَيْنَا فِيهِمَا وَفِي (( سُنَنِ النَّسَائِيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ )
[١٥٠٢٥ - ت٣٤١١ - س٧٩/٣] .
وَفِي رِوَايَةٍ : ( بِيَمِينِهِ)(٣) [١٥٠٢٥] .
٣١ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنٍ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ
لا يلزم من الدخول الخلوة ؛ فلا يحتاج إلى ذلك ) .
It
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٥١/١): (قال ابن حجر الهيتمي في ((شرح
المشكاة)) : ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة ، وزعمُ أنها بدعة غير
صحيح ، إلا أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء مما يمخِّضها للزينة أو الرياء أو
اللعب ) .
(٢) فيه إِشارة إِلى قوله تعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
(٣) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٥٥/١-٢٥٦): (قال الهروي في ((الحرز)):
ليس في ((النسائي)) و((الترمذي)) قول: ((بيمينه)) كما ذُكر، والظاهر: أن لفظ (( بيمينه)) مدرج من
الراوي ؛ إِذ ليس في الأصول مذكوراً . هذا وحديثُ يُسَيْرَة رضي الله عنها السابق عقدُ الأناملِ فيه
شاملٌ لكلتا اليدين ، وحينئذٍ : فإما أن يحمل على اليمين ؛ ليوافق حديث ابن عمرو ، أو يبقى على
عمومه بالنسبة لحصول أصل السنَّة ، ويحمل خبر ابن عمرو رضي الله عنهما على بيان الأفضل ، أو
يحمل حديثها على ما إذا احتيج إِلى اليدين وحديثه على ما إِذا كفى أحدهما ) .
٥٣

رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ : رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً ، وَبِاْإِسْلاَمِ
دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولاً .. وَجَبَتْ لَهُ أَلْجَنَّةُ)) [د١٥٢٥].
٣٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ - بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَخَّدَةِ ،
وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ :
يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ ،
قَالَ : ((لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَىْ))(١) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ
حَسَنٌ [ت٣٣٧٥].
قُلْتُ : ( أَتَشَبَّثُ ) : بِتَاءِ مُثَنَّةٍ فَوْقُ، ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ بَاءِ مُوَخَّدَةٍ
مَفْتُوحَاتٍ ، ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ ، وَمَعْنَاهُ : أَتَعَلَّقُ بِهِ وَأَسْتَمْسِكُ .
٣٣ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ :
(( أَلْذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ)) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمِنَ الْغَازِي فِي
سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: ((لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ
وَيَخْتَضِبَ دَماً .. لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللهَ تعالىْ أَفْضَلَ مِنْهُ))(٢) [ت٣٣٧٦ وانظر الملحق] .
(١) في ((طبقات الشعراني الكبرى)) (٢٤/١) في ترجمة أبي الدرداء رضي الله عنه: ( أنه كان يقول: إِن
الذين ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنَّة وهو يضحك . قلت : المراد بالرطبة : عدم
الغفلة ، فإِن القلب إِذا غفل .. يبسِ اللَّسان وخرج عن كونه رطباً) ، وهو من الحسن بمكان . وقال
الطيبي رحمه الله تعالى: ( رطوبة اللِّسان كناية عن سهولة جريانه، كما أَنَّ يبسه كناية عن ضده، ثمَّ إِنَّ
جريان اللُّسان حينئذٍ عبارة عن مداومة الذكر). ((الفتوحات)) (٢٥٨/١).
(٢) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١/ ٢٦١): وكونه أفضل أعمال اللُّسان لا إِشكال
فيه ، إِنما الإِشكالُ في كونه خيراً من نحو الجهاد ، ويمكن الجمع باعتبار الحيثيّة ، وبه يندفع التنافي ،
وذلك بأَنَّ أفضليّة الذكر نظراً إِلى امتلاء قلب الذاكر بشهود ربِّه وحضوره بين يديه ، والإِنفاق والجهاد
المستلزم لدفع الشيطان وتجرده عن ساحة القلب ، الذي بصلاحه وطهارته يصلح ويطهر باقي البدن ،
فالذكر من جهة تأثيره في القلب ما لا يؤثر غيره من الإِنفاق ونحوه .. أفضل ، والجهاد من جهة خروجه
عن نفسه وماله وبذلهما لله تعالى وتعدي نفعه وكونه فرض كفاية أو عين .. أفضل ، والذكر سنة ، =
٥٤

٣٤ - وَرَوَيْنَا فِيهِ وَفِي ((كِتَابِ أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلاَ أُنَُّكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ
مَلِيْكِكُمْ، وَأَزْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرِ
لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ(١)؟))، قَالُوا: بَلَىُ، قَالَ:
((ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى))(٢) [ت ٣٣٧٧ - ق ٣٧٩٠].
قَالَ أَلْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي كِتَابِهِ (( أَلْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ)): هَذَا
حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ [ك١/ ٤٩٦].
٣٥- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ
بِي ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ؛ أَقْرِىءْ أُمَتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيَِّةُ
التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ أَلْمَاءِ ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ ، وَأَلْحَمْدُ للهِ ،
وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ))(٣) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت٣٤٦٢].
والفرض أفضل منها بالإِجماع في غير ما استثني ، وقد جمعت منه صوراً في قولي [من البسيط] :
الفرض أفضل من نقلٍ وإِن كثرا
=
فيما عدا صوراً خذها حكتْ دُررا
قُبيل وقت مع الإِبرا لمن عسرا
بدء السلام أذان والطهارة من
(١) في (ج): ( فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ) .
(٢) قوله: ( الورق) أصل الفضة الورق، وهي الدراهم المضروبة خاصة. وقوله: ( ذكر الله تعالى)
أي : الشامل للقرآن ، وهو أفضل أعمال اللسان بلا خلاف ، ولا شك أنه أفضل من مجرد الذكر . قال
الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى في ((القواعد)) (٥٠/١): ( هذا الحديث يدلُّ على
أَنَّ الثواب لا يترتب على قدر النَّصَب في جميع العبادات ، بل قد يأجُر الله على قليل العمل أكثر مما
يأجر على كثيره ، فإِذاً يترتب الثواب على تفاوت الرتب في الشرف ) . وقال الإمام الهيتمي رحمه الله
تعالى في (( شرح المشكاة)): ( وهذا جري على الأخذ بظاهر الحديث مع قطع النظر عن كلام
الأئمة؛ أي: القائلين بأفضليّة الجهاد والإِنفاق على الذكر). ((الفتوحات)) (٢٦٥/١).
(٣) المراد : أنّ هذه الكلمات سبب لدخول قائلها الجنّة ؛ لكثرة أشجار منزله داخل الجنّة ؛ لأنه كلما
ذكرها .. نبت له أشجار بعددها . وفي الجنة يتميز الغرس الأصلي الذي بلا سبب عن الغرس المتسبَّب
عن تلك الكلمات. ((الفتوحات)) (١ / ٢٧٤).
٥٥

٣٦ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ [الْعَظِيمِ] وَبِحَمْدِهِ .. غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ)) ، قَالَ
التِّرْ مِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ [ت ٣٤٦٤].
٣٧ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَيُّ
الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: (( مَا أَصْطَفَى اللهُ تَعَالَىْ لِمَلاَئِكَتِهِ: سُبْحَانَ
رَبِّي وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ)) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[ت ٣٥٩٣] .
وَهَذَا حِينُ أَشْرَعُ فِي مَقْصُودِ الْكِتَابِ ، وَأَذْكُرُهُ عَلَىْ تَرْتِيبِ الْوَاقِعِ غَالِباً ،
وَأَبْدَأُ بِأَوَّلِ أَسْتِيْقَاظِ اُلْإِنْسَانِ مِنْ نَوْمِهِ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ عَلَى الَّرْتِيبِ إِلَى نَوْمِهِ فِي
اللَّيْلِ، ثُمَّ مَا بَعْدَ اسْتِقَاظَاتِهِ فِي اللَّيْلِ الَّتِي يَنَامُ بَعْدَهَا، وَبِاللهِ الثَّوْفِيقُ(١) .
٢ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أُسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ
٣٨ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْ)) إِمَامَي الْمُحَدِّثِينَ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمٍ بْنِ اَلْحَجَّاجِ بْنِ
مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ
ثَلاَثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا : عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَأَرْقُدْ ، فَإِنِ أَسْتَيْقَظَ
وَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى .. أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ .. أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى ..
أَنْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلَّ .. أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ
كَسْلاَنَ))(٢) [خ ٣٢٦٩ - م٦ ٧٧].
(١) في هامش (ب): ( بلغ أبو العباس - وفقه الله - قراءة ومقابلة، ولله الحمد . كتبه ابن العطار عفا الله
عنهما ) .
(٢) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (٦٥/٦): (اختلف العلماء في هذا العقد ، -
٥٦

هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ ، وَ(قَافِيَةُ الرَّأْسِ ) : آخِرُهُ .
٣٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَلْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ،
وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالاَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى
فِرَاشِهِ .. قَالَ: ((بِأَسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ))، وَإِذَا أُسْتَيْقَظَ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ
للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) [خ٦٣١٢ ٦٣٢٥].
٤٠ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ أَبْنِ السُّنِّيِّ)) بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيَقُلِ :
اُلْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوْحِي (١)، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))
[سني٩].
٤١- وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ عِنْدَ رَدِّ الهِ تَعَالَى رُوحَهُ(٢): لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ
=
فقيل : هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإِنسان ومنعه من القيام ، وقيل : يحتمل أن يكون فعلاً
يفعله كفعل النفاثات في العقد ، وقيل : هو من عقد القلب وتصميمه ، فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه
بأَنَّ عليك ليلاً طويلاً فتأخر عن القيام ، وقيل : هو مجازٌ كني به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل ) .
ثمَّ هل هذا العقد عامٌ لكل من نامَ ، أو لا ؟ اللفظ يعطي العموم ، لكن تخصصه الآيات والأحاديث ؛
كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾، وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري
(٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١)]: ((من قال: لا إِلله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ، وله
الحمد ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرة .. كانت له عدل عشر رقاب ، وكتب له مئة حسنة ،
ومحيت عنه مئة سيئة ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي )) فهذا يخصص عموم
الحديث . وقوله : ( ثلاث عقد ) تكرار العقد ؛ ليثقل النوم فيطول ، أو ليكسل . وبالعقد وتكرره
يصير كالمربوط الذي لا حركة له . وقوله : ( على كل عقدة مكانها ) أي : ضربه بيده على العقدة
تأكيداً وإِحكاماً لها. ((الفتوحات)) (٢٧٨/١-٢٨٠).
(١) المراد بـ(الروح) هنا: روح اليقظة؛ وهي التي أجرى الله تعالى العادة أنها إِذا كانت في الجسد ..
كان الإِنسان مستيقظاً، وإِذا خرجت .. نام الجسد ورأت الروحُ المنامات. ((الفتوحات))
(٢٩٢/١) .
(٢) في (أ): ( روحه إِليه ) .
٥٧

لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ أَلْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. إِلَّ غَفَرَ اللهُ
تَعَالَىْ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)) [سني١٠ وانظر الملحق].
٤٢ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ رَجُلِ يَنْتُبِهُ مِنْ نَوْمِهِ فَيَقُولُ : أَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الَّوْمَ
وَأَلْيَقَظَةَ ، أَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَعَثَنِي سَالِماً سَوِيّاً، أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. إِلَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي)) [سني١٣ وانظر الملحق].
٤٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: ( كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ .. كَبَّرَ عَشْراً، وَحَمِدَ عَشْراً ،
وَقَالَ: (( سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ )) عَشْراً، وَقَالَ: ((سُبْحَانَ الْقُدُّوسِ)) عَشْراً،
وَأَسْتَغْفَرَ عَشْراً، وَهَلَّلَ عَشْراً، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا
وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) عَشْراً، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ ) [٥٠٨٥٥].
قَوْلُهَا: ( هَبَّ) أَي: أَسْتَيْقَظَ.
٤٤ -وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) أَيْضاً عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيْضاً : أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ
أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ ؛ زِدْنِي
عِلْماً، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، إِنَّكَ أَنْتَ
اَلْوَهَّابُ)) [٥٠٦١٥].
٣- بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: بِأَسْمِ اللهِ، وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي جَمِيعِ
اُلْأَعْمَالِ(١) .
(١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٢٩٩/١): (قال ابن حجر الهيتمي في ((شرح
العباب)): البسملة عبارة عن قولك: ((بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ))، بخلاف التسمية ؛ فإِنها عبارة عن =
٥٨

٤٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ )) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -
وَأَسْمُهُ : سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ - : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَبِسَ
ثَوْباً - قَمِيصاً أَوْ رِدَاءً أَوْ عِمَامَةً - يَقُولُ: ((آللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ
مَا هُوَلَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا هُوَلَهُ)) [سني ١٤].
٤٦ - وَرَوَيْنَا فِيهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ لَبسَ ثَوْباً فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِهِ مِنْ غَيْرِ
حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ .. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))(١) [سني ٢٧١].
٤ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً أَوْ نَعْلاً أَوْ شِبْهَهُ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ لِبَاسِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ .
٤٧ - وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَسْتَجَدَّ ثَوْباً .. سَمَّاهُ بِأَسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصاً أَوْ رِدَاءَ ، ثُمَّ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ؛ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّمَا صُنِعَ لَهُ )) حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ سُلَيْمَانُ بْنُ
الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَأَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ فِي (« سُنِهِمْ))، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنٌ [د٤٠٢٠ - ت١٧٦٧ - سك ١٠٠٦٨].
٤٨- وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ
ذكر اسم الله بأيِّ لفظٍ كان ) .
(١) في غير (أ): (غفر الله ما تقدم ... )، وفي (ج): ( غفر الله له ... ). والمكفَّر بصالح العمل
إِنما هو الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه ، أما الكبائر وتبعات العباد .. فلا ؛ إِذ الأُولى لا يكفرها إِلا
التوبة أو فضل الله ، والثانية لا يكفّرها إِلا رضا صاحبها وإِرضاء الله إِياه ، أو بفضله يصفح عنه
ما جناه. ((الفتوحات)) (١/ ٣٠١).
٥٩

رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ لَبَسَ ثَوْباً جَدِيداً فَقَالَ : أَلْحَمْدُ للهِ
الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي ، وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ
الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ .. كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ ، وَفِي كَنَفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفِي
سَبِيلِ اللهِ حَيّاً وَمَيِّناً)) [ت٣٥٦٠].
٥ - بَابُ مَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إِذَا رَأَى عَلَيْهِ ثَوْباً جَدِيداً
٤٩- رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ أَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
قَالَتْ: ( أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ(١) ،
قَالَ: ((مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟)) فَأَسْكَتَ (٢) الْقَوْمُ، فَقَالَ:
((أَثْتُونِي بِأُمّ خَالِدٍ))، فَأُنِيَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَلْبَسَنِهَا بِيَدِهِ وَقَالَ:
(( أَبْلِي وَأَخْلِقِي )) ، مَرَّتَيْنِ ) [خ٥٨٤٥] .
٥٠ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَي: ((أَبْنِ مَاجَهْ)) وَ(( أَبْنِ أُلُّنِّيِّ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثَوْباً فَقَالَ :
(( أَجَدِيدٌ هَذَا أَمْ غَسِيلٌ؟)) فَقَالَ: بَلْ غَسِيلٌ، فَقَالَ: ((أَلْبَسْ جَدِيداً ، وَعِشْ
حَمِيداً ، وَمُتْ شَهِيداً))(٣) [ق٣٥٥٨ - سني ٢٦٨].
(١) الخميصة : كساء من خز أو صوف معلم . وقيل: لا تسمى خميصة إِلا أن تكون سوداء معلمة ،
وكانت من لباس الناس قديماً. ((الفتوحات)) (٣٠٦/١).
(٢) في (ج): ( فسكت القوم) وهي موافقة لروايةٍ عند البخاري ، وفي رواية أخرى بالبناء للمفعول :
( فأسكِت ) .
(٣) زاد أحمد وإسحاق في ((مسنديهما)) آخره: ((ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة)). ثم ظاهر
إِدراج هذا الحديث في هذا الباب أنه يستحب الإِتيان بههذا الذكر لمن رأى على غيره ثوباً جديداً .
وقال عبد الرزاق: زاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد: (( ويعطيك الله قرة العين في الدنيا
والآخرة))، فقال - أي عمر -: ( وإياك يا رسول الله) أخرجه أبو حاتم، كذا في (( الرياض
النضرة)). ((الفتوحات)) (٣١٠/١، ٣١١، ٣١٢).
٦٠